ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 81 من 82
صور من حياة الصحابة - الحلقة (106) - المقداد بن عمرو رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
المقداد بن عمر رضي الله عنه
0:46
أصاب عمر بن ثعلبة دما في قومه
0:53
فكان لابد له من أن يغادر مواطن قبيلته بهرا
0:58
أو يعرض نفسه للثأر
1:00
فآثر الأولى على الثانية
1:03
وولى هاربا إلى حضر موت
1:05
واتخذ لنفسه فيها مقاما
1:08
ثم ما لبث أن تزوج من أهل حضر موت
1:11
وورد له صبي دعاه المقداد
1:15
ورث المقداد عن أبيه جل صفاته الخلقية والخلقية
1:20
فكان طويلا بائن الطول
1:22
أسمر شديد السمرة
1:24
حتى ليصح أن ينعت بأنه أسود
1:28
جسيما يملأ وعين رائيه مهابة وروعة
1:32
وكان إلى ذلك شديد الشكيمة قوية العزيمة
1:37
ممتلئا حمية ومروعة وحدة
1:40
وفي ذات يوم
1:43
اختصم المقداد بن عمر مع سيد من سادات القوم في حضر موت
1:48
هو أبو شمر بن حجر
1:50
فندت من الشيخ الحضرمي كلمة قاسية
1:54
جرحت كبرياء الفتى وأثارت حفيظته
1:58
فامتشق حسامه وأهوى به على الشيخ الحضرمي
2:02
فبتر ساقه
2:04
عند ذلك وجد المقداد أن عليه أن يجلو عن حضر موت
2:09
كما جلأ أبوه من قبله عن ديار قبيلته بهراء
2:13
فولا وجهه شطر مكة
2:16
أدرك المقداد بن عمر منذ وطئات أقدامه مكة
2:20
أنه ليس في وسع أحد أن يعيش في هذا المجتمع القرشي آمنا مطمئنا
2:26
إلا إذا كانت له قبيلة تحميه أو عصبية تمنعه
2:31
أما الغرباء أمثاله فما عليهم إلا أن يختاروا بين اثنتين
2:37
فإما أن يحالفوا سيدا من سادات القوم
2:41
فيعيشوا في كنفه ويأمنوا في حماة
2:44
وأما أن يعرضوا أنفسهم للذلة والمهانة
2:48
فحالف سيدا من سادات قريش
2:51
هو الأسود بن عبد يغوث الزهري
2:54
لكن الأسود بن عبد يغوث
2:56
ما لبث أن رأى في الفتى الحضرمي من سمات الرجولة وشمائل المروأ
3:02
وخصائل الشجاعة والنجدة
3:04
ما ملأ قلبه حبا له
3:07
فأخذه من يده ومضى به إلى مجالس قريش عند الكعبة
3:12
فلما وقف عليهم أعلن تبنيه له وقال
3:17
اشهدوا يا معشر قريش
3:19
أن هذا ابني أرثه ويرثني
3:22
فأطلق عليه الناس منذ ذلك اليوم اسم المقداد بن الأسود
3:28
وعلى الرغم من أن الإسلام قد أبطل التبني فيما بعد
3:33
فقد ظل أكثر الناس ينادونه كذلك
3:37
لكثرة ما تردد هذا الاسم على ألسنتهم
3:40
وفرط ما تداولوه بينهم
3:43
لم يكن المقداد بن عمر أو المقداد بن الأسود كما كانوا ينادونه
3:49
مرتاحا إلى ذلك المجتمع الجاهلي
3:52
الذي تراق فيه الدماء ظلما وبغيا
3:56
وتستباح فيه الحرمات عدوانا وجورا
4:00
ويستذل فيه القوي الضعيف
4:02
وتسوده العصبيات العمياء
4:05
فهو على الرغم من أن سيدا من سادات قريش قد تبناه
4:10
ما يزال في نظر القوم شريدا طريدا
4:13
لا يستطيع أن يصهر لأي منهم
4:16
لأنه في عرفهم ليس بكفء لأي بنت من بناتهم
4:21
مهما دنت منزلتها
4:24
وكان المقداد يسمع ما يدور على ألسنت الكهان
4:28
وما يرويه أحبار يهود
4:30
من أن نبيا قد أطل زمانه
4:33
سيملأ الدنيا برا وخيرا وعدلا
4:36
فيقول في نفسه عسى ولعلا
4:40
لم يمضي على ذلك غير قليل
4:43
حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم
4:47
بدين الهدى والحق
4:50
فما إن سمع به المقداد بن عمر
4:53
حتى بادر إليه ووضع يده في يديه
4:56
وشهد أن لا إله إلا الله
4:59
وأن محمدا عبده ورسوله
5:02
ثم مضى إلى مجالس قريش عند الكعبة
5:05
وأعلن إسلامه على ملئ من القوم
5:09
فكان سابع سبعة أعلنوا إسلامهم
5:12
على ظهر الأرض
5:14
لم يكن المقداد بن عمر حين توجه
5:17
إلى مجالس قريش ليعلن دخوله
5:20
في دين الله جهارا نهارا
5:22
يجهل وقع ذلك على قريش
5:25
ولم يكن يخفى عليه ما سينزلونه
5:28
به من الأذى والنكال
5:30
لكنه كان يعلم أيضا
5:33
أن دعوة كدعوة الإسلام
5:35
لا بد لها من قرابين
5:37
فعزم على أن يكون أحد شهدائها وضحاياها
5:41
صبت قريش على المقداد بن عمر
5:45
من بطشها ونكالها ما يزلزل الجبال
5:49
فلم يتزعزع ولم يتضعضع
5:52
وما كان يزيده العذاب
5:54
إلا صلابة في دينه
5:56
ورسوخا في إيمانه ويقينه
5:59
ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
6:03
لأصحابه بالهجرة إلى المدينة
6:06
أبت قريش على المقداد بن عمر
6:08
أن يغادر سجنها الكبير
6:10
فقد كان حقدها عليه
6:12
يتكاف أو مع تحديه لها
6:15
ولذا كان من أواخر المسلمين هجرة
6:19
ثم إنه لم يستطع التخلص من قريش
6:22
إلا بحيلة
6:24
فلما وصل إلى المدينة
6:26
فرح الرسول صلوات الله وسلامه عليه
6:29
بمقدمه
6:30
إذ كان يحبه حبا جما
6:33
ويقول
6:34
إن الله عز وجل أمرني بحب أربعة
6:38
وأخبرني أنه يحبهم
6:41
علي والمقداد
6:43
وأبو ذر وسلمان
6:45
قسم الرسول صلى الله عليه وسلم
6:48
المهاجرين من أصحابه عشرات
6:51
وجعل كل عشرة في بيت
6:54
فكان المقداد بن عمر من العشرة
6:56
التي سعدت بمساكنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:01
وسعدت بكريم شمائله
7:03
ولقيت من بره وعطفه الشيء الكثير
7:07
حدث المقداد قال
7:09
كنت في جملة العشرة الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:15
ليكونوا معه في بيته
7:18
وكانت لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث أعنز
7:23
يحتربونها ويوزعون لبنها بيننا
7:27
قلنا نرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه
7:32
وفي ذات ليلة جئت أنا وصاحبان لي
7:36
وكان الجوع قد نهكنا حتى أوشكنا ألا نسمع ولا نبصر
7:42
أما صاحباي فقد شربا نصيبهما وناما
7:46
وأما أنا فلم يكفيني ما شربته
7:50
وبقيت خاوي البطن لا أستطيع النوم من شدة الجوع
7:55
قال لي الشيطان ماذا عليك لو شربت هذه الجرعة التي رفعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم
8:04
فإن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إليه الأنصار
8:08
فيهدون له أمثالها إذا شاء
8:12
وما زال بي يغريني بها حتى شربتها
8:16
فلما شربتها جاءني الشيطان يندمني على ما فعلت ويقول
8:22
ماذا صنعت بنفسك
8:24
الأن يجئ محمد فلا يجد شرابة
8:27
فيدعو عليك فتهلك
8:30
وكانت الليلة باردة
8:32
وكانت علي شملة إذا وضعتها على رأسي بدت منها قدماي
8:38
وأذا غطيت بها قدمي كشف رأسي
8:42
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء في الليل
8:46
يسلم تسليما يسمع اليقضان
8:49
ولا يوقظ النائم
8:51
فما هو إلا قليل حتى جاء وسلم
8:55
ثم صلى ما شاء الله أن يصلي
8:58
وأنا أنظر إليه من تحت الشملة
9:01
ثم تفقد شرابه فلم يجده
9:04
فرفع يده
9:06
فقلت الآن يدعو علي فأهلك
9:09
لكنه قال
9:11
اللهم أطعم من أطعمني
9:13
واسق من سقاني
9:15
فقلت في نفسي
9:17
أنا أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:20
وأفوز بدعوته
9:22
فتسللت من مكاني وأخذت شفرتي
9:25
وقلت أذبح له واحدة من الأعنز
9:29
وليكن بعد ذلك ما يكون
9:32
ثم مضيت إلى الأعنز
9:34
وأخذت أجسهن لأرى أيهن أسما
9:38
فإذا ضروعهن قد حثلت باللبن
9:41
على الرغم من أنهن حلبن وشيكا
9:44
فآخذت إناءا وحلبت إحداهن
9:47
حتى امتلأ وعلته الرغوة
9:49
ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:53
فشرب
9:55
ثم ناولني فشربت
9:57
ثم ناولته فشرب
9:59
ثم ناولني فشربت
10:01
ثم ضحكت
10:03
فقال لي
10:05
إنها إحدى فعلاتك يا مقداد
10:07
ما الذي يضحك
10:09
فحدثته بما صنعت
10:11
فقال
10:13
ما كانت إلا رحمة من الله تعالى
10:16
لو كنت أيقظت صاحبيك
10:19
فأصاب من اللبن الذي شربنا منه
10:22
فقلت
10:24
والذي بعثك بالحق
10:26
ما أبالي إذا شربت منه أنت
10:28
وشربت أنا من فضلك
10:31
ألا يشرب أحد
10:33
استقر المقداد بن عمر في المدينة
10:36
ولم يكن قد تزوج بعد
10:38
فبينما هو جالس مع عبد الرحمن
10:41
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما
10:44
قال له عبد الرحمن
10:46
ما لك لا تتزوج يا مقداد
10:49
فقال المقداد
10:51
زوجني بنتك
10:53
فقال عبد الرحمن
10:54
ابنتي لا أزوجك ابنتي
10:57
وأسمعه كلمة لم ترضيه
11:00
فقام المقداد وهو يقول
11:03
أما زالت فينا بقية من جاهلية
11:06
أما سوى الإسلام بين أبنائه
11:09
وجعل أكرمهم عند الله أتقاهم
11:13
ثم مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:17
وذكر له ما كان من عبد الرحمن بن عوف
11:21
فقال له النبي عليه الصلاة والسلام
11:24
أفلا يرضيك أن تصاهر رسول الله يا مقداد
11:28
فلم يصدق المقداد أذني
11:31
وقال بلى يا رسول الله
11:34
ولكن من لي بذلك الشرف
11:37
فقال أنا لك به
11:39
وزوجه ابنة عمه
11:41
ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب
11:44
فغدا صهرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم
11:48
وحسبه بذلك مجادة وفخرا
11:51
ثم كانت بدر
11:53
حيث خرج رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
11:57
بثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه
12:01
وهم لا ينوون أن يخوضوا حربا شاملة
12:04
فلما وجد الرسول صلى الله عليه وسلم
12:08
نفسه منطرا لخوضها
12:10
كان لا بد له من أن ينال موافقة رجاله
12:14
فعرض عليهم الأمر
12:16
فقال أبو بكر وأحسن
12:18
وقال عمر وأحسن
12:21
لكن الموقف ظل يحتاج إلى كلمة حاسمة حازمة
12:26
تنهي التردد وتشد العزائم
12:29
فكان شرف هذه الكلمة للمقداد بن عمر
12:33
حيث توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
12:36
بقامته الفارعة وصوته الجهوري
12:39
وقال يا رسول الله
12:41
امضل ما أراك الله فنحن معك
12:44
والله لا نقول لك كما قالت بن إسرائيل لموسى
12:49
اذهب أنت وربك فقاتلا
12:51
إنا هاهنا قاعدون
12:53
ولكن نقول لك
12:55
اذهب أنت وربك فقاتلا
12:58
إنا معكما مقاتلون
13:01
والذي بعثك بالحق
13:03
لو سرت بنا إلى برك الغماد
13:06
لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه
13:09
فأشرق وجه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
13:13
بالفرحة
13:14
وقال له خيرا ودعى له بخير
13:18
وكان المقداد بن عمر يومئذ
13:21
المجاهد الوحيد الذي خاض بدرا على فرس
13:25
إذ كان الباقون إما مشاتا وإما على الجمال
13:29
فسجل له تاريخ الجهاد في الإسلام
13:32
أنه أول من عدا على فرس في سبيل الله
13:36
تذوق المقداد بن عمر لذة الجهاد في سبيل الله يوم بدر
13:41
فآلى على نفسه أن يظل مجاهدا لإعلاء كلمة الله
13:46
ما بقي سيفه مستمسكا بيده
13:49
وقد بر بقسمه
13:51
فقد رؤي في خلافة عثمان بن عثان رضي الله عنهما
13:56
يجلس على صندوق من صناديق الصيارفة
13:59
في أحد أسواق حمس
14:01
وقد كبرت سنه حتى قاربت على السبعين
14:04
وترهل جسده حتى فاض عن الصندوق
14:08
وكان سيفه في حجره
14:11
فقال له رجل من القوم
14:13
ما تفعل هنا يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:18
فقال أنتظر خروج الغزاة إلى الثغور لأكون معهم
14:23
فقال له هل لا عدت إلى بيتك
14:27
فإن الله قد أعذر إليك
14:29
فإن الله قد أعذر إليك
14:31
بعد أن بلغت من السن ما بلغت
14:34
فقال هي هات يا بني
14:37
لقد أبت علينا سورة البعوث
14:40
يريد سورة الأنفال
14:42
ألم تسمع قوله تعالى
14:44
انفروا خفافا وثقالا
14:47
أتجد فيه أن الله استثناني
14:51
عاش المقداد بن عمر حتى بلغ الثالثة والسبعين من عمره
14:56
أهدا في سبيل الله عازفا عن الإمارة
15:00
ولما أتاه اليقين
15:02
وارته البقية الباقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحده
15:08
وهم يقولون
15:10
سيف من سيوف الله عاد إلى غمده
15:14
بعد طول عناء وحسن بلاء
15:30
أهدا في سبيل الله