ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 48 من 54
صور من حياة الصحابة - الحلقة (100) - العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه - الجزء الثاني
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
العلاء بن الحضربي رضي الله عنك
0:51
امتقل كمات الغزاة من طلاب الشهادة متون إبلهم
0:55
واستأنفوا نضالهم المريرة مع صحراء الدهناء في الربع الخالي
1:00
حتى قهروا بإذن الله وفي سبيله رمالها المحرقة
1:05
وذللوا مفاوزها المهلكة
1:07
وروعوا وحشها الضاري
1:09
وجعلوها تشكوا من وقع خطاهم أكثر مما شكوا منها
1:14
وكانوا كلما أوشكوا أن يمسهم الونا
1:18
برز لهم قائدهم العبقري الفذ العلاء بن الحضربي
1:23
فسكب في أفئدتهم من روحه ما يترعها عزيمة وتصميم
1:28
وأفرغ فيها من حزمه وعزمه ما يشعلها حمية وإقدام
1:34
وذكرهم بفضل الله عليهم ورحمته بهم في صحراء الدهناء
1:39
فزادهم على إيمانهم إيمانا
1:42
وما زال الجيش المؤمن يواصل كلال الليل بكلال النهار
1:47
حتى بلغ البحرين وعسكر في ضواحيها
1:51
لم يضع القائد الملهم لحظة من وقته
1:55
فبث عيونه في كل مكان ليتسقطوا له الأخبار
1:59
ويستقصوا له الأحوال
2:01
فعرف أنه ما كاد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
2:06
يلحق بجوار ربه حتى هب دعاة السوء يقولون
2:11
لو كان محمد نبي لما مات
2:14
فارتد أهل البحرين جميعا عن دينهم
2:18
وأسلموا قيادتهم للحطم بن ظبيعة
2:21
ولم يبق منهم أحد على الإسلام
2:24
إلا أهل قرية واحدة هي قرية جواثا
2:29
وكان من خبر هذه القرية المؤمنة
2:32
أنه كان فيها رجل من أخيال صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام
2:37
هو الجارود بن المعلى
2:40
فقد وفد على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم
2:44
ونهل من هديه ما شاء الله أن ينهل
2:48
ثم عاد إلى قومه
2:50
وأقام فيهم يدعوهم إلى الله عز وجل
2:53
ويفقههم بدينه القويم
2:56
فلما رأى قومه قد جنحوا إلى الارتداد مع المرتدين
3:00
جمعهم وقال
3:02
يا قوم
3:03
إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتموه
3:07
فقالوا سل
3:09
قال
3:10
أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد
3:14
قالوا نعم
3:16
قال
3:17
فأين هم
3:18
قالوا
3:19
ماتوا
3:20
قال
3:21
فإن محمدا صلى الله عليه وسلم
3:24
مات كما ماتوا
3:26
وإني أشهد أن لا إله إلا الله
3:29
وأن محمدا رسول الله
3:31
وأن الله حي لا يموت
3:34
فقالوا
3:35
أنت أفضلنا وأعقلنا وسيدنا
3:39
وما قلت إلا حقا
3:41
ثم ثبتوا على الإسلام
3:43
مخالفين في ذلك بني قومهم جميعا
3:47
عند ذلك حاصرهم الحطم بجنوده
3:50
وأحكم عليهم الطوق
3:52
ومنع عنهم القوت
3:54
وتركهم ليموتوا جوعا من غير حرب ولا قتال
3:58
فلم يثنهم ذلك الحصار الشديد عن إيمانهم
4:02
وقال شاعرهم
4:04
يستنجد بالصديق رضوان الله عليه على البعد
4:08
ألا أبلغ أبا بكر شكاة
4:11
وفتيان المدينة أجمعنا
4:14
فهل لكم إلى قوم كرام
4:17
قعود في جواة محصرين
4:20
توكلنا على الرحمن إنا
4:23
وجدنا الصبر للمتوكلين
4:26
ما كاد يصل العلاء ابن الحضرمي إلى البحرين
4:30
حتى أرسل رسولا متخفيا من قبله إلى جواثا
4:34
وأمره أن يخبر الجارود بقدوم جيش المسلمين
4:38
وأن يشد من عزيمته وعزيمة قومه
4:42
وأن يطلب منهم الاستعداد للحظة الحاسمة
4:45
حين يقرر المسلمون الوثوب على عدوهم
4:49
أدرك العلاء ابن الحضرمي أنه لا طاقة له
4:53
بقتال الحطم ورجاله
4:55
وذلك لكثرتهم وقلة جيشه
4:58
وقوتهم وضعفه
5:00
ووفرة عدتهم وعتادهم وشح موارده
5:04
فاحتفر لجيشه خندقا يتترس به
5:08
وكذلك فعل الحطم
5:10
لأن خوفه من المسلمين
5:12
لم يكن بأقل من خوف المسلمين منه
5:16
تدرع القائد المسلم المحنك بالصبر
5:19
واتخذ الحيطة والحذر
5:22
وظل الفريقان شهرا كاملا يتداولان
5:25
القتال الخفيف في النهار
5:27
ويعودان إلى خنادقهما في الليل
5:30
وقد كان العلاء خلال ذلك مرهف السمع
5:34
حديد البصر
5:36
مشدود الانتباه لكل ما يجري وراء خنادق العدو
5:40
ترقبا للفرصة التي تتيح له
5:43
حيث انقضاض على عدوه في غفلة من غفلاته
5:47
وفي ذات ليلة
5:49
سمع الطلائع المسلمين وعيونه
5:52
هرجا ومرجا في معسكر العدو
5:55
ورأت على البعد حركة غير مألوفة
5:58
فقال العلاء لرجاله
6:00
من يأتينا بخبر القوم
6:02
فقام إليه رجل يدعى عبدالله بن حذف
6:06
وقال
6:07
أنا آتيك بخبرهم أيها الأمير
6:10
فندبه لذلك الأمر
6:12
وحذره وأوصاه
6:14
واستودعه الله
6:16
مضى عبدالله بن حذف نحو خنادق العدو
6:19
مستترا بجنح الظلام
6:21
واجتاز الخنادق في خفة وحذر
6:24
فلما غدى داخل معسكرهم
6:27
نذروا به وقبضوا عليه
6:29
عند ذلك
6:31
جعل يستصرخ مستغيثا وينادي
6:33
يا أبجراه يا أبجراه
6:36
والأبجر الذي استغاث به
6:38
رجل من بني عجل
6:40
مرموق المكانة في جيش الحطم
6:43
وكانت أم عبدالله عجلي
6:46
فجاءه الأبجر وسأله عن نسبه
6:49
فانتسب له وقال له
6:51
إنكم أخوالي
6:53
فعرفه وأجاره
6:55
واستفسر منه عن أمره
6:57
فقال
6:58
لقد ضللت طريقي
7:00
ونزلت بين جنودكم
7:02
فأخذوني أسيرا
7:04
فقال له الأبجر
7:06
والله إني لأظنك
7:09
جاء أخواله
7:12
فقال له عبدالله
7:14
دعنا من هذا
7:15
وأطعمني فقد قتلني الجوع
7:18
فقد دم له طعاما
7:20
فجعل يأكله في أنات ومهل
7:23
ليتعرف على أحوال القوم
7:25
ويقف على خفايا أخبارهم
7:28
فلما تحقق له ما أراد قال
7:31
زودني وحملني
7:33
وأجزني حتى أبلغ معسكر قومي
7:36
فزوده وحمله على دابة
7:39
وبعث معه من أجازه حتى بلغ مأمنه
7:43
فلما وصل إلى معسكر المسلمين
7:46
أخبر العلاء بأن القوم يحتفلون
7:49
بمناسبة من مناسباتهم
7:51
وأنهم قد نثروا دنان الخمور في كل مكان
7:55
وأقبلوا عليها يعبون منها عبا
7:58
حتى غلب عليهم السكر
8:01
فغدوا بين نائم وواجم
8:03
ومعربد لا يدري ما يفعل
8:06
وأن صاحبه العجلي كان من الفريق الأخير
8:10
لم يضيع العلاء دقيقة من الوقت سدى
8:14
فأرسل إلى الجارود من يأمره بالهجوم
8:17
على الأعداء من الخلف
8:19
وانطلق هو بجيشه نحوهم من الأمام
8:22
انطلاق السهام في غبش الظلام
8:25
واقتحم على الجيش المخمور
8:27
خنادقه المنيعة من كل صوف
8:30
وأعمل السيوف في رقاب جند العدو من غير هوادة
8:35
فانجلت المعركة عن شر مستطير للجيش المرتد
8:39
وقائده الحطم
8:41
أما قائد الجيش
8:43
فكان نائما حين نزل المسلمون على معسكره نزول الصاعقة
8:48
فلم يوقظه من غيبوبته
8:50
إلا صليل السيوف وطعن الرماح
8:53
وأصوات التهليل والتكبير
8:55
فهب مذعورا وامتطى صهوة جواده
8:59
لكنه ما لبث أن انقطع ركاب سرجه
9:02
فجعل ينادي
9:04
أنا الحطم من يصلح لي ركابي
9:07
فأقبل عليه أحد جنود المسلمين وقال له
9:11
إرفع رجلك أيها الأمير لأصلحه لك
9:14
فلما رفع رجله
9:16
أهوى عليه بسيفه فبترها عن جسده بترا
9:20
فسقط على الأرض والدماء تنزف منه
9:24
والآلام تكوي كبده كيا
9:27
عند ذلك جعل يسأل كل من يمر به أن يجهز عليه
9:32
ليتخلص من آلامه
9:34
ولينجو من وقع أقدام المنهزمين التي تمر فوقه
9:38
وظل على حاله هذه
9:40
حتى قتله أحد جنود المسلمين
9:43
وهو لا يعرف من حقيقته شيئا
9:46
وأما الجيش
9:48
فقد حلت به هزيمة ماحقة نكرى
9:52
ففريق سقط قتيلا في خنادقه التي احتفرها بيديه
9:56
فغدت قبورا له
9:58
وفريق وقع آسيرا في أيدي المسلمين
10:01
إلا أن جمهرة الجيش الكبرى
10:04
لاذت بالسفن الراسية على الشواطئ
10:07
وولت الأدبار هاربة إلى جزيرة دارين
10:11
لقد حرر العلاء بن الحضرمي البحرين
10:15
وأعادها إلى حوزة الإسلام
10:17
ولكن أتظن أن في وسع بطل مجاهد مثله أن يطمئن له جنب
10:24
أو يغمض له جفن
10:26
مادام المرتدون يسرحون ويمرحون قريبا منه
10:30
متحصنين بجزيرة دارين