ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 5 من 20
صور من حياة الصحابة - الحلقة (46) - عاصم بن ثابت رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
عاصم بن ثابت
0:31
رضي الله عنه
0:47
خرجت قريش بقضها وقضيضها
0:50
وسادتها وعبيدها إلى لقاء محمد بن عبد الله في أحد
0:55
فقد كانت الأضغان تشحن صدورها شحنا
0:59
والثارات لقتلها في بدر تستعر في دمائها استعارا
1:04
ولم يكفيها ذلك
1:06
وإنما أخرجت معها العقائل من نساء قريش
1:10
ليحرضنا الرجال على القتال
1:13
ويظلمنا الحمية في نفوس الأبطال
1:16
ويشددنا عزائمهم كلما ونوا أو ضعفوا
1:20
وكان في جملة من خرجت معهم
1:23
هند بنت عتبة زوج أبي سفيان
1:26
وريطة بنت منبه
1:28
زوج عمر بن العاص
1:30
وسلافة بنت سعد
1:32
ومعها زوجها طلحة وأولادها الثلاثة
1:36
مسافع والجلس وكلاب
1:39
ونساء كثيرات غيرهن
1:42
ولما التق الجمعان عند أحد
1:45
وأخذت نار الحرب تستعر
1:47
قامت هند بنت عتبة ومن معها من النسوة
1:51
فوقفنا خلف الصفوف
1:53
وأخذنا بأيديهن الدفوف
1:55
وجعلنا يضربنا عليها منشدات
1:58
إن تقبلون عانق
2:00
ونفرشن مارق
2:02
أو تدبرون فارق
2:04
فراق غير وامق
2:06
فكان نشيدهن هذا يظلم في صدور الفرسان الحمية
2:10
ويفعل في نفوس أزواجهن فعل السحر
2:14
ثم وضعت المعركة أوزارها
2:17
وكتب فيها النصر لقريش على المسلمين
2:20
فقامت النسوة
2:22
وقد استفزتهن حمية الضفر
2:25
وطفقنا يجسن خلال ساحة المعركة مزغردات
2:29
وأخذن يمثلن بالقتلا أفضع تمثيل
2:33
فبقرن البطون
2:35
وسملن العيون
2:37
وصلمن الآذان وجدعن الأنوف
2:40
بل إن إحداهن لم يشفي غيظها
2:43
إلا أن جعلت من الأنوف والآذان قلائد وخلاليل
2:47
وتزينت بها
2:49
انتقاما لأبيها وأخيها وعمها الذين قتلوا في بدر
2:54
لكن سلافة بنت سعد
2:57
كان لها شأن غير شأن أترابها من نساء قريش
3:01
فقد كانت قلقة مطلبة
3:04
تنتظر أن يقبل عليها زوجها أو أحد أبنائها الثلاثة
3:09
لتقف على أخبارهم
3:11
وتشارك النسوة الأخرى فرحة النصر
3:14
بيد أن انتظارها قد طال عبثا
3:18
فأوغلت في أرض المعركة
3:20
وجعلت تتفحص وجوها القتلى
3:23
فإذا بها تجد زوجها صريعا مضرجا بدمائه
3:28
فهبت كاللبؤة المذعورة
3:30
وجعلت تطلق بصرها في كل صوب بحثا عن أولادها
3:35
مسافع وكلاب والجلاس
3:38
فما نبثت أن رأتهم ممددين على سفوح أحد
3:42
أما مسافع وكلاب
3:44
فكان قد فارق الحياة
3:47
وأما الجلاس
3:48
فوجدته وما تزال به بقية من ذما
3:52
أكبت سلافة على ابنها الذي يعالج سكرات الموت
3:56
ووضعت رأسه في حجرها
3:59
وجعلت تمسح الدماء عن جبينه وفمه
4:02
وقد يبس الدمع في عينيها من هول الكارثة
4:06
ثم أقبلت عليه وهي تقول
4:09
من صرعك يا بني
4:11
فهم أن يجيبها
4:14
لكن حشرجة الموت منعت
4:17
فألحت عليه بالسؤال
4:19
فقال
4:21
صرعني عاصم ابن ثابت
4:23
وصرع أخي مسافع
4:25
ثم لفظ آخر أنفاسه
4:28
جن جنون سلافة ابنت سعد
4:31
وجعلت تعول وتنشج
4:33
وأقسمت بالله والعز
4:36
ألا تهدأ لها لوعة
4:38
أو ترقى لعينيها دمعة
4:40
إلا إذا ثارت لها قريش من عاصم ابن ثابت
4:44
وأعطتها قحف رأسه لتشرب فيه الخمر
4:48
ثم نذرت لمن يأسره
4:50
أو يقتله ويأتيها برأسه
4:52
أن تعطيه ما يشاء من منفس المال
4:56
فشاع خبر نذرها في قريش
4:59
وجعل كل فتا من فتان مكة
5:02
يتمنى أن لو ظفر بعاصم ابن ثابت
5:05
وقدم رأسه لسلافة
5:07
لعله يكون الفائز بجائزتها
5:10
عاد المسلمون إلى المدينة بعد أحد
5:13
وجعلوا يتذاكرون المعركة وما كان فيها
5:17
فيترحمون على الأبطال الذين استشهدوا
5:21
وينوهون بالكمات الذين أبلوا وجالدوا
5:25
فذكروا في من ذكروهم عاصم ابن ثابت
5:28
وعجبوا كيف اتفق له أن يردي ثلاثة إخوة من بيت واحد
5:34
في جملة من أرداهم
5:36
فقال قائل منهم
5:38
وهل في ذلك من عجب
5:41
أفلا تذكرون رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
5:45
حين سألنا قبيل بدر كيف تقاتلون
5:49
فقام له عاصم ابن ثابت
5:51
وأخذ قوسه بيده وقال
5:54
إذا كان القوم قريبا مني مائة ذراع
5:57
كان الرمي بالسهام
5:59
فإذا دنوا حتى اتنا لهم الرماح
6:02
كانت المداعسة إلى أن تتقصف الرماح
6:06
فإذا تقصفت الرماح
6:08
وضعناها وأخذنا السيوف
6:11
وكانت المجالدة
6:13
فقال عليه الصلاة والسلام
6:15
ها كذا الحرب
6:17
من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم
6:21
لم يمضي غير قليل على أحد
6:24
حتى انتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:27
ستة من كرام الصحابة
6:29
لبعث من بعوثه
6:31
وأمر عليهم عاصم ابن ثابت
6:34
فمضى النفر الأخيار لإنفاذ ما أمرهم به النبي عليه الصلاة والسلام
6:40
وفيما هم في بعض الطريق غير بعيد عن مكة
6:44
علمت بهم جماعة من هذير
6:47
فهبوا نحوهم مسرعين
6:49
وأحاطوا بهم إحاطة القيد بالعنق
6:52
فامتشق عاصم ومن معه سيوفهم
6:55
وهموا بمنازلة المطبقين عليهم
6:59
فقال لهم الهذليون
7:01
إنكم لا قبل لكم بنا
7:03
وإننا والله لا نريد بكم شراً
7:06
إذا استسلمتم لنا
7:08
ولكم على ذلك عهد الله وميثاقه
7:11
فجعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:15
ينظر بعضهم إلى بعض
7:17
كأنهم يتشاورون فيما يصنعون
7:20
فالتفت عاصم إلى أصحابه وقال
7:23
أما أنا فلا أنزل في ذمة مشرك
7:27
ثم تذكر نذر سلافة الذي نذرت
7:31
وجرد سيفه وهو يقول
7:33
اللهم إني أحمى لدينك وأدافع عنه
7:37
فحمي لحمي وعظمي
7:39
ولا تغذر بهما أحدا من أعداء الله
7:43
ثم كر على الهذليين
7:45
وتبعه اثنان من أصحابه
7:47
وظلوا يقاتلون
7:49
حتى صرعوا واحدا بعد آخر
7:52
أما بقية أصحابه
7:54
فاستسلموا لآسريهم
7:56
فما لبثوا أن غدروا بهم شر غدرة
7:59
لم يكن الهذليون في بادئ الأمر
8:03
يعلمون أن عاصم بن ثابت
8:05
هو أحد قتلاهم
8:07
فلما عرفوا ذلك
8:09
فرحوا به أشد الفرح
8:11
ومنوا أنفسهم بجزيل العطاء
8:14
ولا غروا
8:16
ألم تكن سلافة بنت سعد
8:18
قد نذرت إن هي ظفرت
8:20
بعاصم بن ثابت
8:22
أن تشرب في قحف رأسه الخمر
8:24
ألم تكن قد جعلت لمن يأتيها به
8:27
حيا أو ميتا
8:28
ما يشاء من المال
8:30
لم يمضي على مصرع عاصم بن ثابت
8:33
بضع ساعات
8:35
حتى علمت قريش بمقتله
8:37
فقد كانته ذيل تقيم
8:39
قريبا من مكة
8:41
فأرسل زعماء قريش
8:43
رسولا من عندهم إلى قتلت عاصم
8:46
يطلبون منهم رأسهم
8:48
ليطفئوا بها غلة سلافة بنت سعد
8:51
ويبر قسمها
8:53
ويخففوا بعض أحزانها
8:55
على أولادها الثلاثة
8:57
الذين صرعهم عاصم بيده
9:00
وحملوا الرسول مالا وفيرا
9:03
وأمروه أن يبذله للهذليين بسخاء
9:06
لقاء رأس عاصم
9:08
قام الهذليون إلى جسد عاصم بن ثابت
9:12
ليفصلوا عنه رأسه
9:14
ففوجئوا بأسراب النحل
9:16
وجماعات الزنابير قد حطت عليه
9:18
وأحاطت به من كل جانب
9:21
فكانوا كلما راموا اقتراب من جثته
9:24
طارت في وجوههم
9:26
ولدغتهم في عيونهم وجباههم
9:29
وكل موضع في أجسادهم
9:31
وذادتهم عنه
9:33
فلما يأسوا من الوصول إليه
9:35
بعد أن حاولوا ذلك الكرة تتلو الكرة
9:39
قال بعضهم لبعض
9:41
دعوه حتى يجن عليه الليل
9:44
فإن الزنابير إذا حل الظلام
9:47
جلت عنه وخلته لكم
9:49
ثم جلسوا ينتظرون غير بعيد
9:52
لكنه ما كاد ينصرم النهار ويقبل الليل
9:56
حتى تلبدت السماء بالغيوم الكثيفة الدكن
10:00
وأرعد الجو أزبد
10:03
وانهمر المطر همارا
10:05
لم يشهد له المعمرون مثيلا
10:08
منذ وجدوا على تلك الأرض
10:10
وسرعان ما سالت الشعاب
10:13
وامتلأت البطاح وغمرة الأودية
10:16
واكتسح المنطقة سيل كسيل العرم
10:19
فلما انبلج الصبح
10:21
قامته ذيل تبحث عن جسد عاصم في كل مكان
10:25
فلم تقف له على أثر
10:28
ذلك أن السيل أخذه بعيدا بعيدا
10:32
ومضى به إلى حيث لا يعلمون
10:36
فلقد استجاب الله جل وعز
10:38
دعوة عاصم بن ثابت
10:40
فحما جسده الطاهر من أن يمثل به
10:44
وصان رأسه الكريمة من أن يشرب في قحفها الخمر
10:50
ولم يجعل المشركين على المؤمنين سبيلا
10:54
من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم بن ثابت
11:01
محمد بن عبدالله