قصة مريم عليها السلام | الحلقة (17) | وقرّي عيناً يا مريم

◉ 0 مشاهدة ⏱ 14:36 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلامِ
0:10 وَقَرِّيْ عَيْنًا يَا مَرْيَمَ
0:19 بعد أن ولدت مريم عليه السلام بعيسى عليه السلام
0:24 بدأت المخاوف تنتابها أكثر
0:27 ولذلك قالت عند الولادة
0:30 يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا
0:36 هذه المخاوف
0:38 تتركز في كيفية مواجهة قومها
0:42 ماذا ستقول لهم
0:44 وماذا سيظنون بها
0:47 هذه المواجهة
0:49 تحتاج إلى هدوء نفسي
0:51 حتى تعرف ماذا تقول وكيف تتصرف
0:56 كما تحتاج إلى قوة نفسية
0:59 تمتص ظنونهم بها
1:01 أيًّا كانت هذه الظنون
1:04 والتي لا يتوقع أن تكون ظنونا حسنة
1:08 وتمتص كلامهم الجارح الذي قد يوجه إليها
1:13 لذلك لا بد أن تكون مريم عليه السلام
1:16 مطمئنة عند مواجهة قومها
1:20 فمريم عليه السلام
1:22 بحاجة إلى أمرين لتطمئن نفسها
1:26 وتتمالك في مواجهة قومها
1:29 الأول
1:31 الراحة البدنية بعد الولادة
1:34 فإن الجسد إذا كان متعبا
1:37 صعب عليه التفكير والتركيز
1:40 والمرأة بعد الولادة بحاجة إلى ما يقوي بدنها
1:45 لتعود لها صحتها
1:47 وتقوى على التفكير والتركيز فيما تقول وتفعل
1:52 لذلك قال لها
1:54 وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا
2:01 فكلي واشربي وقري عينا
2:05 قال ابن جرير الطبري رحمه الله
2:08 يقول تعالى ذكره
2:10 فكلي من الرطب الذي يتساقط عليك
2:14 واشربي من ماء السري الذي جعله ربك تحتك
2:19 لا تخشي جوعا ولا عطشا
2:22 وقري عينا
2:24 يقول وطيبي نفسا وفرح بولادتك إيايا ولا تحزني
2:31 ونصبت العين لأنها هي الموصوفة بالقرار
2:36 وإنما معنى الكلام
2:38 والتقرر عينك بولدك
2:41 وقال أبو زهرة رحمه الله
2:44 فكلي واشربي وقري عينا
2:47 فكلي من الرطب الجني
2:49 واشربي من الجدول السري
2:52 وقري عينا بما وهبك الله تعالى من غلام زكي
2:58 وقرار العين سكونها
3:01 وإن الإنسان في اترابه وخوفه
3:04 تدور عينه ولا تستقر
3:06 فكنا بقرار العين عن السكون ولطمئنان
3:11 فقرار العين يعلن عن قرار النفس
3:14 والأمر بقرار العين
3:16 وإن لم تكن تحت سلطان الإرادة
3:19 أمر بطمئنان النفس وإبعاد الهواجس المخيفة
3:24 وألا تتوقع سوء
3:26 لأن الله معها
3:29 وقامت الخوارق الدالة على أنه سبحانه وتعالى معها
3:34 ومن كان الله معه
3:37 فإنه يجب أن يكون مطمئنا قرير العين والنفس
3:42 فأرشدها إلى ثلاثة أمور لتحقق الأمر الأول
3:47 وهو راحة البدن
3:49 وهي
3:50 أولاً
3:51 الأكل من الرطب المتساقط من النخلة بعد هزها لها
3:57 وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية
4:00 أن خير ما تطعمه النفسى
4:03 الرطب
4:04 قالوا
4:06 لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب
4:09 لأطعمه الله مريما وقت نفاسها بعيسا
4:14 قال الطاهر بن عاشور رحمه الله
4:17 والرطب
4:19 تمر لم يتم جفافه
4:21 والجني
4:23 فعيل بمعنى مفعول
4:25 أي مجتنى
4:27 وهو كناية عن حدثان سقوطه
4:30 أي عن طراوته
4:32 ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل
4:35 لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته
4:39 كان أطيب طعمه
4:42 ثانياً
4:43 الشرب من الماء المعين
4:46 ومعين
4:47 أي ماء طاهر ثر
4:50 ثارثاً
4:52 الفرح والسرور بالمولود
4:55 قال السعدي رحمه الله
4:57 فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة
5:02 وحصول المأكل والمشرب الهني
5:06 الأمر الثاني الذي تحتاجه مريم لتطمئن نفسها
5:11 هو الكلام والحجة التي ستواجه بها قومها
5:16 قد تكون نفس مريم عليه السلام مشغولة بالتفكير في ماذا ستقول لقومها
5:23 فجاءها الإرشاد إلى عكس ما يدور في نفسها وما يشغل بالها
5:29 جاء الإرشاد لها أن تصمت ولا تتكلم
5:33 بل تتعبد الله بالصمت عن الكلام مع البشر
5:38 قال لها
5:40 فإما ترين من البشر أحدا
5:44 فقولي إني نذرت للرحمن صوما
5:47 فلن أكلم اليوم إنسيا
5:52 قال ابن جرير الطبري رحمه الله
5:55 يقول
5:56 فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسألك عن شيء من أمرك وأمر ولدك
6:03 وسبب ولادتك
6:06 فقولي إني نذرت للرحمن صوما
6:10 يقول
6:11 فقولي إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أكلم أحدا من بني آدم اليوم
6:20 وقال ابن كثير رحمه الله
6:23 وقوله
6:24 فإما ترين من البشر أحدا
6:28 أي مهما رأيت من أحد
6:31 فقولي إني نذرت للرحمن صوما
6:35 فلن أكلم اليوم إنسيا
6:38 المراد بهذا القول
6:40 والإشارة إليه بذلك
6:43 لا أن المراد به القول اللفظي
6:46 لألا ينافي
6:48 فلن أكلم اليوم إنسيا
6:51 قال أنس بن مالك في قوله
6:54 إني نذرت للرحمن صوما
6:57 قال
6:58 صمتا
7:00 وكذا قال ابن عباس والضحاك
7:03 وفي رواية عن أنس
7:05 صوما وصمتا
7:07 وكذا قال قتادة وغيرهما
7:11 والمراد
7:12 أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم
7:15 يحرم عليهم الطعام والكلام
7:19 نص على ذلك السدي وقتادة
7:22 وعبد الرحمن بن زيد
7:24 وقال أبو إسحاق
7:26 عن حارثة قال
7:28 كنت عند ابن مسعود
7:31 فجاء رجلان
7:32 فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر
7:36 فقال
7:37 ما شأنك
7:39 قال أصحابه
7:41 حلف ألا يكلم الناس اليوم
7:44 فقال عبد الله بن مسعود
7:47 كلم الناس وسلم عليهم
7:50 فإن تلك مرأة
7:51 علمت أن أحدا لا يصدقها
7:54 أنها حملت من غير زوج
7:57 يعني بذلك مريم عليها السلام
8:00 ليكون عذرا لها إذا سئلت
8:03 رواه ابن أبي حاتم وبن جرير
8:07 وقال ابن القيم رحمه الله
8:10 وإنما أمرت بذلك
8:12 لألا تسأل عن ولدها
8:15 وقال السعدي رحمه الله
8:17 وأما من جهة قالت الناس
8:20 فأمرها أنها إذا رأت أحدا من البشر
8:24 أن تقول على وجه الإشارة
8:27 إني نذرت للرحمن صوما
8:31 أي سكوتا
8:32 فلن أكلم اليوم إنسيا
8:36 أي لا تخاطبيهم بكلام
8:39 لتستريحي من قولهم وكلامهم
8:43 وكان معروفا عندهم
8:44 أن السكوت من العبادات المشروعة
8:48 وإنما لم تؤمر بخطابهم
8:50 في نفي ذلك عن نفسها
8:53 لأن الناس لا يصدقونها
8:55 ولا فيه فائدة
8:58 وليكون تبرئتها
8:59 بكلام عيسى في المهد
9:01 أعظم شاهد على براءتها
9:05 فإن إتيان المرأة بولد من دون زوج
9:08 ودعواها أنه من غير أحد
9:11 من أكبر الدعاوة
9:13 التي لو أقيم عدة من الشهود
9:16 لم تصدق بذلك
9:19 فجعلت بينة هذا الخارق
9:21 للعادة أمرا من جنسه
9:23 وهو كلام عيسى في حال صغاره جدا
9:28 وفي هذا الأمر الذي وقع لمريم عليه السلام
9:32 عبرة لكل من يسعى
9:34 في حل المشاكل الاجتماعية أو الأسرية
9:38 في الاستفادة من هذه الخطوات العملية
9:42 فصاحب المشكلة غالبا ما يكون تفكيره
9:46 تحت سيطرة العواق بالسيئات للمشكلة
9:49 وقد يصعب عليه أن يرى الحل
9:52 فهو بحاجة إلى من يبصره بالطريق
9:56 لذا على الساعي في الإصلاح
9:59 أن يخرجه أولا من النظرة المتشائمة لمشكلته
10:03 إلى سعة رحمة الله بعباده ولطفه بهم
10:08 بتبصيره بجوان بلطف الله عز وجل به
10:12 ونعمه عليه في المشكلة نفسها
10:15 ثم يصله بالله مباشرة
10:18 من خلال تعليمه الدعاء العظيم
10:21 في ذهاب الهم والحزن
10:23 ليذهب الله عنه ما أصابه من الهم والحزن
10:28 ويسهل عليه النظر إلى حقيقة مشكلته
10:31 التي ملأت صدره همًا وحزنًا
10:35 فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال
10:39 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
10:42 ما قال عبدٌ قط
10:44 إذا أصابه همٌ أو حزن
10:48 اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك
10:52 ناصيتي بيدك
10:54 ماض في حكمك
10:56 عدل في قضاؤك
10:59 أسألك بكل اسم هو لك
11:01 أسميت به نفسك
11:03 أو أزلته في كتابك
11:06 أو علمته أحدًا من خلقك
11:09 أو استأثرت به في علم الغيب عندك
11:13 أن تجعل القرآن ربيع قلبي
11:16 ونور بصري
11:18 وجلاء حزني
11:20 وذهاب همي
11:22 إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحا
11:27 قالوا يا رسول الله
11:29 ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات
11:33 قال أجل
11:35 ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن
11:40 رواه ابن حبان
11:42 وصاحب المشكلة المهموم
11:45 غالبًا ما يعرض عن الطعام فلا يشتهيه
11:49 من شدة التفكير والحزن المسيطر على نفسه في المشكلة
11:54 فيضعف جسمه ويضعف تفكيره كذلك
11:58 لذا على الساعي في الإصلاح
12:01 أن يرجع صاحب المشكلة إلى وضعه الطبيعي
12:05 حتى تهدأ نفسه ويأكل
12:08 ويستطيع أن يفكر ويتفاعل مع الحل الذي يطرح عليه
12:13 وقد أرشدتن السنة النبوية إلى نوع من الطعام
12:18 يفيد في حالات الحزن بشكل كبير
12:22 فعن عائشة رضي الله عنها
12:25 أنها كانت إذا مات الميت من أهلها
12:29 فاجتمع لذلك النساء
12:31 ثم تفرقنا إلا أهلها وخاصتها
12:36 أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت
12:40 ثم صنع ثريد
12:42 فصبت التلبينة عليها
12:44 ثم قالت
12:46 كلنا منها
12:48 فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
12:53 التلبينة مجمة لفؤاد المريض
12:56 تذهب ببعض الحزن
12:59 رواه البخاري
13:01 قال ابن الملقن رحمه الله
13:04 التلبينة حساء من دقيق ونخالة
13:09 ومعنى مجمة
13:11 مريحة وتسري عنه همة
13:15 وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله
13:18 ومعنى أنها تقويه وتنشط
13:22 وذلك أنها غذاء فيه لطافة
13:26 سهل التناول على المريض
13:28 فإذا استعمله المريض
13:31 اندفع عنه الحرارة الجوعية
13:34 وحصلت له القوة الغذائية من غير مشقة تلحقه
13:39 فيسرى عنه بعض ما كان فيه ونشط
13:43 وذهب عنه الضيق والحزن الذي كان يجده بسبب المرض
13:48 وإنما كانت عائشة رضي الله عنها تصنعها لأهل الميت
13:53 وتثرد فيها
13:55 لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء
13:59 فاشتدت حرارة أحشائهم من الجوع والحزن
14:03 فلما أطعمتهم التلبينة
14:06 انكسرت عنهم حرارة الجوع
14:09 فخف عنهم بعض ما كانوا فيه
14:13 أسأل الله أن يذهب همومنا وأحزاننا
14:17 ويبدلنا بها فرحا وسرورا
14:20 وعافية في الدنيا والآخرة
14:24 نكمل في لقاء قادم إن شاء الله
14:27 والحمد لله رب العالمين