ضمن سلسلة قصة مريم عليها السلام (اكتملت السلسلة)
· درس 16 من 21
قصة مريم عليها السلام | الحلقة (16) | مريم تهز النخلة وهي نفساء
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ
0:04
قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ
0:08
عليه السَّلام
0:10
مريم تهزُّ النخلةَ وهي نُفسَى
0:16
عادةً ما تكون المرأة بعد الولادة مباشرةً في أضعف أحوالها وقوَّتها
0:27
حتى وليدها قد يصعب عليها حمله
0:31
وهي بحاجة إلى رعاية في هذه الفترة
0:35
حتى تسترد أنفاسها
0:38
وأكثر من يقف مع المرأة في هذه الفترة الحرجة لها
0:43
أمها وأخواتها
0:46
ولذلك كان من عادة بعض المجتمعات
0:49
أن المرأة بعد الولادة مباشرة
0:52
تجلس فترة النفاس عند والدتها لتعينها على ما هي فيه
0:58
ولتعلمها من قبرتها في الحياة
1:02
كيفية التعامل مع المولود الجديد
1:05
أما في حالة مريم عليه السلام
1:09
فإنها تفتقد لكل ما ذكرنا
1:12
بل الأمر أصعب من ذلك جدا
1:15
فهي تعاني نفسياً من قضية مواجهة قومها بوليدها
1:21
فهي لا تفكر الآن في من يخدمها أو يعينها على آلام الولادة والنفاس
1:28
وإنما تفكر كيف تواجه قومها وماذا تقول لهم
1:34
فكان العلاج الأول لنفسية مريم عليه السلام
1:38
إبعاد الحزن عن نفسها بالنظر إلى النعم من حولها
1:43
كما قال الله تعالى في كتابه
1:47
فناداها من تحتها ألا تحزني
1:52
قد جعل ربك تحتك سريا
1:55
ووجود الماء حولها نعمة عظيمة
1:59
ثم قال لها
2:01
وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا
2:07
طلب منها أن تهز النخلة
2:10
التي كانت قبل قليل تستند إليها في ولادتها
2:15
لقوة جذعها وصلابتها وثباتها في الأرض
2:20
يطلب منها أن تهزها
2:23
كيف تهز مريم عليه السلام جذع النخلة
2:27
والنخلة لا يحرك جذعها الرجل القوي الشديد
2:31
ثم هي مع ذلك نفساء
2:34
يعني في أشد حالات الضعف التي تمر بها المرأة
2:39
أضيف إلى ذلك
2:41
أن الرطب لا يسقط في العادة من هز النخلة
2:45
بل لا بد أن يصعد إليه المزارع ويلتقطه من النخلة مباشرة
2:51
ومع ذلك كله يقول لها
2:54
وهز إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا
3:01
قال الشنقيطي رحمه الله
3:04
أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة
3:09
وهز إليك بجذع النخلة
3:13
الآية أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق
3:18
أمر مأمور به شرعا
3:21
وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا
3:25
وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة
3:29
أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا
3:35
أمر مأمور به شرعا
3:37
لا ينافي التوكل على الله بحال
3:41
لأن المكلف يتعاط السبب امتثالاً لأمر ربه
3:46
مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه
3:52
فهو متوكل على الله
3:54
عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر
4:01
ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف
4:07
ومن أصرح الأدلة في ذلك قوله تعالى
4:12
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمِ
4:17
الآية
4:19
فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزء إلى معان مختلفة
4:25
ومع هذا أحرقت الحطب
4:28
فصار رماداً من حرها
4:31
في الوقت الذي هي كائنة بردًا وسلامًا على إبراهيم
4:36
فدلَّ ذلك دلالةً قاطعةً على أن التأثير حقيقةً
4:41
إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض
4:45
وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب
4:51
وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا
4:57
ومن أوضح الأدلة في ذلك
5:00
أنه ربما جعل الشيء سببًا لشيء آخر
5:04
مع أنه منافل له
5:07
كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعضٍ من بقرةٍ مذبوحةٍ سببًا لحياته
5:14
وضربه بقطعةٍ ميتةٍ من بقرةٍ ميتةٍ منافل لحياته
5:20
إذ لا تكسب الحياة من ضربٍ بميت
5:24
وذلك يوضح أنه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات
5:30
على ما شاء من الأسباب
5:33
ولا يقع تأثيرٌ البتة
5:36
إلا بمشيئته جل وعلا
5:39
ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله
5:45
قوله تعالى عن يعقوب
5:48
وقال يا بني لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ودخلوا من أبوابٍ متفرقة
5:56
أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب
6:00
وتسبب في ذلك بالأمر به
6:03
لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين
6:07
لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجلٍ واحد
6:12
وهم أهل جمالٍ وكمالٍ وبسطةٍ في الأجسام
6:16
فدخولهم من بابٍ واحد مظنةٌ لأن تصيبهم العين
6:22
فأمرهم بالتفرق والدخول من أبوابٍ متفرقة
6:27
تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين
6:31
كما قال غير واحدٍ من علماء السرف
6:35
ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه
6:39
وقال يا بني لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ودخلوا من أبوابٍ متفرقة
6:51
وما أغني عنكم من الله من شيء
7:00
إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون
7:11
فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله
7:15
لا تدخلوا من بابٍ واحد وبين التوكل على الله في قوله
7:21
عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون
7:26
وهذا أمرٌ معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته
7:33
والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع
7:40
ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع
7:45
وقد قال بعضهم في ذلك
7:48
ألم تر أن الله قال لمر يما
7:52
وهز إليك الجذع يساقط الرطب
7:56
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه
8:00
جنته ولكن كل شيء له سبب
8:04
وهذا يعني أختي الكريمة
8:07
أن الجلوس والندب على حالنا ووضعنا من غير الأخذ بالأسباب
8:13
مخالف للشرع
8:15
فلا يكفي أن نجلس ونتحدث عن انحراف الفتيات اليوم
8:20
وجهود أهل الفساد في ذلك
8:23
بل لا بد من العمل بالأسباب الشرعية التي تقاوم مثل هذه الانحرافات
8:30
وعلى رأسها الدعوة إلى الله
8:33
ونشر الحق الذي يجمغ الله به الباطل
8:37
كذلك الظلم الواقع على المرأة في بعض المجتمعات
8:41
بسبب العادات والتقاليد الجاهلية
8:45
لا يمكن تغييره بالبكاء والصمت
8:49
أما يغير بإنكاره
8:51
وبيان الحق الذي شرعه الله عز وجل للمرأة في مثل هذه القضايا
8:57
التي تظلم فيها
8:59
كمنعها من الميراث في بعض المجتمعات
9:03
وتسلق الرجال من محارمها على أموالها
9:07
وأكل بعض الأولياء لمهرها
9:10
وإلزامها بزوج لا تريده
9:13
وغيرها من صوار الظلم
9:15
النابعة من عادات جاهلية مخالفة للشرع
9:20
وأيضا أختي الكريمة
9:22
المشاكل الزوجية لا تحل بدون الأخذ بأسباب الحل المشروعة
9:28
والتي من أهمها تغيير النفس
9:31
لقوله تعالى
9:33
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم
9:40
ثم استشارة أهل الاختصاص مبكرا قبل استفحال المشكلة
9:47
والفتاة التي لم تتزوج بعد
9:50
وتتمنى الزواج
9:52
هي بحاجة كذلك إلى الأخذ بالأسباب المشروعة
9:56
لنيل ما تتمنى
9:58
والتي منها الدعاء
10:00
وهو على رأسها
10:02
وليس من الأسباب المشروعة التبرج
10:05
أو التعرف على الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي
10:10
ولا العمل المختلط
10:12
فإنما عند الله لا ينال بمعصية الله
10:16
وعلمي أختي الكريمة
10:18
أن من أعظم الأسباب التي تعينك على مرادك في الحياة
10:23
هو قوة ارتباطك وعلاقتك بالله عز وجل
10:28
في حال الرخاء والشدة
10:31
هذه العلاقة التي بينك وبين الله عز وجل
10:35
تتجلى في طاعتك لله
10:38
وتقربك إليه بأنواع العبادات
10:42
وتأملي حال مريم عليه السلام
10:45
كيف كانت قبل حملها
10:48
كانت قد أعدت لنفسها مكانا خاصا لعبادتها وتقربها إلى الله
10:54
وكانت كثيرة الصلاة والمناجات لله عز وجل
10:59
فلما ابتلاها ربها بالحمل
11:02
لم يتركها وحدها في هذا الابتلاء
11:06
وإنما أعانها عليه من كل النواحي
11:10
كما مر بك في حلقة سابقة
11:13
وكما سنذكره في حلقة قادمة إن شاء الله
11:18
هذه العلاقة بالله
11:21
تتجلى لك آثارها في مواقفة قطع فيها الأسباب المادية
11:27
المتعلقة بالأمر الذي يمر بك
11:30
مثل ما حصل لأصحاب الغار
11:33
الذين أطبق عليهم الغار
11:36
ولم يستطيعوا أن يزحزحوا الصخرة من مكانها
11:40
مع أنهم ثلاثة رجال
11:43
فلجأوا إلى التوسل إلى الله بأرجى عمل لهم يظنون أنهم أخلصوا فيه
11:50
فلما فعلوا ذلك فرج الله عنهم
11:54
إن ثباتك أخت الكريمة على الحق
11:58
في زمن الفتن التي تحيط بالناس اليوم من كل جانب
12:03
يحتاج إلى الأخذ بالأسباب المشروعة
12:06
مثل كثرة الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقليب القلوب
12:13
فعن أنس رضي الله عنه قال
12:16
كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول
12:21
يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
12:26
قال فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به
12:33
فهل تخاف علينا
12:35
قال فقال نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها
12:44
رواه أحمد
12:46
فهذا سبب من الأسباب
12:49
ومنها كذلك الرفقة الصالحة
12:52
لقول النبي صلى الله عليه وسلم
12:55
الرجل على دين خليله
12:58
فلينظر أحدكم من يخالل
13:01
رواه أبو داود
13:03
ومنها البعد عن مواطن الفتن وعدم لوجها
13:08
فإنك لا تدرينا كيف تؤثر على قلبك
13:12
ومن أخطر مواطن الفتن
13:15
ميادين الاختلاط بالرجال
13:18
كالجامعات المختلطة
13:20
والوظائف المختلطة
13:23
ولا يغرنك من يزين لك الاختلاط
13:26
بحجة الدعوة إلى الله وتعلم العلم الشرعي
13:31
فإن هذا من مداخل إبليس على الصالحين
13:35
ومن مواطن الفتن
13:37
التعرض للشبهات بحجة الرد عليها
13:41
قبل ثبات القدم بالعلم الراسق والعقيدة الصحيحة
13:46
فهذه أسباب لا تتغافل عنها أخيتي
13:51
فإنك مأمورة بالأخذ بها
13:54
كما أمرت مريم بهز النخلة لتأكل
13:58
ولا يتصور في ديننا
14:00
أن الأخذ بالأسباب مطلوب في طلب الرزق
14:04
ومهمل في طلب الهداية والثبات عليها
14:09
أسأل الله أن يثبتنا على الحق إلى يوم لقياه
14:14
نكمل في لقاء قادم إن شاء الله
14:19
والحمد لله رب العالمين