ضمن سلسلة قصة مريم عليها السلام (اكتملت السلسلة)
· درس 16 من 19
قصة مريم عليها السلام | الحلقة (17) | وقرّي عيناً يا مريم
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلامِ
0:10
وَقَرِّيْ عَيْنًا يَا مَرْيَمَ
0:19
بعد أن ولدت مريم عليه السلام بعيسى عليه السلام
0:24
بدأت المخاوف تنتابها أكثر
0:27
ولذلك قالت عند الولادة
0:30
يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا
0:36
هذه المخاوف
0:38
تتركز في كيفية مواجهة قومها
0:42
ماذا ستقول لهم
0:44
وماذا سيظنون بها
0:47
هذه المواجهة
0:49
تحتاج إلى هدوء نفسي
0:51
حتى تعرف ماذا تقول وكيف تتصرف
0:56
كما تحتاج إلى قوة نفسية
0:59
تمتص ظنونهم بها
1:01
أيًّا كانت هذه الظنون
1:04
والتي لا يتوقع أن تكون ظنونا حسنة
1:08
وتمتص كلامهم الجارح الذي قد يوجه إليها
1:13
لذلك لا بد أن تكون مريم عليه السلام
1:16
مطمئنة عند مواجهة قومها
1:20
فمريم عليه السلام
1:22
بحاجة إلى أمرين لتطمئن نفسها
1:26
وتتمالك في مواجهة قومها
1:29
الأول
1:31
الراحة البدنية بعد الولادة
1:34
فإن الجسد إذا كان متعبا
1:37
صعب عليه التفكير والتركيز
1:40
والمرأة بعد الولادة بحاجة إلى ما يقوي بدنها
1:45
لتعود لها صحتها
1:47
وتقوى على التفكير والتركيز فيما تقول وتفعل
1:52
لذلك قال لها
1:54
وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا
2:01
فكلي واشربي وقري عينا
2:05
قال ابن جرير الطبري رحمه الله
2:08
يقول تعالى ذكره
2:10
فكلي من الرطب الذي يتساقط عليك
2:14
واشربي من ماء السري الذي جعله ربك تحتك
2:19
لا تخشي جوعا ولا عطشا
2:22
وقري عينا
2:24
يقول وطيبي نفسا وفرح بولادتك إيايا ولا تحزني
2:31
ونصبت العين لأنها هي الموصوفة بالقرار
2:36
وإنما معنى الكلام
2:38
والتقرر عينك بولدك
2:41
وقال أبو زهرة رحمه الله
2:44
فكلي واشربي وقري عينا
2:47
فكلي من الرطب الجني
2:49
واشربي من الجدول السري
2:52
وقري عينا بما وهبك الله تعالى من غلام زكي
2:58
وقرار العين سكونها
3:01
وإن الإنسان في اترابه وخوفه
3:04
تدور عينه ولا تستقر
3:06
فكنا بقرار العين عن السكون ولطمئنان
3:11
فقرار العين يعلن عن قرار النفس
3:14
والأمر بقرار العين
3:16
وإن لم تكن تحت سلطان الإرادة
3:19
أمر بطمئنان النفس وإبعاد الهواجس المخيفة
3:24
وألا تتوقع سوء
3:26
لأن الله معها
3:29
وقامت الخوارق الدالة على أنه سبحانه وتعالى معها
3:34
ومن كان الله معه
3:37
فإنه يجب أن يكون مطمئنا قرير العين والنفس
3:42
فأرشدها إلى ثلاثة أمور لتحقق الأمر الأول
3:47
وهو راحة البدن
3:49
وهي
3:50
أولاً
3:51
الأكل من الرطب المتساقط من النخلة بعد هزها لها
3:57
وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية
4:00
أن خير ما تطعمه النفسى
4:03
الرطب
4:04
قالوا
4:06
لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب
4:09
لأطعمه الله مريما وقت نفاسها بعيسا
4:14
قال الطاهر بن عاشور رحمه الله
4:17
والرطب
4:19
تمر لم يتم جفافه
4:21
والجني
4:23
فعيل بمعنى مفعول
4:25
أي مجتنى
4:27
وهو كناية عن حدثان سقوطه
4:30
أي عن طراوته
4:32
ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل
4:35
لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته
4:39
كان أطيب طعمه
4:42
ثانياً
4:43
الشرب من الماء المعين
4:46
ومعين
4:47
أي ماء طاهر ثر
4:50
ثارثاً
4:52
الفرح والسرور بالمولود
4:55
قال السعدي رحمه الله
4:57
فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة
5:02
وحصول المأكل والمشرب الهني
5:06
الأمر الثاني الذي تحتاجه مريم لتطمئن نفسها
5:11
هو الكلام والحجة التي ستواجه بها قومها
5:16
قد تكون نفس مريم عليه السلام مشغولة بالتفكير في ماذا ستقول لقومها
5:23
فجاءها الإرشاد إلى عكس ما يدور في نفسها وما يشغل بالها
5:29
جاء الإرشاد لها أن تصمت ولا تتكلم
5:33
بل تتعبد الله بالصمت عن الكلام مع البشر
5:38
قال لها
5:40
فإما ترين من البشر أحدا
5:44
فقولي إني نذرت للرحمن صوما
5:47
فلن أكلم اليوم إنسيا
5:52
قال ابن جرير الطبري رحمه الله
5:55
يقول
5:56
فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسألك عن شيء من أمرك وأمر ولدك
6:03
وسبب ولادتك
6:06
فقولي إني نذرت للرحمن صوما
6:10
يقول
6:11
فقولي إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أكلم أحدا من بني آدم اليوم
6:20
وقال ابن كثير رحمه الله
6:23
وقوله
6:24
فإما ترين من البشر أحدا
6:28
أي مهما رأيت من أحد
6:31
فقولي إني نذرت للرحمن صوما
6:35
فلن أكلم اليوم إنسيا
6:38
المراد بهذا القول
6:40
والإشارة إليه بذلك
6:43
لا أن المراد به القول اللفظي
6:46
لألا ينافي
6:48
فلن أكلم اليوم إنسيا
6:51
قال أنس بن مالك في قوله
6:54
إني نذرت للرحمن صوما
6:57
قال
6:58
صمتا
7:00
وكذا قال ابن عباس والضحاك
7:03
وفي رواية عن أنس
7:05
صوما وصمتا
7:07
وكذا قال قتادة وغيرهما
7:11
والمراد
7:12
أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم
7:15
يحرم عليهم الطعام والكلام
7:19
نص على ذلك السدي وقتادة
7:22
وعبد الرحمن بن زيد
7:24
وقال أبو إسحاق
7:26
عن حارثة قال
7:28
كنت عند ابن مسعود
7:31
فجاء رجلان
7:32
فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر
7:36
فقال
7:37
ما شأنك
7:39
قال أصحابه
7:41
حلف ألا يكلم الناس اليوم
7:44
فقال عبد الله بن مسعود
7:47
كلم الناس وسلم عليهم
7:50
فإن تلك مرأة
7:51
علمت أن أحدا لا يصدقها
7:54
أنها حملت من غير زوج
7:57
يعني بذلك مريم عليها السلام
8:00
ليكون عذرا لها إذا سئلت
8:03
رواه ابن أبي حاتم وبن جرير
8:07
وقال ابن القيم رحمه الله
8:10
وإنما أمرت بذلك
8:12
لألا تسأل عن ولدها
8:15
وقال السعدي رحمه الله
8:17
وأما من جهة قالت الناس
8:20
فأمرها أنها إذا رأت أحدا من البشر
8:24
أن تقول على وجه الإشارة
8:27
إني نذرت للرحمن صوما
8:31
أي سكوتا
8:32
فلن أكلم اليوم إنسيا
8:36
أي لا تخاطبيهم بكلام
8:39
لتستريحي من قولهم وكلامهم
8:43
وكان معروفا عندهم
8:44
أن السكوت من العبادات المشروعة
8:48
وإنما لم تؤمر بخطابهم
8:50
في نفي ذلك عن نفسها
8:53
لأن الناس لا يصدقونها
8:55
ولا فيه فائدة
8:58
وليكون تبرئتها
8:59
بكلام عيسى في المهد
9:01
أعظم شاهد على براءتها
9:05
فإن إتيان المرأة بولد من دون زوج
9:08
ودعواها أنه من غير أحد
9:11
من أكبر الدعاوة
9:13
التي لو أقيم عدة من الشهود
9:16
لم تصدق بذلك
9:19
فجعلت بينة هذا الخارق
9:21
للعادة أمرا من جنسه
9:23
وهو كلام عيسى في حال صغاره جدا
9:28
وفي هذا الأمر الذي وقع لمريم عليه السلام
9:32
عبرة لكل من يسعى
9:34
في حل المشاكل الاجتماعية أو الأسرية
9:38
في الاستفادة من هذه الخطوات العملية
9:42
فصاحب المشكلة غالبا ما يكون تفكيره
9:46
تحت سيطرة العواق بالسيئات للمشكلة
9:49
وقد يصعب عليه أن يرى الحل
9:52
فهو بحاجة إلى من يبصره بالطريق
9:56
لذا على الساعي في الإصلاح
9:59
أن يخرجه أولا من النظرة المتشائمة لمشكلته
10:03
إلى سعة رحمة الله بعباده ولطفه بهم
10:08
بتبصيره بجوان بلطف الله عز وجل به
10:12
ونعمه عليه في المشكلة نفسها
10:15
ثم يصله بالله مباشرة
10:18
من خلال تعليمه الدعاء العظيم
10:21
في ذهاب الهم والحزن
10:23
ليذهب الله عنه ما أصابه من الهم والحزن
10:28
ويسهل عليه النظر إلى حقيقة مشكلته
10:31
التي ملأت صدره همًا وحزنًا
10:35
فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال
10:39
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
10:42
ما قال عبدٌ قط
10:44
إذا أصابه همٌ أو حزن
10:48
اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك
10:52
ناصيتي بيدك
10:54
ماض في حكمك
10:56
عدل في قضاؤك
10:59
أسألك بكل اسم هو لك
11:01
أسميت به نفسك
11:03
أو أزلته في كتابك
11:06
أو علمته أحدًا من خلقك
11:09
أو استأثرت به في علم الغيب عندك
11:13
أن تجعل القرآن ربيع قلبي
11:16
ونور بصري
11:18
وجلاء حزني
11:20
وذهاب همي
11:22
إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحا
11:27
قالوا يا رسول الله
11:29
ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات
11:33
قال أجل
11:35
ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن
11:40
رواه ابن حبان
11:42
وصاحب المشكلة المهموم
11:45
غالبًا ما يعرض عن الطعام فلا يشتهيه
11:49
من شدة التفكير والحزن المسيطر على نفسه في المشكلة
11:54
فيضعف جسمه ويضعف تفكيره كذلك
11:58
لذا على الساعي في الإصلاح
12:01
أن يرجع صاحب المشكلة إلى وضعه الطبيعي
12:05
حتى تهدأ نفسه ويأكل
12:08
ويستطيع أن يفكر ويتفاعل مع الحل الذي يطرح عليه
12:13
وقد أرشدتن السنة النبوية إلى نوع من الطعام
12:18
يفيد في حالات الحزن بشكل كبير
12:22
فعن عائشة رضي الله عنها
12:25
أنها كانت إذا مات الميت من أهلها
12:29
فاجتمع لذلك النساء
12:31
ثم تفرقنا إلا أهلها وخاصتها
12:36
أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت
12:40
ثم صنع ثريد
12:42
فصبت التلبينة عليها
12:44
ثم قالت
12:46
كلنا منها
12:48
فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
12:53
التلبينة مجمة لفؤاد المريض
12:56
تذهب ببعض الحزن
12:59
رواه البخاري
13:01
قال ابن الملقن رحمه الله
13:04
التلبينة حساء من دقيق ونخالة
13:09
ومعنى مجمة
13:11
مريحة وتسري عنه همة
13:15
وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله
13:18
ومعنى أنها تقويه وتنشط
13:22
وذلك أنها غذاء فيه لطافة
13:26
سهل التناول على المريض
13:28
فإذا استعمله المريض
13:31
اندفع عنه الحرارة الجوعية
13:34
وحصلت له القوة الغذائية من غير مشقة تلحقه
13:39
فيسرى عنه بعض ما كان فيه ونشط
13:43
وذهب عنه الضيق والحزن الذي كان يجده بسبب المرض
13:48
وإنما كانت عائشة رضي الله عنها تصنعها لأهل الميت
13:53
وتثرد فيها
13:55
لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء
13:59
فاشتدت حرارة أحشائهم من الجوع والحزن
14:03
فلما أطعمتهم التلبينة
14:06
انكسرت عنهم حرارة الجوع
14:09
فخف عنهم بعض ما كانوا فيه
14:13
أسأل الله أن يذهب همومنا وأحزاننا
14:17
ويبدلنا بها فرحا وسرورا
14:20
وعافية في الدنيا والآخرة
14:24
نكمل في لقاء قادم إن شاء الله
14:27
والحمد لله رب العالمين