ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 4 من 15
صور من حياة الصحابة - الحلقة (4) - عبدالله بن حذافة السهمي رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
عبد الله بن حذافة السهمي
0:32
رضي الله
0:46
بطل قصتنا هذه رجل من الصحابة
0:49
يدعى عبد الله بن حذافة السهمي
0:52
لقد كان في وسع التاريخ
0:55
أن يمر بهذا الرجل كما مر بملايين العرب من قبله
0:59
دون أن يأبه لهم أو يخطروا له على بال
1:03
لكن الإسلام العظيم
1:05
أتاح لعبد الله بن حذافة السهمي
1:08
أن يلقى سيدي الدنيا في زمانه
1:11
كسرى ملك الفرس
1:13
وقيصرى عظيم الروم
1:15
وأن تكون له مع كل منهما
1:18
قصة ما زالت تعيها ذاكرة الدهر
1:22
ويرويها لسان التاريخ
1:25
أما قصته مع كسرى ملك الفرس
1:28
فكانت في السنة السادسة للهجرة
1:31
حين عزم النبي صلى الله عليه وسلم
1:34
أن يبعث طائفة من أصحابه
1:37
بكتب إلى ملوك الأعاجم
1:39
يدعوهم فيها إلى الإسلام
1:42
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم
1:45
يقدر خطورة هذه المهمة
1:48
فهؤلاء الرسل
1:50
سيذهبون إلى بلاد نائية
1:53
لا عهد لهم بها من قبل
1:55
وهم يجهلون لغات تلك البلاد
1:58
ولا يعرفون شيئا عن أمزجة ملوكها
2:01
ثم إنهم سيدعون هؤلاء الملوك
2:04
إلى ترك أديانهم
2:06
ومفارقة عزهم وسلطانهم
2:09
والدخول في دين قوم
2:11
كانوا إلى الأمس القريب من بعض أتباعهم
2:14
إنها رحلة قطرة
2:17
الذاهب فيها مفقود
2:19
والعائد منها مولود
2:21
لذا جمع الرسول عليه الصلاة
2:24
والسلام أصحابه
2:26
وقام فيهم خطيبا
2:28
فحمد الله وأثنى عليه وتشهد
2:31
ثم قال
2:33
أما بعد
2:35
فإني أريد أن أبعث بعضكم
2:37
إلى ملوك الأعاجم
2:39
فلا تختلفوا عليك
2:41
ما اختلفت بنو إسرائيل على عيس بن مريم
2:44
فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
2:48
نحن يا رسول الله
2:50
نؤدي عنك ما تريد
2:52
فبعثنا حيث شئت
2:54
انتدب عليه الصلاة والسلام
2:56
ستة من الصحابة
2:58
ليحملوا كتوبه إلى ملوك العرب والعجم
3:02
وكان أحد هؤلاء الستة
3:04
عبد الله بن حذافة السهمي
3:07
فقد اختير لحمل رسالة النبي صلوات الله وسلامه عليه
3:12
إلى كسرى ملك الفرس
3:14
جهز عبد الله بن حذافة راحلته
3:17
وودع صاحبته وولده
3:20
ومضى إلى غايته
3:22
ترفعه النجاد
3:24
وتحطه الوهاد
3:26
وحيدا فريدا
3:28
ليس معه إلا الله
3:30
حتى بلغ ديار فارس
3:32
فاستأذن بالدخول على ملكها
3:35
وأخطر الحاشية بالرسالة التي يحملها له
3:39
عند ذلك
3:41
أمر كسرى بإيوانه فزي
3:43
ودعى عظماء فارس لحضور مجلسه فحضروا
3:47
ثم أذن لعبد الله بن حذافة بالدخول عليه
3:51
دخل عبد الله بن حذافة على سيد فارس
3:55
مشتملا شملته الرقيقة
3:57
مرتديا عباءته الصفيقة
3:59
عليه بساطة الأعراض
4:02
لكنه كان عالي الهامة
4:04
مشدود القامة
4:06
تتأجج بين جوانحه عزة الإسلام
4:09
وتتوقد في فؤاده كبرياء الإيمان
4:13
فما إن رآه كسرى مقبلا
4:16
حتى أومأ إلى أحد رجاله
4:19
بأن يأخذ الكتاب من يده
4:21
فقال لا
4:23
إنما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:27
أن أدفعه لك يدا بيد
4:29
وأنا لا أخالف أمرا لرسول الله
4:33
فقال كسرى لرجاله
4:35
أتركوه يدنوا مني
4:37
فدنى من كسرى حتى ناوله الكتاب بيده
4:41
ثم دعى كسرى كاتبا عربيا من أهل الحيرة
4:45
وأمره أن يفضى الكتاب بين يديه
4:48
وأن يقرأه عليه
4:50
فإذا فيه
4:52
بسم الله الرحمن الرحيم
4:54
من محمد رسول الله
4:57
إلى كسرى عظيم فارس
4:59
سلام على من اتبع الهدى
5:02
فما أن سمع كسرى من الرسالة هذا المقدار
5:06
حتى اشتعلت نار الغضب في صدره
5:09
فحمر وجه
5:11
وانتفقت أوداجه
5:13
وعليه الصلاة والسلام
5:15
بدأ بنفسه
5:17
فجذب الرسالة من يدي كاتبه
5:19
وجعل يمزقها
5:21
دون أن يعلم ما فيها
5:23
وهو يصيح
5:25
أكتب لي بهذا وهو عبدي
5:27
ثم أمر بعبد الله بن حذافة
5:29
أن يخرج من مجلسه
5:31
فأخرج
5:32
خرج عبد الله بن حذافة
5:34
من مجلسه كسرى
5:36
وهو لا يدري ما يفعل الله به
5:38
أيقتل أم يترك حرا طليقا
5:41
لكنه ما لبث أن قال
5:43
والله ما أبالي على أي حال أكون
5:46
بعد أن أديت كتاب رسول الله
5:49
صلى الله عليه وسلم
5:51
وركب راحلته وانطلق
5:54
ولما سكت عن كسرى الغضب
5:56
أمر بأن يدخل عليه عبد الله
5:59
فلم يوجد
6:01
فالتمسوه فلم يقفوا له على أثر
6:04
فطلبوه في الطريق إلى جزيرة العرب
6:07
فوجدوه قد سبق
6:09
فلما قدم عبد الله على النبي صلى الله عليه وسلم
6:13
أخبره بما كان من أمر كسرى
6:16
وتمزيقه الكتاب
6:18
فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن قال
6:22
مزق الله ملكة
6:24
أما كسرى فقد كتب إلى باذان
6:27
نائبه على اليمن
6:29
أن يبعث إلى هذا الرجل الذي ظهر بالحجاز
6:32
رجلين جلدين من عندك
6:34
ومرهما أن يأتياني به
6:37
فبعث باذان رجلين من خيرة رجاله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:43
وحملهما رسالة له
6:45
يأمره فيها بأن ينصرف معهما إلى لقاء كسرى دون إبطاء
6:51
وطلب إلى الرجلين أن يقفى على خبر النبي عليه الصلاة والسلام
6:56
وأن يستقصي أمره
6:58
وأن يأتياه بما يقفان عليه من معلومات
7:02
خرج الرجلان يغذان السير حتى بلغ الطائف
7:06
فوجد رجال تجار من قريش
7:09
فسألهم عن محمد عليه الصلاة والسلام
7:12
فقالوا هو في يثرب
7:15
ثم مضى التجار إلى مكة فرحين مستبشرين
7:19
وجعلوا يهنئون قريشا ويقولون
7:22
قروا عينا
7:24
فإن كسرى تصدى لمحمد وكفاكم شره
7:28
أما الرجلان
7:30
فيمما وجههما شطر المدينة
7:33
حتى إذا بلغها لقي النبي عليه الصلاة والسلام
7:37
ودفع إليه رسالة باذان
7:40
وقال له إن ملك الملوك كسرى
7:43
كتب إلى ملكنا باذان
7:46
أن يبعث إليك من يأتيه بك
7:48
وقد أتيناك لتنطلق معنا إليه
7:51
فإن أجبتنا
7:53
كلمنا كسرى بما ينفعك ويكف أذاه عنك
7:57
وإن أبيت
7:58
فهو من قد علمت سطوته وبطشه
8:01
وقدرته على إهلاكك وإهلاك قومك
8:04
فتبسم الرسول عليه الصلاة والسلام
8:07
وقال لهما
8:09
إرجع إلى رحالكما اليوم
8:11
وأتي يا غدا
8:13
فلما غدوا على النبي صلوات الله وسلامه عليه في اليوم التالي
8:18
قال له
8:19
هل أعددت نفسك للمضي معنا إلى لقاء كسرى
8:23
فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم
8:27
لن تلقى يا كسرى بعد اليوم
8:30
فلقد قتله الله
8:32
حيث سلط عليه ابنه شيرويه
8:35
في ليلة كذا من شهر كذا
8:38
فحدق في وجه النبي
8:40
وبدت الدهشة على وجههما
8:43
وقال
8:44
أتدري ما تقول
8:45
أنكتب بذلك لباذان
8:48
قال نعم
8:49
وقول له
8:51
إن ديني سيبلغ ما وصل إليه ملك كسرى
8:54
وإنك إن أسلمت
8:56
أعطيتك ما تحت يديك
8:58
وملكتك على قومك
9:00
خرج الرجلان من عند الرسول صلوات الله وسلامه عليه
9:06
وقدم على باذان
9:08
وأخبراه الخبر
9:10
فقال
9:11
لئن كان ما قاله محمد
9:14
فهو نبي
9:15
وإن لم يكن كذلك
9:17
فسنرى فيه رأيا
9:19
فلم يلبث أن قدم على باذان
9:22
كتاب شيرويه
9:23
وفيه يقول
9:25
أما بعد
9:26
فقد قتلت كسرى
9:28
ولم أقتله إلا انتقاما لقومنا
9:31
فقد استحلقت لأشرافهم
9:34
وسبي نسائهم
9:36
وانتهاب أموالهم
9:38
فإذا جاءك كتابي هذا
9:41
فخذ لي الطاعة ممن عندك
9:44
فما إن قرأ باذان كتاب شيرويه
9:47
حتى طرحه جانبا
9:49
وأعلن دخوله في الإسلام
9:52
وأسلم من كان معه من الفرس في بلاد اليمن
9:56
هذه قصة لقاء عبدالله بن حذافة
10:00
لكسرى ملك الفرس
10:02
فما قصة لقائه لقيصر عظيم الروم
10:06
لقد كان لقاءه لقيصر في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
10:12
وكانت له معه قصة من روائع القصص
10:17
ففي السنة التاسعة عشرة للهجرة
10:20
بعت عمر بن الخطاب جيشا لحرب الروم
10:23
فيه عبدالله بن حذافة السهمي
10:26
وكان قيصر عظيم الروم
10:29
قد تناهت إليه أخبار جند المسلمين
10:32
وما يتحلون به من صدق الإيمان ورسوخ العقيدة
10:36
واسترخاص النفس في سبيل الله ورسوله
10:40
فأمر رجاله إذا ضفروا بأسير من أسرى المسلمين
10:44
أن يبقوا عليه
10:46
وأن يأتوه به حيا
10:48
وشاء الله أن يقع عبدالله بن حذافة السهمي
10:52
أسيرا في أيدي الروم
10:54
فحملوه إلى مليكهم
10:56
وقالوا إن هذا من أصحاب محمد
11:00
السابقين إلى دينه
11:02
قد وقع أسيرا في أيدينا
11:04
فأتيناك به
11:06
نظر ملك الروم إلى عبدالله بن حذافة طويلا
11:10
ثم بادره قائلا
11:12
إني أعرض عليك أمرا
11:14
قال وما هو
11:16
فقال
11:18
أعرض عليك أن تتنصر
11:20
فإن فعلت
11:22
خليت سبيلك وأكرمت مثواك
11:24
فقال الأسير في أنفة وحزم
11:27
هيهات
11:29
إن الموت الأحب إلي ألف مرة مما تدعوني إليه
11:33
فقال قيصر
11:35
إني لأراك رجلا شهما
11:38
فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك
11:41
أشركتك في أمري
11:43
وقاسمتك سلطاني
11:45
فتبسم الأسير المكبل بقيوده وقال
11:49
والله لو أعطيتني جميع ما تملك
11:52
وجميع ما ملكته العرب
11:55
على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين
11:58
ما فعلت
12:00
قال إذا أقتلك
12:03
قال أنت وما تريد
12:06
ثم أمر به فصلب
12:09
وقال لقناصته بالرومية
12:12
أرموه قريبا من يديه
12:14
وهو يعرض عليه التنصر فأبى
12:17
فقال
12:19
أرموه قريبا من رجليه
12:22
وهو يعرض عليه مفارقة دينه فأبى
12:26
عند ذلك أمرهم أن يكفوا عنه
12:29
وطلب إليهم أن ينزلوه عن خشبة الصلب
12:33
ثم دعا بقدر عظيمة
12:35
فصب فيها الزيت
12:37
ورفعت على النار
12:39
حتى غلت
12:41
ثم دعا بآسيرين من أسار المسلمين
12:44
فأمر بأحدهما أن يلقى فيها
12:47
فألقي
12:49
فإذا لحمه يتفتت
12:51
وإذا عظامه تبدو عارية
12:54
ثم التفت إلى عبد الله بن حذافة
12:57
ودعاه إلى النصرانية
12:59
فكان أشد إباء لها من قبل
13:02
فلما يأس منه
13:05
أمر به أن يلقى في القدر التي ألقي فيها صاحباه
13:09
فلما ذهب به دمعت عيناه
13:13
فقال رجال قيصر لملكهم
13:16
إنه قد بك
13:18
فظن أنه قد جزع
13:20
وقال ردوه إلي
13:22
فلما مثل بين يديه
13:24
عرض عليه النصرانية
13:26
فأباها
13:28
فقال ويحك
13:30
فما الذي أبكاك إذا
13:32
قال أبكاني أني قلت في نفسي
13:35
تلقى الآن في هذه القدر
13:38
فتذهب نفسك
13:40
وقد كنت أشتهي
13:42
أن يكون لي بعدد ما في جسدي
13:44
من شعر أنفس
13:46
فتلقى كلها في هذا القدر
13:48
في سبيل الله
13:50
فقال الطاغية
13:52
هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك
13:55
فقال له عبد الله
13:57
وعن جميع أسار المسلمين أيضا
14:00
قال
14:02
وعن جميع أسار المسلمين أيضا
14:05
قال عبد الله
14:07
فقلت في نفسي
14:09
عدو من أعداء الله
14:11
أقبل رأسه فيخلي عني
14:14
وعن أسار المسلمين جميعا
14:17
لا ضير في ذلك علي
14:20
ثم دنا منه وقبل رأسه
14:23
فأمر ملك الروم أن يجمعوا له أسار المسلمين
14:27
وأن يدفعوهم إليه
14:29
فدفعو له
14:32
قدم عبد الله بن حذافة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
14:36
وأخبره خبره
14:38
فسر به الفاروق أعظم السرور
14:41
ولما نظر إلى الأسرى قال
14:44
حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة
14:49
وأنا أبدأ بذلك
14:51
ثم قام وقبل رأسه
14:54
حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة
15:00
وأنا أبدأ بذلك
15:03
عمر بن الخطاب
15:13
رأس عبد الله بن حذافة