قصة مريم عليها السلام | الحلقة (16) | مريم تهز النخلة وهي نفساء

قصة مريم عليها السلام | الحلقة (16) | مريم تهز النخلة وهي نفساء

◉ 366 مشاهدة ⏱ 14:28 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ
0:04 قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ
0:08 عليه السَّلام
0:10 مريم تهزُّ النخلةَ وهي نُفسَى
0:16 عادةً ما تكون المرأة بعد الولادة مباشرةً في أضعف أحوالها وقوَّتها
0:27 حتى وليدها قد يصعب عليها حمله
0:31 وهي بحاجة إلى رعاية في هذه الفترة
0:35 حتى تسترد أنفاسها
0:38 وأكثر من يقف مع المرأة في هذه الفترة الحرجة لها
0:43 أمها وأخواتها
0:46 ولذلك كان من عادة بعض المجتمعات
0:49 أن المرأة بعد الولادة مباشرة
0:52 تجلس فترة النفاس عند والدتها لتعينها على ما هي فيه
0:58 ولتعلمها من قبرتها في الحياة
1:02 كيفية التعامل مع المولود الجديد
1:05 أما في حالة مريم عليه السلام
1:09 فإنها تفتقد لكل ما ذكرنا
1:12 بل الأمر أصعب من ذلك جدا
1:15 فهي تعاني نفسياً من قضية مواجهة قومها بوليدها
1:21 فهي لا تفكر الآن في من يخدمها أو يعينها على آلام الولادة والنفاس
1:28 وإنما تفكر كيف تواجه قومها وماذا تقول لهم
1:34 فكان العلاج الأول لنفسية مريم عليه السلام
1:38 إبعاد الحزن عن نفسها بالنظر إلى النعم من حولها
1:43 كما قال الله تعالى في كتابه
1:47 فناداها من تحتها ألا تحزني
1:52 قد جعل ربك تحتك سريا
1:55 ووجود الماء حولها نعمة عظيمة
1:59 ثم قال لها
2:01 وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا
2:07 طلب منها أن تهز النخلة
2:10 التي كانت قبل قليل تستند إليها في ولادتها
2:15 لقوة جذعها وصلابتها وثباتها في الأرض
2:20 يطلب منها أن تهزها
2:23 كيف تهز مريم عليه السلام جذع النخلة
2:27 والنخلة لا يحرك جذعها الرجل القوي الشديد
2:31 ثم هي مع ذلك نفساء
2:34 يعني في أشد حالات الضعف التي تمر بها المرأة
2:39 أضيف إلى ذلك
2:41 أن الرطب لا يسقط في العادة من هز النخلة
2:45 بل لا بد أن يصعد إليه المزارع ويلتقطه من النخلة مباشرة
2:51 ومع ذلك كله يقول لها
2:54 وهز إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا
3:01 قال الشنقيطي رحمه الله
3:04 أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة
3:09 وهز إليك بجذع النخلة
3:13 الآية أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق
3:18 أمر مأمور به شرعا
3:21 وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا
3:25 وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة
3:29 أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا
3:35 أمر مأمور به شرعا
3:37 لا ينافي التوكل على الله بحال
3:41 لأن المكلف يتعاط السبب امتثالاً لأمر ربه
3:46 مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه
3:52 فهو متوكل على الله
3:54 عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر
4:01 ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف
4:07 ومن أصرح الأدلة في ذلك قوله تعالى
4:12 قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمِ
4:17 الآية
4:19 فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزء إلى معان مختلفة
4:25 ومع هذا أحرقت الحطب
4:28 فصار رماداً من حرها
4:31 في الوقت الذي هي كائنة بردًا وسلامًا على إبراهيم
4:36 فدلَّ ذلك دلالةً قاطعةً على أن التأثير حقيقةً
4:41 إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض
4:45 وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب
4:51 وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا
4:57 ومن أوضح الأدلة في ذلك
5:00 أنه ربما جعل الشيء سببًا لشيء آخر
5:04 مع أنه منافل له
5:07 كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعضٍ من بقرةٍ مذبوحةٍ سببًا لحياته
5:14 وضربه بقطعةٍ ميتةٍ من بقرةٍ ميتةٍ منافل لحياته
5:20 إذ لا تكسب الحياة من ضربٍ بميت
5:24 وذلك يوضح أنه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات
5:30 على ما شاء من الأسباب
5:33 ولا يقع تأثيرٌ البتة
5:36 إلا بمشيئته جل وعلا
5:39 ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله
5:45 قوله تعالى عن يعقوب
5:48 وقال يا بني لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ودخلوا من أبوابٍ متفرقة
5:56 أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب
6:00 وتسبب في ذلك بالأمر به
6:03 لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين
6:07 لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجلٍ واحد
6:12 وهم أهل جمالٍ وكمالٍ وبسطةٍ في الأجسام
6:16 فدخولهم من بابٍ واحد مظنةٌ لأن تصيبهم العين
6:22 فأمرهم بالتفرق والدخول من أبوابٍ متفرقة
6:27 تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين
6:31 كما قال غير واحدٍ من علماء السرف
6:35 ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه
6:39 وقال يا بني لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ودخلوا من أبوابٍ متفرقة
6:51 وما أغني عنكم من الله من شيء
7:00 إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون
7:11 فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله
7:15 لا تدخلوا من بابٍ واحد وبين التوكل على الله في قوله
7:21 عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون
7:26 وهذا أمرٌ معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته
7:33 والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع
7:40 ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع
7:45 وقد قال بعضهم في ذلك
7:48 ألم تر أن الله قال لمر يما
7:52 وهز إليك الجذع يساقط الرطب
7:56 ولو شاء أن تجنيه من غير هزه
8:00 جنته ولكن كل شيء له سبب
8:04 وهذا يعني أختي الكريمة
8:07 أن الجلوس والندب على حالنا ووضعنا من غير الأخذ بالأسباب
8:13 مخالف للشرع
8:15 فلا يكفي أن نجلس ونتحدث عن انحراف الفتيات اليوم
8:20 وجهود أهل الفساد في ذلك
8:23 بل لا بد من العمل بالأسباب الشرعية التي تقاوم مثل هذه الانحرافات
8:30 وعلى رأسها الدعوة إلى الله
8:33 ونشر الحق الذي يجمغ الله به الباطل
8:37 كذلك الظلم الواقع على المرأة في بعض المجتمعات
8:41 بسبب العادات والتقاليد الجاهلية
8:45 لا يمكن تغييره بالبكاء والصمت
8:49 أما يغير بإنكاره
8:51 وبيان الحق الذي شرعه الله عز وجل للمرأة في مثل هذه القضايا
8:57 التي تظلم فيها
8:59 كمنعها من الميراث في بعض المجتمعات
9:03 وتسلق الرجال من محارمها على أموالها
9:07 وأكل بعض الأولياء لمهرها
9:10 وإلزامها بزوج لا تريده
9:13 وغيرها من صوار الظلم
9:15 النابعة من عادات جاهلية مخالفة للشرع
9:20 وأيضا أختي الكريمة
9:22 المشاكل الزوجية لا تحل بدون الأخذ بأسباب الحل المشروعة
9:28 والتي من أهمها تغيير النفس
9:31 لقوله تعالى
9:33 إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم
9:40 ثم استشارة أهل الاختصاص مبكرا قبل استفحال المشكلة
9:47 والفتاة التي لم تتزوج بعد
9:50 وتتمنى الزواج
9:52 هي بحاجة كذلك إلى الأخذ بالأسباب المشروعة
9:56 لنيل ما تتمنى
9:58 والتي منها الدعاء
10:00 وهو على رأسها
10:02 وليس من الأسباب المشروعة التبرج
10:05 أو التعرف على الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي
10:10 ولا العمل المختلط
10:12 فإنما عند الله لا ينال بمعصية الله
10:16 وعلمي أختي الكريمة
10:18 أن من أعظم الأسباب التي تعينك على مرادك في الحياة
10:23 هو قوة ارتباطك وعلاقتك بالله عز وجل
10:28 في حال الرخاء والشدة
10:31 هذه العلاقة التي بينك وبين الله عز وجل
10:35 تتجلى في طاعتك لله
10:38 وتقربك إليه بأنواع العبادات
10:42 وتأملي حال مريم عليه السلام
10:45 كيف كانت قبل حملها
10:48 كانت قد أعدت لنفسها مكانا خاصا لعبادتها وتقربها إلى الله
10:54 وكانت كثيرة الصلاة والمناجات لله عز وجل
10:59 فلما ابتلاها ربها بالحمل
11:02 لم يتركها وحدها في هذا الابتلاء
11:06 وإنما أعانها عليه من كل النواحي
11:10 كما مر بك في حلقة سابقة
11:13 وكما سنذكره في حلقة قادمة إن شاء الله
11:18 هذه العلاقة بالله
11:21 تتجلى لك آثارها في مواقفة قطع فيها الأسباب المادية
11:27 المتعلقة بالأمر الذي يمر بك
11:30 مثل ما حصل لأصحاب الغار
11:33 الذين أطبق عليهم الغار
11:36 ولم يستطيعوا أن يزحزحوا الصخرة من مكانها
11:40 مع أنهم ثلاثة رجال
11:43 فلجأوا إلى التوسل إلى الله بأرجى عمل لهم يظنون أنهم أخلصوا فيه
11:50 فلما فعلوا ذلك فرج الله عنهم
11:54 إن ثباتك أخت الكريمة على الحق
11:58 في زمن الفتن التي تحيط بالناس اليوم من كل جانب
12:03 يحتاج إلى الأخذ بالأسباب المشروعة
12:06 مثل كثرة الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقليب القلوب
12:13 فعن أنس رضي الله عنه قال
12:16 كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول
12:21 يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
12:26 قال فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به
12:33 فهل تخاف علينا
12:35 قال فقال نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها
12:44 رواه أحمد
12:46 فهذا سبب من الأسباب
12:49 ومنها كذلك الرفقة الصالحة
12:52 لقول النبي صلى الله عليه وسلم
12:55 الرجل على دين خليله
12:58 فلينظر أحدكم من يخالل
13:01 رواه أبو داود
13:03 ومنها البعد عن مواطن الفتن وعدم لوجها
13:08 فإنك لا تدرينا كيف تؤثر على قلبك
13:12 ومن أخطر مواطن الفتن
13:15 ميادين الاختلاط بالرجال
13:18 كالجامعات المختلطة
13:20 والوظائف المختلطة
13:23 ولا يغرنك من يزين لك الاختلاط
13:26 بحجة الدعوة إلى الله وتعلم العلم الشرعي
13:31 فإن هذا من مداخل إبليس على الصالحين
13:35 ومن مواطن الفتن
13:37 التعرض للشبهات بحجة الرد عليها
13:41 قبل ثبات القدم بالعلم الراسق والعقيدة الصحيحة
13:46 فهذه أسباب لا تتغافل عنها أخيتي
13:51 فإنك مأمورة بالأخذ بها
13:54 كما أمرت مريم بهز النخلة لتأكل
13:58 ولا يتصور في ديننا
14:00 أن الأخذ بالأسباب مطلوب في طلب الرزق
14:04 ومهمل في طلب الهداية والثبات عليها
14:09 أسأل الله أن يثبتنا على الحق إلى يوم لقياه
14:14 نكمل في لقاء قادم إن شاء الله
14:19 والحمد لله رب العالمين