اقتباسات
اقتباسات مضيئة
لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى بن مريم قال وكان من بني إسرائيل رجل عابد يقال له جريج فابتنى صومعة وتعبد فيها قال فذكر بنو إسرائيل يوما عبادة جريج فقالت بغي منهم لأن شئتم لأفتننه فقالوا قد شئنا قال فأتته فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأمكنت نفسها من راع كان يأوي غنمه إلى أصل صومعة جريج فحملت فولدت غلاما فقالوا ممن؟ قالت من جريج فأتوه فاستنزلوه فشتموه وضربوه وهدموا صومعته فقال ما شأنكم؟ قالوا إنك زنيت بهذه البغي فولدت غلاما قال وأين هو؟ قال هاه وذا قال فقام فصلا ودعا ثم انصرف إلى الغلام فطعنه بإصبعه وقال بالله يا غلام من أبوك؟ قال أنا ابن الراعي فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه وقالوا نبني صومعتك من ذهب قال لا حاجة لي في ذلك ابنوها من طين كما كانت قال وبين ممرأة في حجرها ابن لها ترضعه إذ مر بها راكب ذو شارة فقالت اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال اللهم لا تجعلني مثله قال ثم عاد إلى ثديها يمصه قال أبو هريرة فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي صنيع الصبي ووضعه إصبعه في فمه فجعل يمصها ثم مر بأمة تضرب فقالت اللهم لا تجعل ابني مثلها قال فترك ثديها وأقبل على الأمة فقال اللهم اجعلني مثلها قال فذلك حين تراجع الحديث فقالت حلقا مر الراكب ذو شارة فقلت اللهم اجعل ابني مثله فقلت اللهم لا تجعلني مثله ومر بهذه الأمة فقلت اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت اللهم اجعلني مثلها فقال يا أمتاه إن الراكب ذو شارة جبار من الجبابرة وإن هذه الأمة يقولون زنت ولم تزني وسرقت ولم تسرق وهي تقول حسبي الله
ما كان أبوك امرأ سوء يقول ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش وما كانت أمك بغياء يقول وما كانت أمك زانية
أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة فكيف صدر هذا منك
لم يكن أبواك إلا صالحين سالمين من الشر وخصوصا هذا الشر الذي يشيرون إليه وقصدهم فكيف كنت على غير وصفهما وأتيت بما لم يأتيا به وذلك أن الذرية في الغالب بعضها من بعض في الصلاح وضده فتعجبوا بحسب ما في قلوبهم كيف وقع منها
وهم أرادوا ذمها فأتوا بكلام صريحه ثناء على أبويها مقتض أن شأنها أن تكون مثل أبويها
لو كنت راجما أحدا بغير بينا لرجمت فلانة فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها
أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الغوابر من رمضان فتحدثت عنده ساعة من العشاء ثم قامت تنقلب فقام معها النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مر بهما رجلان من الأنصار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نفذ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي قال سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما ما قال قال إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا
وإياك وما يعتذر منه
إياك وما يعتذر منه وما يستحيى من ذكره فإنما يعتذر من الذنب ويستحيى من القبيح
هذا أمرٌ منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله بالقيام بدينه والدعوة إليه وجهاد أعدائه والقصد بذلك وجه الله فإنهم إذا فعلوا ذلك نصرهم الله وثبت أقدامهم لكي يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات ويصبر أجسامهم على ذلك ويعينهم على أعدائهم فهذا وعدٌ من كريم صادق الوعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه وييسر له أسبابا نصر من الثبات وغيره
أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه
الذي يفهم من الآيات القرآنية أن مرادهم بقولهم لقد جئت شيئاً فريا أي منكراً عظيما لأن الفري فعيل من الفرية يعنون به الزنا لأن ولد الزنا كالشيء المفترى المختلق لأن الزانية تدعي الحاقه بمن ليس أباه ويدل على أن مرادهم بقولهم فريا الزنا قوله تعالى وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيما لأن ذلك البهتان العظيم الذي هو ادعاؤهم أنها زنت وجاءت بعيسا من ذلك الزنا حاشاها وحاشاه من ذلك هو المراد بقولهم لها لقد جئت شيئاً فريا ويدل لذلك قوله تعالى بعده يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغي والبغي الزانية كما تقدم يعنون كان أبواكع في فيني لا يفعلان الفاحشة فما لك أنت ترتكبينها
وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا
فكلي من الرطب الذي يتساقط عليك واشربي من ماء السري الذي جعله ربك تحتك لا تخشي جوعا ولا عطشا وقري عينا يقول وطيبي نفسا وفرح بولادتك إيايا ولا تحزني
فكلي واشربي وقري عينا فكلي من الرطب الجني واشربي من الجدول السري وقري عينا بما وهبك الله تعالى من غلام زكي
والرطب تمر لم يتم جفافه والجني فعيل بمعنى مفعول أي مجتنى وهو كناية عن حدثان سقوطه أي عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته كان أطيب طعمه
فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة وحصول المأكل والمشرب الهني
فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا
فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسألك عن شيء من أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتك فقولي إني نذرت للرحمن صوما يقول فقولي إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أكلم أحدا من بني آدم اليوم
وقوله فإما ترين من البشر أحدا أي مهما رأيت من أحد فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا المراد بهذا القول والإشارة إليه بذلك لا أن المراد به القول اللفظي لألا ينافي فلن أكلم اليوم إنسيا
صوما وصمتا
كلم الناس وسلم عليهم فإن تلك مرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج
التلبينة حساء من دقيق ونخالة ومعنى مجمة مريحة وتسري عنه همة
ومعنى أنها تقويه وتنشط وذلك أنها غذاء فيه لطافة سهل التناول على المريض فإذا استعمله المريض اندفع عنه الحرارة الجوعية وحصلت له القوة الغذائية من غير مشقة تلحقه فيسرى عنه بعض ما كان فيه ونشط وذهب عنه الضيق والحزن الذي كان يجده بسبب المرض وإنما كانت عائشة رضي الله عنها تصنعها لأهل الميت وتثرد فيها لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء فاشتدت حرارة أحشائهم من الجوع والحزن فلما أطعمتهم التلبينة انكسرت عنهم حرارة الجوع فخف عنهم بعض ما كانوا فيه
يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال الذي ناداها ابنها عيسى وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه
أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى وتدل على ذلك قرينتان الأولى أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه وأقرب مذكور في الآية هو عيسى لا جبريل لأن الله قال فحملت يعني عيسى فانتبذت به أي بعيسى ثم قال بعده فناداها فالذي يظهر ويتبادر من السياق أنه عيسى والقرينة الثانية أنها لما جاءت به قومها تحمله وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه كما قال تعالى عنها فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعت
فإن قيل إن الحزن ألم طبيعي يعرض للإنسان عند فوت ما يحبه وليس أمراً اختياريا فكيف نهى الله تعالى عنه قلنا إن النهي عن الحزن يراد به النهي عن لوازمه التي يفعلها كثير من الناس مختارين فتكون محركة لذلك الألم ومجددة له ومبعدة أمد السلوى والأمر بضدها من تكلف الأعمال التي تشغل النفس وتصرفها عن التذكر والتفكر فيما حزنت لأجله احتساباً ورضاءاً من الله تعالى وهذه الأفعال تكون بدنية نفسية وتكون نفسية فقط أو بدنية فقط
أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية
أظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر الصغير والدليل على ذلك أمران أحدهما القرينة من القرآن فقوله تعالى فكلي واشربي قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله قد جعل ربك تحتك سريا وقوله تساقط عليك رطبا جنيا وكذلك قوله تعالى وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين لأن المعين الماء الجاري والظاهر أنه الجدول المعبر عنه بالسري في هذه الآية والله تعالى أعلم
فاعتزلت بالذي حملته وهو عيسى وتنحت به عن الناس مكاناً قصيا يقول مكاناً نائياً قاصياً عن الناس
وقوله وأويناهما إلى ربوة يقول وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة يقال أوى فلان إلى موضع كذا فهو يأوي إليه إذا صار إلي وعلى مثال أفعلته فهو يؤوي وقوله إلى ربوة يعني إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله
الربوة المكان المرتفع من الأرض وهو أحسن ما يكون فيه النبات
ومعنى الآية أنها من البقاع التي كملت خصالها فهي أهل أن يستقر فيها وقد يمكن أن يستقر على الكمال في البقاع التي ماؤها آبار فبيّن بعد أن ماء هذه الربوة يرى معينا جاريا على وجه الأرض
وهذا كمال الكمال والمعين الظاهر الجري للعين فالمي مزايدة وهو الذي يعاين جريه لا كالبئر ونحوه
فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة
أي فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة
ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس
فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركا ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت
والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين
أشد الناس بلاء أن الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء
ولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتن ويصبرهم عليها ويثيبهم فيها ولا يلقيهم في فتنة مهلكة مضلة تذهب بدينهم بل تمر عليهم الفتن وهم منها في عافية
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم
يعني هكذا يخلق الله منك ولدا لك من غير أن يمسك بشر فيجعله آية للناس وعبرة فإنه يخلق ما يشاء ويصنع ما يريد
تقول كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عزمي أن أتزوج ولست بغيا حاشا لله فقال لها الملك عن الله عز وجل في جواب ذلك السؤال كذلك الله يخلق ما يشاء أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شي الله جل في علاه لا يعجزه شي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس تدل على كمال قدرة الله تعالى وعلى أن الأسباب جميعها لا تستقل بالتأثير وإنما تأثيرها بتقدير الله فيري عباده خرق العوائد في بعض الأسباب العادية لألا يقفوا مع الأسباب ويقطع النظر عن مقدرها ومسببها
يعني هكذا يخلق الله منك ولدا لك من غير أن يمسك بشر فيجعله آية للناس وعبرة فإنه يخلق ما يشاء ويصنع ما يريد فيعطي الولد من شاء من غير فحل ومن فحل ويحرم ذلك من يشاء من النساء وإن كانت ذات بعل لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه إنما هو أن يأمر إذا أراد شيء ما أراد فيقول له كن فيكون ما شاء مما يشاء وكيف شاء
ولنجعله آية للناس أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه فهذه آية تدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى وحجة على المعاندين والمعرضين عن دين الله الناكرين لعظمة الله
ولنجعله آية للناس يقول وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك
وصرحها هنا بقوله يخلق ما يشاء ولم يقل يفعل كما في قوله يفعل كما في قصة زكريا بل نصها هنا على أنه يخلق لأن لا يبقي لمبطل شبه
أي ولنجعله رحمة منا به وبوالدته وبالناس أما رحمة الله به فلما خصه الله بوحيه ومن عليه بما من به على أولي العزم وأما رحمته بوالدته فلما حصل لها من الفخر والثناء الحسن والمنافع العظيمة وأما رحمته بالناس فإن أكبر نعمه عليهم أن بعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فيؤمنون به ويطيعونه وتحصل لهم سعادة الدنيا والآخرة
والتبشير إخبار المرء بما يسره من خبر
هذه بشارة من الملائكة لمريم عليه السلام بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير
لأنها حسبت أنه بشر اختبأ لها ليراودها عن نفسها فبادرته بالتعوذ منه قبل أن يكلمها مبادرة بالإنكار على ما توهمته من قصده الذي هو المتبادر من أمثاله في مثل تلك الحالة
والمعنى يكون الشيطان معهما يهيج شهوة كل منهما حتى يلقيهما في الزنا
قوله لا يخلون رجل بمرأة إلا كان ثالثهما الشيطان سبب ذلك أن الرجل يرغب إلى المرأة لما جبل عليه من الميل إليها لما ركب فيه من شهوة النكاح وكذلك المرأة ترغب إلى الرجل لذلك فمع ذلك يجد الشيطان السبيل إلى إثارة شهوة كل واحد منهما إلى الآخر فتقع المعصية
تقول أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمة وتجتنب معاصيه لأنه من كان لله تقي فإنه يجتنب ذلك
أي إن كنت تخاف الله تذكيرا له بالله وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل فخوفته أولا بالله عز وجل
قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا
فلما رأى جبريل منها الروع والخيفة قال إنما أنا رسول ربك أي إنما وظيفتي وشغلي تنفيذ رسالة ربي فيك لأهب لك غلاما زكيا وهذه بشارة عظيمة بالولد وزكائه فإن الزكاء يستلزم تطهيره من الخصال الذميمة واتصافه بالخصال الحميدة