صور من حياة الصحابة - الحلقة (46) - عاصم بن ثابت رضي الله عنه

◉ 0 مشاهدة ⏱ 11:24 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:18 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22 لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 عاصم بن ثابت
0:31 رضي الله عنه
0:47 خرجت قريش بقضها وقضيضها
0:50 وسادتها وعبيدها إلى لقاء محمد بن عبد الله في أحد
0:55 فقد كانت الأضغان تشحن صدورها شحنا
0:59 والثارات لقتلها في بدر تستعر في دمائها استعارا
1:04 ولم يكفيها ذلك
1:06 وإنما أخرجت معها العقائل من نساء قريش
1:10 ليحرضنا الرجال على القتال
1:13 ويظلمنا الحمية في نفوس الأبطال
1:16 ويشددنا عزائمهم كلما ونوا أو ضعفوا
1:20 وكان في جملة من خرجت معهم
1:23 هند بنت عتبة زوج أبي سفيان
1:26 وريطة بنت منبه
1:28 زوج عمر بن العاص
1:30 وسلافة بنت سعد
1:32 ومعها زوجها طلحة وأولادها الثلاثة
1:36 مسافع والجلس وكلاب
1:39 ونساء كثيرات غيرهن
1:42 ولما التق الجمعان عند أحد
1:45 وأخذت نار الحرب تستعر
1:47 قامت هند بنت عتبة ومن معها من النسوة
1:51 فوقفنا خلف الصفوف
1:53 وأخذنا بأيديهن الدفوف
1:55 وجعلنا يضربنا عليها منشدات
1:58 إن تقبلون عانق
2:00 ونفرشن مارق
2:02 أو تدبرون فارق
2:04 فراق غير وامق
2:06 فكان نشيدهن هذا يظلم في صدور الفرسان الحمية
2:10 ويفعل في نفوس أزواجهن فعل السحر
2:14 ثم وضعت المعركة أوزارها
2:17 وكتب فيها النصر لقريش على المسلمين
2:20 فقامت النسوة
2:22 وقد استفزتهن حمية الضفر
2:25 وطفقنا يجسن خلال ساحة المعركة مزغردات
2:29 وأخذن يمثلن بالقتلا أفضع تمثيل
2:33 فبقرن البطون
2:35 وسملن العيون
2:37 وصلمن الآذان وجدعن الأنوف
2:40 بل إن إحداهن لم يشفي غيظها
2:43 إلا أن جعلت من الأنوف والآذان قلائد وخلاليل
2:47 وتزينت بها
2:49 انتقاما لأبيها وأخيها وعمها الذين قتلوا في بدر
2:54 لكن سلافة بنت سعد
2:57 كان لها شأن غير شأن أترابها من نساء قريش
3:01 فقد كانت قلقة مطلبة
3:04 تنتظر أن يقبل عليها زوجها أو أحد أبنائها الثلاثة
3:09 لتقف على أخبارهم
3:11 وتشارك النسوة الأخرى فرحة النصر
3:14 بيد أن انتظارها قد طال عبثا
3:18 فأوغلت في أرض المعركة
3:20 وجعلت تتفحص وجوها القتلى
3:23 فإذا بها تجد زوجها صريعا مضرجا بدمائه
3:28 فهبت كاللبؤة المذعورة
3:30 وجعلت تطلق بصرها في كل صوب بحثا عن أولادها
3:35 مسافع وكلاب والجلاس
3:38 فما نبثت أن رأتهم ممددين على سفوح أحد
3:42 أما مسافع وكلاب
3:44 فكان قد فارق الحياة
3:47 وأما الجلاس
3:48 فوجدته وما تزال به بقية من ذما
3:52 أكبت سلافة على ابنها الذي يعالج سكرات الموت
3:56 ووضعت رأسه في حجرها
3:59 وجعلت تمسح الدماء عن جبينه وفمه
4:02 وقد يبس الدمع في عينيها من هول الكارثة
4:06 ثم أقبلت عليه وهي تقول
4:09 من صرعك يا بني
4:11 فهم أن يجيبها
4:14 لكن حشرجة الموت منعت
4:17 فألحت عليه بالسؤال
4:19 فقال
4:21 صرعني عاصم ابن ثابت
4:23 وصرع أخي مسافع
4:25 ثم لفظ آخر أنفاسه
4:28 جن جنون سلافة ابنت سعد
4:31 وجعلت تعول وتنشج
4:33 وأقسمت بالله والعز
4:36 ألا تهدأ لها لوعة
4:38 أو ترقى لعينيها دمعة
4:40 إلا إذا ثارت لها قريش من عاصم ابن ثابت
4:44 وأعطتها قحف رأسه لتشرب فيه الخمر
4:48 ثم نذرت لمن يأسره
4:50 أو يقتله ويأتيها برأسه
4:52 أن تعطيه ما يشاء من منفس المال
4:56 فشاع خبر نذرها في قريش
4:59 وجعل كل فتا من فتان مكة
5:02 يتمنى أن لو ظفر بعاصم ابن ثابت
5:05 وقدم رأسه لسلافة
5:07 لعله يكون الفائز بجائزتها
5:10 عاد المسلمون إلى المدينة بعد أحد
5:13 وجعلوا يتذاكرون المعركة وما كان فيها
5:17 فيترحمون على الأبطال الذين استشهدوا
5:21 وينوهون بالكمات الذين أبلوا وجالدوا
5:25 فذكروا في من ذكروهم عاصم ابن ثابت
5:28 وعجبوا كيف اتفق له أن يردي ثلاثة إخوة من بيت واحد
5:34 في جملة من أرداهم
5:36 فقال قائل منهم
5:38 وهل في ذلك من عجب
5:41 أفلا تذكرون رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
5:45 حين سألنا قبيل بدر كيف تقاتلون
5:49 فقام له عاصم ابن ثابت
5:51 وأخذ قوسه بيده وقال
5:54 إذا كان القوم قريبا مني مائة ذراع
5:57 كان الرمي بالسهام
5:59 فإذا دنوا حتى اتنا لهم الرماح
6:02 كانت المداعسة إلى أن تتقصف الرماح
6:06 فإذا تقصفت الرماح
6:08 وضعناها وأخذنا السيوف
6:11 وكانت المجالدة
6:13 فقال عليه الصلاة والسلام
6:15 ها كذا الحرب
6:17 من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم
6:21 لم يمضي غير قليل على أحد
6:24 حتى انتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:27 ستة من كرام الصحابة
6:29 لبعث من بعوثه
6:31 وأمر عليهم عاصم ابن ثابت
6:34 فمضى النفر الأخيار لإنفاذ ما أمرهم به النبي عليه الصلاة والسلام
6:40 وفيما هم في بعض الطريق غير بعيد عن مكة
6:44 علمت بهم جماعة من هذير
6:47 فهبوا نحوهم مسرعين
6:49 وأحاطوا بهم إحاطة القيد بالعنق
6:52 فامتشق عاصم ومن معه سيوفهم
6:55 وهموا بمنازلة المطبقين عليهم
6:59 فقال لهم الهذليون
7:01 إنكم لا قبل لكم بنا
7:03 وإننا والله لا نريد بكم شراً
7:06 إذا استسلمتم لنا
7:08 ولكم على ذلك عهد الله وميثاقه
7:11 فجعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:15 ينظر بعضهم إلى بعض
7:17 كأنهم يتشاورون فيما يصنعون
7:20 فالتفت عاصم إلى أصحابه وقال
7:23 أما أنا فلا أنزل في ذمة مشرك
7:27 ثم تذكر نذر سلافة الذي نذرت
7:31 وجرد سيفه وهو يقول
7:33 اللهم إني أحمى لدينك وأدافع عنه
7:37 فحمي لحمي وعظمي
7:39 ولا تغذر بهما أحدا من أعداء الله
7:43 ثم كر على الهذليين
7:45 وتبعه اثنان من أصحابه
7:47 وظلوا يقاتلون
7:49 حتى صرعوا واحدا بعد آخر
7:52 أما بقية أصحابه
7:54 فاستسلموا لآسريهم
7:56 فما لبثوا أن غدروا بهم شر غدرة
7:59 لم يكن الهذليون في بادئ الأمر
8:03 يعلمون أن عاصم بن ثابت
8:05 هو أحد قتلاهم
8:07 فلما عرفوا ذلك
8:09 فرحوا به أشد الفرح
8:11 ومنوا أنفسهم بجزيل العطاء
8:14 ولا غروا
8:16 ألم تكن سلافة بنت سعد
8:18 قد نذرت إن هي ظفرت
8:20 بعاصم بن ثابت
8:22 أن تشرب في قحف رأسه الخمر
8:24 ألم تكن قد جعلت لمن يأتيها به
8:27 حيا أو ميتا
8:28 ما يشاء من المال
8:30 لم يمضي على مصرع عاصم بن ثابت
8:33 بضع ساعات
8:35 حتى علمت قريش بمقتله
8:37 فقد كانته ذيل تقيم
8:39 قريبا من مكة
8:41 فأرسل زعماء قريش
8:43 رسولا من عندهم إلى قتلت عاصم
8:46 يطلبون منهم رأسهم
8:48 ليطفئوا بها غلة سلافة بنت سعد
8:51 ويبر قسمها
8:53 ويخففوا بعض أحزانها
8:55 على أولادها الثلاثة
8:57 الذين صرعهم عاصم بيده
9:00 وحملوا الرسول مالا وفيرا
9:03 وأمروه أن يبذله للهذليين بسخاء
9:06 لقاء رأس عاصم
9:08 قام الهذليون إلى جسد عاصم بن ثابت
9:12 ليفصلوا عنه رأسه
9:14 ففوجئوا بأسراب النحل
9:16 وجماعات الزنابير قد حطت عليه
9:18 وأحاطت به من كل جانب
9:21 فكانوا كلما راموا اقتراب من جثته
9:24 طارت في وجوههم
9:26 ولدغتهم في عيونهم وجباههم
9:29 وكل موضع في أجسادهم
9:31 وذادتهم عنه
9:33 فلما يأسوا من الوصول إليه
9:35 بعد أن حاولوا ذلك الكرة تتلو الكرة
9:39 قال بعضهم لبعض
9:41 دعوه حتى يجن عليه الليل
9:44 فإن الزنابير إذا حل الظلام
9:47 جلت عنه وخلته لكم
9:49 ثم جلسوا ينتظرون غير بعيد
9:52 لكنه ما كاد ينصرم النهار ويقبل الليل
9:56 حتى تلبدت السماء بالغيوم الكثيفة الدكن
10:00 وأرعد الجو أزبد
10:03 وانهمر المطر همارا
10:05 لم يشهد له المعمرون مثيلا
10:08 منذ وجدوا على تلك الأرض
10:10 وسرعان ما سالت الشعاب
10:13 وامتلأت البطاح وغمرة الأودية
10:16 واكتسح المنطقة سيل كسيل العرم
10:19 فلما انبلج الصبح
10:21 قامته ذيل تبحث عن جسد عاصم في كل مكان
10:25 فلم تقف له على أثر
10:28 ذلك أن السيل أخذه بعيدا بعيدا
10:32 ومضى به إلى حيث لا يعلمون
10:36 فلقد استجاب الله جل وعز
10:38 دعوة عاصم بن ثابت
10:40 فحما جسده الطاهر من أن يمثل به
10:44 وصان رأسه الكريمة من أن يشرب في قحفها الخمر
10:50 ولم يجعل المشركين على المؤمنين سبيلا
10:54 من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم بن ثابت
11:01 محمد بن عبدالله