ضمن سلسلة قصة ملكة سبأ (اكتملت السلسلة)
· درس 9 من 12
قصة ملكة سبأ | الحلقة (9) | أفتوني في أمري
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
قصة ملكة سبأ
0:05
أفتوني في أمري
0:11
بعد أن قرأت ملكة سبأ على قومها الكتاب
0:15
قالت لهم
0:17
يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون
0:24
كلمات مختصرة
0:26
دلت على مستوى عقل وذكاء ملكة سبأ
0:30
إضافةً إلى ما سبق وبينناه في الحلقة السابقة
0:36
لقد احتوت هذه الكلمات على عدة أمور
0:39
منها استشارة القوم
0:42
وعبرت عنها بطلب الفتيا
0:45
وطريقة إصدارها للقرارات في مملكتها
0:49
وكسب قلوب شعبها
0:52
وتواضع ملكة سبأ
0:55
قال السعدي رحمه الله
0:57
فمن حزمها وعقلها
0:59
أن جمعت كبار دولتها ورجال مملكتها وقالت
1:04
يا أيها الملأ أفتوني في أمري
1:08
أي أخبروني ماذا نجيبه به
1:11
وهل ندخل تحت طاعته وننقاد
1:15
أم ماذا نفعل
1:17
ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون
1:21
أي ما كنت مستبدة بأمر دون رأيكم ومشورتكم
1:27
لقد سلكت ملكة سبأ
1:30
ومسلك العقلاء من الملوك والرؤساء
1:33
الذين لا يستبدون برأيهم
1:36
ولا يهملون عقلاء شعوبهم
1:39
فيستشيرونهم في أمور العامة والخاصة
1:44
قال القشيري رحمه الله
1:47
أخذت في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام
1:52
فإن الملك لا ينبغي أن يكون مستبدًا برأيه
1:56
ويجب أن يكون له قوم من أهل الرأي والبصيرة
2:02
إن مسلك المشاورة قد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم
2:07
في القرآن الكريم
2:09
فقال سبحانه وتعالى لنبيه
2:13
فبما رحمة من الله لنت لهم
2:18
ولو كنت فضًا غليظ القلب
2:22
لن فضوا من حولك
2:26
فأعفو عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر
2:33
فإذا عزمت فتوكل على الله
2:38
إن الله يحب المتوكلين
2:44
فطبق ذلك عليه الصلاة والسلام في حياته
2:49
فاستشار أصحابه في غزوة بدر وأحد والخندق
2:53
واستشارهم في حادثة الإفك
2:56
التي تعرض فيها للطعن في عرضه وزوجه عائشة أم المؤمنين
3:03
واستشارهم في مسائل كثيرة عرضت عليه في حياته
3:08
فكيف يليق بمن يدعي محبته والسير على طريقته
3:13
أن يترك هذا المسلك العظيمة في الوصول إلى الرأي السديد
3:19
إن استشارة العقلاء لها أثر كبير في قلوبهم وقلوب عامة الناس
3:25
فمن عرف عنه الاستشارة في مصالح عموم الناس
3:29
يحب ويطاع ويلتف الناس حوله ويدعمون ملكة
3:36
قال الزمغشري رحمه الله
3:39
والمراد بالفتوى ها هنا
3:41
الإشارة عليها بما عندهم فيما حدث لها من الرأي والتدبير
3:47
وقصدت بالانقطاع إليهم والرجوع إلى استشارتهم
3:51
واستطلاع آرائهم
3:54
استعطافهم وتطيب نفوسهم ليمالئوها ويقوموا معها
4:01
ولا يقدم على طلب الاستشارة في أموره كلها إلا المتواضع
4:06
أما المتكبر فلا يستشير أحدا
4:10
لأنه يعظم نفسه ورأيه
4:13
ويحتقر غيره ويسفه رأيه
4:16
ولذلك تنفر منه القلوب وينفض عنه الناس
4:21
ويخالف الهدي النبوي ويخسر في الدنيا والآخرة
4:27
ولو أن الملوك والرؤساء سلكوا مسلك استشارة العقلاء
4:31
لاجتمعت القلوب عليهم
4:34
ووقفت الشعوب معهم في المحن الكبيرة
4:38
ولكن المشكلة الحقيقية بين الزعماء والشعوب
4:42
هي الاستبداد بالرأي
4:44
والسير على طريقة فرعون عندما قال
4:48
ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيلاً رشاد
4:55
قال ابن كثير رحمه الله
4:58
قال فرعون لقومه رادًا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد
5:05
الذي كان أحق بالملك من فرعون
5:08
ما أريكم إلا ما أرى
5:11
أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي
5:17
وقد كذب فرعون
5:19
فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة
5:25
قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر
5:33
وقال الله تعالى
5:35
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا
5:41
فقوله ما أريكم إلا ما أرى
5:45
كذب فيه وافترى
5:47
وخان الله تبارك وتعالى ورسوله عليه السلام ورعيته
5:52
فغشهم وما نصحهم
5:55
وكذا قوله
5:57
وما أهديكم إلا سبيلاً رشاد
6:01
أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد
6:06
وقد كذب أيضًا في ذلك
6:08
وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه
6:12
قال الله تبارك وتعالى
6:15
فاتبعوا أمر فرعون
6:17
وما أمر فرعون برشيد
6:21
وقال جلت عظمته
6:23
وأضل فرعون قومه وما هدا
6:27
وفي الحديث
6:28
ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته
6:33
إلا لم يرح رائحة الجنة
6:36
وإن ريحها ليوجد من مسيرة 500 عام
6:41
والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب
6:47
هذا الاستبداد بالرأي
6:49
لا يوصل إلى الرأي السديد في مواجهة الأحداث التي تتعرض لها الممالك والدول
6:56
بل هو علامة من علامات سقوط الدول
6:59
لأن الاستبداد سببه الكبر واحتقار الناس وازدراؤهم
7:05
وتسفيه آرائهم وطغيان في الأرض
7:09
وهذا مآله إلى زوال
7:12
والاستشارة لا تُطلب إلا من العقلاء وأهل الاختصاص في كل فن
7:18
ولا تُطلب من عموم الناس
7:20
ففيهم العالم والجاهل والعاقل والسفيه
7:25
فطالب الاستشارة
7:27
لا بد أن يُفرِّق بين المختص وغير المختص في الشأن الذي يطلب الاستشارة فيه
7:34
وخاصة في القضايا التي تمسّ حياة الناس عموما
7:39
وهذا بخلاف ما يُسمّونه الفكر الديمقراطي
7:44
فإن الديمقراطية لا تُفرِّق بين العاقل والسفيه والعالم والجاهل
7:50
ويدخل في المجالس النيابية بعض الجهال والسفهاء
7:55
الذين يتكلمون في قضايا تمسّ مصير الشعوب
7:59
فلا إلى الله اتجهوا ولا إلى شعوبهم أحسنوا
8:05
وطلب الاستشارة ليس قاصرا على قضايا الأمة الكبيرة فقط
8:11
بل تدخل الاستشارة في كثير من مسائل الحياة
8:15
لأن رأي الاثنين خير من رأي الواحد
8:20
ولذلك وجّه الله سبحانه وتعالى الزوجين إلى التشاور في قضايا الأسرة
8:26
فقال سبحانه وتعالى
8:29
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين
8:36
لمن أراد أن يتمّ الرضاعه
8:42
وعلى المونود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف
8:51
لا تُكلّف نفسٌ إلا وسعها
8:55
لا تُضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده
9:06
وعلى الوارف مثل ذلك
9:10
فإن أراد فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما
9:21
وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم
9:30
إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف
9:38
واتقوا الله وعلموا أن الله بما تعملون بصين
9:48
فهذا نظام الرضاعة الذي نص الله عليه في كتابه
9:52
وبيّن تفاصيله
9:54
لا تستطيع المرأة أن تفطم رضيعها إلا بعد التشاور مع زوجها
10:01
فإذا كان التشاور قد أرشد الله إليه في فطام الصبي
10:06
ففي القضايا الكبيرة في الأسرة من باب أولى أن يتشاور فيها الزوجان
10:12
فلا يصلح في الأسرة أن يستبد الرجل برأيه من غير استشارة الزوجة
10:18
كما لا يصلح للزوجة أن تستبد برأيها في موضوعات الأسرة وتربية الأطفال من غير استشارة الزوج
10:28
وقد تستشير الأسرة طرفا آخر من خارج الأسرة لتصلح أوضاعها
10:34
وتحمي كيانها من التفكك أو الانكسار
10:38
وكل هذا حسن إذا صلحت النوايا وأحسن اختيار المستشار
10:45
لقد بيَّنت ملكة سبع مبدأا آخر
10:49
وهو أن قراراتها في مملكتها لا تصدر من غير الطلاع العقلاء وكبار القوم عليها
10:57
فقالت ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون
11:02
وهذا مبدأ مهم في حياة الدول والمجتمعات والأسر
11:08
أن تصدر القرارات بعلم الناس ومشاورتهم
11:12
لا أن يفاجأ الناس بقرار يمس حياتهم من غير علم منهم ولا ينفعهم
11:19
قال أبو زهرة رحمه الله
11:22
جمعت قومها واتخذت خطابها مع أشرافهم وذوي الرأي فيهم
11:28
الذين يولون ويعزلون وقالت لهم أفتوني في أمري
11:35
وأضافت الأمر إليها
11:37
إذ هي المسؤولة عنهم والمخاطبة بأمر القوم عنهم
11:43
وأخبرتهم أنها لا تبت في أمر وتقطع فيه برأيها منفردة دونهم
11:50
ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون
11:54
حتى تشهد الأمر وتعاينوه ونكون معا
11:59
والنون نون الوقاية
12:02
ويا ألم تكلم محذوفة
12:04
أي حتى تشهدوني
12:07
أي حتى تحضروا معي
12:10
وأتبادل الأمر معكم لنعرف ما يكون فيه خيركم
12:16
هذه هي طريقة ملكة سبأ
12:20
ولا عجب أن ملكها قومها عليهم
12:24
فمن كانت هذه طريقته في الحكم
12:27
يحب ويطاع ويتبع ويحما ملكه
12:33
ولكن ما رأي قومها بعد هذا العرض
12:39
نكمل في لقاء قادم إن شاء الله
12:42
والحمد لله رب العالمين
12:47
قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام