صور من حياة الصحابة - الحلقة (99) - العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه - الجزء الأول

◉ 0 مشاهدة ⏱ 11:16 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:17 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21 لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:30 العلاء ابن الحضربي رضي الله عنه
0:51 غفت المدينة المحزونة الثكلا على جراحها في تلك الليلة
0:56 فقد فقدت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
1:01 أشد ما تكون تعلقا به وحاجة إليه
1:05 غير أن خليفة المسلمين أبا بكر الصديق لم يذق للنوم طعما
1:11 فكأنما حشي مهاده بالشوك أو كحلت عيناه بالجمر
1:17 وكيف تطمئن للصديق نفس
1:20 وجل العرب قد خرجوا من دين الله أفواجا وارتدوا عن الإسلام
1:26 وكيف يغمض له جفن
1:28 ودولة الرسول صلى الله عليه وسلم الكبرى
1:32 التي شيدت خلال ثلاثة وعشرين عاما بالجهد والجهاد
1:37 وبنيت بالأحزان والأشجان
1:40 حتى شملت الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها قد انكمشت اليوم
1:47 فأصبحت محصورة في مثلث صغير
1:51 رأسه في المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية
1:56 وقاعدته تمتد بين مكة والطائف
2:00 ولقد جيش الصديق من هذه القلة القليلة الباقية معه على الإيمان عشرة جيوش
2:07 واختار لها عشرة من القادة الأفذاذ
2:11 الذين توفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه وهو عنه مراض
2:17 ودفع بهم في كل اتجاه لقتال المرتدين
2:21 وكان أشد ما يؤرقه في تلك الليلة
2:24 اختيار القائد الحادي عشرة للجيش الذي سيوجهه إلى قتال المرتدين في البحرين
2:31 وما تلاها من بلاد جنوب الجزيرة العربية
2:35 فقد كانت مهمة هذا الجيش محفوفة بالمخاطر
2:39 وكان طريقه مفروشا بالشوك والعذاب
2:43 وظل الصديق رضوان الله عليه يتقلب على مهاده
2:48 حتى شق سكون الليل بلال بن رباح بصوته الشجي الندي
2:53 فدمعت عين الصديق عند سماع صوت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:00 ولمعت في الوقت نفسه في ذهنه فكرة
3:04 أضاءت له السبيل إلى اختيار القائد المنشود
3:08 فانبسطت أساريره السمحة
3:11 ولاحت على وجهه الرقيق النبي للمحزون
3:15 غلالة شفافة من الرضا والطمأنينة
3:19 ولما قضيت المكتوبة دعا بالقرطاس والدوات وكتب
3:24 بسم الله الرحمن الرحيم
3:27 هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:33 للعلا ابن الحضرمي
3:35 حين بعثه لقتال المرتدين في البحرين وما جاورها
3:40 وعهد إليه بأن يتق الله ما استطاع في سره وفي جهره
3:45 وأمره بالجد في أمر الله
3:48 ومجاهدة من تولى عن دينه
3:50 ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان
3:54 لقي اختيار العلا ابن الحضرمي
3:57 قائدا للجيش المتجه إلى قتال المرتدين في البحرين
4:01 ارتياحا كبيرا لدى وجوه المسلمين
4:04 فالعلا صحابي قديم الصحبة
4:08 وثيق الصلة بالرسول صلوات الله وسلامه عليه
4:12 وأحد كتاب الوحي والمؤتمانين عليه
4:15 زد على ذلك أنه هو الذي أدخل الإسلام إلى البحرين
4:20 دون أن يريق قطرة دم أو يصيب أحدا بكلم
4:24 وذلك حين بعثه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
4:29 إلى المنذر ابن ساوى
4:31 برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام
4:34 فما زار يتلطف به
4:36 ويتوخى الحكمة في عرض الإسلام عليه
4:39 حتى أعلن إسلامه هو وقومه
4:43 فآقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ملكه
4:47 وولل على ابن الحضرمي على الصدقات
4:50 وأمره أن يأخذ الزكاة من الأغنياء
4:53 وأن يضعها في الفقراء
4:55 وظل العلاء في عمله هذا
4:58 إلى أن توفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه
5:02 ولحق به الملك المنذر ابن ساوى في نفس الشهر
5:06 عليه رحمة الله
5:08 لم يكن أمام العلاء ابن الحضرمي
5:12 وجيشه الغازي في سبيل الله
5:14 من طريق يسلكونه إلى البحرين
5:17 سوى صحراء الدهناء
5:19 تلك الصحراء التي كانت مخوفة آنذاك
5:23 وما تزال مخوفة إلى اليوم
5:26 والتي تعرف الآن بالربع الخالي
5:29 فمضى الجيش المؤمن المبارك يطوي المفاوز طيا
5:33 وهو في حرب ضروس مع الرياح السافيات
5:37 ونضال مرير مع الرمال العاتيات
5:40 وصراع رهيب مع الطبيعة القاسية
5:44 حيث لا ماء ولا شجر ولا حياة
5:47 وفيما كان القوم على حالهم هذه
5:50 نزل بهم ما لم يقع في حسبان حاسب
5:54 أو يرق إليه خيال متخيل
5:57 ففي مساء ليلة ضريرة النجم
6:00 حالكة الجلباب
6:02 نزل الجيش عن جماله طلبا للراحة
6:05 وترقبا لانبلاج الفجر المبصر
6:08 إذ لم يكن في وسعهم أن يمشوا في الليل
6:11 خوفا من الضياع في هذه الصحاري
6:14 التي لم تخطط بها قدم طريقا
6:17 ولو خطته لأتت عليه
6:20 الرمال السافيات في بضع لحظات
6:23 فما كادوا يستقرون على الأرض
6:26 حتى هب جمل من جمالهم مذعورا
6:29 لسبب لم يعرفوه
6:31 وانطلق يعدو كالمجنون
6:33 في تلك الفياف المظلمة
6:36 فاستثيرت لذعره الجمال الأخرى جميعها
6:39 واندفع التجري وراءه
6:41 كأنما ركبها ألف عفريت
6:44 أو لدغ كل منها ألف ثعبان
6:47 وقد حاول الرجال الأشداء
6:50 أنضاء الصحراء
6:52 أن يوقفوا هذه الحيوانات
6:54 الهائجة المائجة
6:56 أو يلحقوا بها
6:58 لكنهم ما لبثوا أن أضلوها وأضلتهم
7:01 وابتلعتها الصحراء
7:03 وفي لحظات قليلات
7:05 وجد الجيش نفسه في تلك المفاوز المهلكة
7:09 بغير ماء ولا زاد
7:11 ولا راحلة ولا أمل
7:14 لك أن تتصور أيها المستمع الكريم
7:17 ما دهم نفوسهم من كرب
7:20 ولك أن تتخيل ما صدع أفئدتهم من قطب
7:24 ولك أن تطلق العنان لخيالك المجنح
7:27 لترى ما الذي كان يعترج في أغوار تلك الصدور
7:31 لقد أيقنوا أنهم هالكون لا محالة
7:35 وأن هذه الصحراء
7:37 ستطويهم في جوفها الكبير
7:39 كما يطوي البحر المحيط في أحشائه حفنة من الرمال
7:44 وأنهم سيبقون سرا من أسرار هذه المفاوز الرهيبة
7:49 لن تبوح به لأحد
7:51 وجعل بعضهم يوصي بعضا
7:54 وهم على يقين بأنه لن يخرج من بين فكي هذه المهلكة أحد سالما
8:00 ولكنها سنة الحياة
8:03 عند ذلك أقبل القائد الملهم
8:07 تلميذ المدرسة المحمدية الفذة الفريدة على جنده
8:12 وقال لهم في لهجة المطمئن الواثق
8:15 ما هذا الذي غلب عليكم من الجزع والهلع والهم
8:20 فقالوا ما بالك تلومنا
8:23 ونحن إن بقينا إلى غد وأسلمنا الليل إلى النهار
8:27 فإن الشمس لا تلبث أن تهلكنا عطشا
8:31 قبل أن يرتفع قرصها إلى قبة الفلك
8:34 فقال لهم إني لعلى ثقة بأنكم لن تصابوا بضر أبدا
8:41 فأنتم المسلمون لله المؤمنون به
8:45 في سبيله خرجتم
8:47 وانتصارا لدينه نهظتم
8:49 فأبشروا بفرج من عنده
8:52 ووالله إنكم لن تخذلوا
8:55 ولن تصابوا بما يسوءكم
8:58 وإن فرج الله أقرب إليكم مما تظنون
9:02 نزلت كلمات القائد المؤمن في أفئدة رجاله
9:06 منزلة الماء العذب البرود من ذلغلة الصادي
9:11 فسكنت نفوسهم واطمأنت قلوبهم
9:15 وأسلموا أعينهم إلى الكرى
9:18 ولما انبلج الفجر تيمموا صعيدا طيبا
9:22 ووقفوا بين يدي ربهم خاشعين مخبطين
9:26 فلما انتهت الصلاة استدار العلاء بوجهه نحوهم
9:31 ورفع كفيه نحو السماء
9:34 وجعل يدعو الله عز وجل بقلب ضارع
9:38 وطرف دامع ونفس مؤملة راجئة
9:42 وهم يدعون بدعائه ويؤمنون على رجائه
9:46 فلم يفرغ من نجواه لربه حتى لاح لهم الماء من بعيد
9:51 وجعلت صفحته الفضية تلتمع تحت تباشير الصباح
9:56 فحسبه الجند أول الأمر سرابا
10:00 كذلك الذي يراه المرء في الصحراء
10:03 فلما أقبلوا عليه وجدوه ماء
10:06 فجعلوا يهللون ويكبرون
10:09 وطفقوا يشربون ويغتسلون
10:12 ولبثوا عنده ينتظرون بقية فرج الله
10:16 وما كاد ينتصف النهار
10:19 حتى رأوا من بعيد أشباحا تتجه نحوهم
10:23 فحددوا نحوها النظر
10:25 فإذا هيتدنوا منهم شيئا فشيئا
10:28 وما هو إلا قليل
10:30 حتى أيقنوا أنها جمالهم تسعى إليهم
10:34 وكأن حاديا يسوقها نحوهم سوقا
10:38 ومن خلال دموع الفرح بفرج الله عز وجل
10:41 والأمل بنصره
10:43 رأى وعيرهم تقبلوا جميعا على الماء
10:46 كما ذهبت جميعا
10:48 وعليها أقطابها وأحلاسها
10:51 والمأونة والزاد