ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 11 من 72
صور من حياة الصحابة - الحلقة (29) - عمير بن سعد رضي الله عنه - في كبره
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
عمير بن سعد رضي الله عنه
0:47
وقفنا آنفا على صورة فذة وضيأ
0:50
من حياة الصحابي الجليل عمير بن سعد في صغاره
0:54
فتعالوا نقف الآن على صورة رائعة مشرقة
0:59
من حياته في كبره
1:01
وستجدون أن صورة الثانية
1:04
لن تقل عن الأولى جلالا وبهاء
1:08
كان أهل حمص شديد التذمر من ولاتهم
1:13
كثير الشكوى منهم
1:15
فما جاءهم من وال
1:17
إلا وجدوا فيه عيوبا
1:19
وأحصوا له ذنوبا
1:21
ورفعوا أمره إلى خليفة المسلمين
1:24
وتمنوا عليه أن يبدلهم به من هو خير منه
1:28
فعزم الفاروق رضوان الله عليه
1:31
أن يبعث إليهم بوال لا يجدون فيه مطعنا
1:35
ولا يرون في سيرته مغمزا
1:38
فنثر كنانة رجاله بين يديه
1:41
وعجم عيدانها عودا عودا
1:44
فلم يجد خيرا من عمير بن سعد
1:47
وعلى الرغم من أن عميرا كان إذاك
1:51
يضرب في أرض الجزيرة من بلاد الشام
1:54
على رأس جيشه الغاز في سبيل الله
1:57
فيحرر المدن ويدك المعاقل
2:00
ويخضع القبائل
2:03
ويقيم المساجد في كل أرض وطئتها قدما
2:07
على الرغم من ذلك
2:09
فقد دعاه أمير المؤمنين
2:11
وعهد إليه بولاية حمص
2:14
وأمره بالتوجه إليها
2:16
فأذعن للأمر على كرهم منه
2:19
لأنه كان لا يؤثر شيئا على الجهاد في سبيل الله
2:24
بلغ عمير حمص
2:26
فدع الناس إلى صلاة جامعة
2:29
ولما قضيت الصلاة خطب الناس
2:32
فحمد الله وأثنى عليه
2:34
وصلى على نبيه محمد ثم قال
2:38
أيها الناس
2:40
إن الإسلام حصن منيع وباب وثيق
2:44
وحصن الإسلام العدل وبابه الحق
2:49
فإذا دك الحصن وحطم الباب
2:52
استبيح حما هذا الدين
2:55
وإن الإسلام ما يزال منيعا
2:58
ما اشتد السلطان
3:00
وليست شدة السلطان ضربا بالسوق
3:03
ولا قتلا بالسيف
3:05
ولكن قضاء بالعدل وأخذا بالحق
3:09
ثم انصرف إلى عمله
3:11
لينفذ مختطه لهم من دستور
3:14
في خطبته القصيرة
3:16
قضى عمير بن سعد حولا كاملا في حمص
3:20
لم يكتب خلاله لأمير المؤمنين كتابا
3:23
ولم يبعث إلى بيت مال المسلمين
3:26
من الفيئ درهما ولا دي نارا
3:28
فأخذت الشكوك تساور عمر
3:31
إذ كان شديد الخشية على ولاته
3:34
من فتنة الإمارة
3:36
فلا معصوم عنده غير رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:41
فقال لكاتبه
3:43
أكتب إلى عمير بن سعد
3:45
وقل له
3:46
إذا جاءك كتاب أمير المؤمنين
3:49
فدع حمص وأقبل عليه
3:52
وحمل معك ما جبيت من فيئ المسلمين
3:56
تلقى عمير بن سعد كتاب عمر رضي الله عنه وعن عمير
4:01
فأخذ جراب زاده
4:03
وحمل على عاتقه قصعته وويعى وضوءه
4:07
وأمسك بيده حربته
4:09
وخلف حمص وإمارتها وراءه
4:13
وانطلق يحث الخطى مشيا على قدميه إلى المدينة
4:17
فما كاد يبلغ عمير للمدينة
4:20
حتى كان قد شحب لونه
4:23
وهزل جسمه وطال شعره
4:26
وظهرت عليه وعثاء السفر
4:29
دخل عمير على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
4:33
فدهش الفاروق من حالته وقال
4:36
ما بك يا عمير
4:38
فقال
4:39
ما بي من شيء يا أمير المؤمنين
4:42
فأنا صحيح معافى بحمد الله
4:45
أحمل مع الدنيا كلها
4:48
وأجرها من قرنيها
4:50
فقال
4:51
وما معك من الدنيا
4:54
وهو يظن أنه يحمل مالا لبيت مال المسلمين
4:58
فقال
4:59
معي جرابي
5:01
وقد وضعت فيه زادي
5:03
ومعي قصعتي
5:05
آكل فيها وأغسل عليها رأسي وثيابي
5:09
ومعي قربة لوضوء وشرابي
5:12
ثم إن الدنيا كلها يا أمير المؤمنين
5:16
لبع لمتاعي هذا
5:18
وفضلة لا حاجة لي ولا لأحد غيري فيها
5:22
فقال عمر
5:24
وهل جئت ما شيا
5:26
قال
5:27
نعم يا أمير المؤمنين
5:29
فقال
5:30
أما أعطيت من الإمارة دابة تركبها
5:34
فقال
5:35
هم لم يعطوني
5:37
وأنا لم أطلب منهم
5:39
فقال
5:40
وأينما أتيت به لبيت المال
5:43
فقال
5:44
لم آتي بشي
5:46
فقال ولم
5:48
فقال
5:49
لما وصلت إلى حمص
5:51
جمعت صلحاء أهلها
5:53
ووليتهم جمع فيئهم
5:56
فكانوا كلما جمعوا شيئا منه
5:59
استشرتهم في أمره
6:01
ووضعته في مواضعه
6:03
وأنفقته على المستحقين منهم
6:06
فقال عمر لكاتبه
6:08
جدد عهدا لعمير على ولاية حمص
6:12
فقال عمر
6:14
هيهات
6:15
فإن ذلك شيء لا أريده
6:18
ولن أعمل لك ولا لأحد بعدك يا أمير المؤمنين
6:22
ثم استأذنه بالذهاب إلى قرية في ضواح المدينة
6:27
يقيم بها أهله
6:29
فأذن له
6:30
لم يمضي على ذهاب عمر إلى قريته وقت طويل
6:34
حتى أراد عمر أن يختبر صاحبه
6:38
وأن يستوثق من أمره
6:40
فقال لواحد من ثقاته يدعى الحارث
6:44
انطلق يا حارث إلى عمير بن سعد
6:47
وانزل به كأنك ضيف
6:49
فإن رأيت عليه آثار نعمة
6:52
فعد كما أتيت
6:54
وإن وجدت حالا شديدة
6:56
فأعطيه هذه الدنانير
6:58
وناوله صرة فيها مئة دينار
7:02
انطلق الحارث حتى بلغ قرية عمير بن سعد
7:06
فسأل عنه فدل عليه
7:09
فلما لقيه قال
7:11
السلام عليك ورحمة الله
7:13
فقال
7:15
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته
7:18
من أين قدمت
7:20
فقال
7:21
من المدينة
7:23
فقال
7:24
كيف تركت المسلمين
7:26
فقال بخير
7:28
فقال
7:29
كيف أمير المؤمنين
7:31
فقال
7:33
صحيح صالح
7:35
فقال
7:36
أليس يقيم الحدود
7:38
فقال بلى
7:39
ولقد ضرب ابن له لفاحشة أتاها
7:42
فمات من الضرب
7:44
فقال
7:45
اللهم أعن عمر
7:47
فإني لا أعلمه
7:49
إلا شديد الحب لك
7:51
أقام الحارث في ضيافة عمير بن سعد
7:54
ثلاث ليال
7:56
فكان يخرج له في كل ليلة
7:58
قرصا من الشعير
8:00
فلما كان اليوم الثالث
8:02
قال للحارث رجل من القوم
8:05
لقد أجهدت عميرا وأهله
8:08
فليس لهم إلا هذا القرص الذي يؤثرونك به على أنفسهم
8:13
وقد أضر بهم الجوع والجهد
8:16
فإن رأيت أن تتحول عنهم إلي
8:19
فافعل
8:20
عند ذلك
8:21
أخرج الحارث الدنانير
8:23
ودفعها إلى عمير
8:26
فقال عمير
8:27
ما هذه
8:29
فقال الحارث
8:30
بعث بها إليك أمير المؤمنين
8:33
فقال
8:34
ردها إليه
8:36
وقرأ عليه السلام
8:38
وقل له
8:39
لا حاجة لعمير بها
8:42
فصاحت امرأته
8:43
وكانت تسمع ما يدور بين زوجها وضيفه
8:47
وقالت
8:48
خذها يا عمير
8:50
فإن احتجت إليها أنفقتها
8:53
وإلا وضعتها في مواضعها
8:56
فالمحتاجون هنا كثير
8:59
فلما سمع الحارث قولها
9:02
القد نانير بين يدي عمير وانصرف
9:05
فأخذها عمير
9:08
وجعلها في صرار صغيرة
9:11
ولم يبت ليلته تلك
9:13
إلا بعد أن وزعها بين ذوي الحاجات
9:16
وخص منهم أبنها الشهداء
9:19
عاد الحارث إلى المدينة
9:21
فقال له عمر
9:23
ما رأيت يا حارث
9:25
فقال
9:26
حالا شديدة يا أمير المؤمنين
9:30
فقال
9:31
أدفعت إليه الدنانير
9:33
فقال نعم يا أمير المؤمنين
9:36
فقال
9:37
وما صنع بها
9:39
فقال
9:40
لا أدري
9:42
وما أظنه يبقي لنفسه منها درهما واحدة
9:46
فكتب الفاروق إلى عمير يقول
9:49
إذا جاءك كتابي هذا
9:52
فلا تضعه من يدك حتى تقبل علي
9:56
توجه عمير بن سعد إلى المدينة
9:59
فدخل على أمير المؤمنين
10:01
فحياه عمر ورحب به وأدنى مجلسة
10:05
ثم قال له
10:07
ما صنعت بدنانير يا عمير
10:09
فقال
10:10
وما عليك منها يا عمر
10:13
بعد أن خرجت لي عنها
10:15
فقال
10:16
عزمت عليك أن تخبرني بما صنعت بها
10:20
فقال
10:21
ادخرتها لنفسي
10:23
لأن تفع بها في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون
10:28
فدمعت عينا عمر
10:30
وقال
10:31
أشهد أنك من الذين يؤثرون على أنفسهم
10:35
ولو كانت بهم خصاصة
10:38
ثم أمر له بوسق من طعام وثوبين
10:42
فقال
10:43
أما الطعام
10:45
فلا حاجة لنا به يا أمير المؤمنين
10:48
فقد تركت عند أهلي صاعين من شعير
10:52
وإلى أن أكلهما
10:54
يكون الله عز وجل قد جاءنا بالرزق
10:57
وأما الثوبان
10:59
فآخذهما لأم فلان
11:01
يعني زوجته
11:03
فقد بلي ثوبها وكاد التعرى
11:06
لم يمضي طويل وقت على ذلك اللقاء بين الفاروق وصاحبه
11:11
حتى أذن الله لعمير بن سعد
11:14
بأن يلحق بنبيه وقرة عينه
11:17
محمد بن عبد الله
11:19
بعد أن طالت أشواقه إلى لقائه
11:23
فمضى عمير في طريق الآخرة وادع النفس
11:27
واثق الخطو
11:29
لا يثقر كاهله شيء من أحمال الدنيا
11:32
ولا يؤد ظهره عبء من أثقالها
11:36
مضى
11:37
ليس معه إلا نوره وهداه
11:40
وورعه وتقاه
11:42
فلما بلغ الفاروق نعيه
11:45
وشح الحزن وجهه
11:47
واعتصر الأساف آدة
11:49
وقال
11:51
وددت أن لي رجالا مثل عمير بن سعد
11:55
أستعين بهم في أعمال المسلمين
11:58
رضي الله عن عمير بن سعد وأرضاه
12:02
فقد كان نمطا فريدا بين الرجال
12:05
وتلميذا متفوقا في مدرسة محمد بن عبد الله
12:10
عمير بن سعد نسيج وحده
12:16
عمر بن الخطاب
12:24
واسعفني أفض
12:26
في مدحهم هل يمزي