صور من حياة الصحابة - الحلقة (106) - المقداد بن عمرو رضي الله عنه

◉ 0 مشاهدة ⏱ 15:39 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:17 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21 لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:30 المقداد بن عمر رضي الله عنه
0:46 أصاب عمر بن ثعلبة دما في قومه
0:53 فكان لابد له من أن يغادر مواطن قبيلته بهرا
0:58 أو يعرض نفسه للثأر
1:00 فآثر الأولى على الثانية
1:03 وولى هاربا إلى حضر موت
1:05 واتخذ لنفسه فيها مقاما
1:08 ثم ما لبث أن تزوج من أهل حضر موت
1:11 وورد له صبي دعاه المقداد
1:15 ورث المقداد عن أبيه جل صفاته الخلقية والخلقية
1:20 فكان طويلا بائن الطول
1:22 أسمر شديد السمرة
1:24 حتى ليصح أن ينعت بأنه أسود
1:28 جسيما يملأ وعين رائيه مهابة وروعة
1:32 وكان إلى ذلك شديد الشكيمة قوية العزيمة
1:37 ممتلئا حمية ومروعة وحدة
1:40 وفي ذات يوم
1:43 اختصم المقداد بن عمر مع سيد من سادات القوم في حضر موت
1:48 هو أبو شمر بن حجر
1:50 فندت من الشيخ الحضرمي كلمة قاسية
1:54 جرحت كبرياء الفتى وأثارت حفيظته
1:58 فامتشق حسامه وأهوى به على الشيخ الحضرمي
2:02 فبتر ساقه
2:04 عند ذلك وجد المقداد أن عليه أن يجلو عن حضر موت
2:09 كما جلأ أبوه من قبله عن ديار قبيلته بهراء
2:13 فولا وجهه شطر مكة
2:16 أدرك المقداد بن عمر منذ وطئات أقدامه مكة
2:20 أنه ليس في وسع أحد أن يعيش في هذا المجتمع القرشي آمنا مطمئنا
2:26 إلا إذا كانت له قبيلة تحميه أو عصبية تمنعه
2:31 أما الغرباء أمثاله فما عليهم إلا أن يختاروا بين اثنتين
2:37 فإما أن يحالفوا سيدا من سادات القوم
2:41 فيعيشوا في كنفه ويأمنوا في حماة
2:44 وأما أن يعرضوا أنفسهم للذلة والمهانة
2:48 فحالف سيدا من سادات قريش
2:51 هو الأسود بن عبد يغوث الزهري
2:54 لكن الأسود بن عبد يغوث
2:56 ما لبث أن رأى في الفتى الحضرمي من سمات الرجولة وشمائل المروأ
3:02 وخصائل الشجاعة والنجدة
3:04 ما ملأ قلبه حبا له
3:07 فأخذه من يده ومضى به إلى مجالس قريش عند الكعبة
3:12 فلما وقف عليهم أعلن تبنيه له وقال
3:17 اشهدوا يا معشر قريش
3:19 أن هذا ابني أرثه ويرثني
3:22 فأطلق عليه الناس منذ ذلك اليوم اسم المقداد بن الأسود
3:28 وعلى الرغم من أن الإسلام قد أبطل التبني فيما بعد
3:33 فقد ظل أكثر الناس ينادونه كذلك
3:37 لكثرة ما تردد هذا الاسم على ألسنتهم
3:40 وفرط ما تداولوه بينهم
3:43 لم يكن المقداد بن عمر أو المقداد بن الأسود كما كانوا ينادونه
3:49 مرتاحا إلى ذلك المجتمع الجاهلي
3:52 الذي تراق فيه الدماء ظلما وبغيا
3:56 وتستباح فيه الحرمات عدوانا وجورا
4:00 ويستذل فيه القوي الضعيف
4:02 وتسوده العصبيات العمياء
4:05 فهو على الرغم من أن سيدا من سادات قريش قد تبناه
4:10 ما يزال في نظر القوم شريدا طريدا
4:13 لا يستطيع أن يصهر لأي منهم
4:16 لأنه في عرفهم ليس بكفء لأي بنت من بناتهم
4:21 مهما دنت منزلتها
4:24 وكان المقداد يسمع ما يدور على ألسنت الكهان
4:28 وما يرويه أحبار يهود
4:30 من أن نبيا قد أطل زمانه
4:33 سيملأ الدنيا برا وخيرا وعدلا
4:36 فيقول في نفسه عسى ولعلا
4:40 لم يمضي على ذلك غير قليل
4:43 حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم
4:47 بدين الهدى والحق
4:50 فما إن سمع به المقداد بن عمر
4:53 حتى بادر إليه ووضع يده في يديه
4:56 وشهد أن لا إله إلا الله
4:59 وأن محمدا عبده ورسوله
5:02 ثم مضى إلى مجالس قريش عند الكعبة
5:05 وأعلن إسلامه على ملئ من القوم
5:09 فكان سابع سبعة أعلنوا إسلامهم
5:12 على ظهر الأرض
5:14 لم يكن المقداد بن عمر حين توجه
5:17 إلى مجالس قريش ليعلن دخوله
5:20 في دين الله جهارا نهارا
5:22 يجهل وقع ذلك على قريش
5:25 ولم يكن يخفى عليه ما سينزلونه
5:28 به من الأذى والنكال
5:30 لكنه كان يعلم أيضا
5:33 أن دعوة كدعوة الإسلام
5:35 لا بد لها من قرابين
5:37 فعزم على أن يكون أحد شهدائها وضحاياها
5:41 صبت قريش على المقداد بن عمر
5:45 من بطشها ونكالها ما يزلزل الجبال
5:49 فلم يتزعزع ولم يتضعضع
5:52 وما كان يزيده العذاب
5:54 إلا صلابة في دينه
5:56 ورسوخا في إيمانه ويقينه
5:59 ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
6:03 لأصحابه بالهجرة إلى المدينة
6:06 أبت قريش على المقداد بن عمر
6:08 أن يغادر سجنها الكبير
6:10 فقد كان حقدها عليه
6:12 يتكاف أو مع تحديه لها
6:15 ولذا كان من أواخر المسلمين هجرة
6:19 ثم إنه لم يستطع التخلص من قريش
6:22 إلا بحيلة
6:24 فلما وصل إلى المدينة
6:26 فرح الرسول صلوات الله وسلامه عليه
6:29 بمقدمه
6:30 إذ كان يحبه حبا جما
6:33 ويقول
6:34 إن الله عز وجل أمرني بحب أربعة
6:38 وأخبرني أنه يحبهم
6:41 علي والمقداد
6:43 وأبو ذر وسلمان
6:45 قسم الرسول صلى الله عليه وسلم
6:48 المهاجرين من أصحابه عشرات
6:51 وجعل كل عشرة في بيت
6:54 فكان المقداد بن عمر من العشرة
6:56 التي سعدت بمساكنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:01 وسعدت بكريم شمائله
7:03 ولقيت من بره وعطفه الشيء الكثير
7:07 حدث المقداد قال
7:09 كنت في جملة العشرة الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:15 ليكونوا معه في بيته
7:18 وكانت لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث أعنز
7:23 يحتربونها ويوزعون لبنها بيننا
7:27 قلنا نرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه
7:32 وفي ذات ليلة جئت أنا وصاحبان لي
7:36 وكان الجوع قد نهكنا حتى أوشكنا ألا نسمع ولا نبصر
7:42 أما صاحباي فقد شربا نصيبهما وناما
7:46 وأما أنا فلم يكفيني ما شربته
7:50 وبقيت خاوي البطن لا أستطيع النوم من شدة الجوع
7:55 قال لي الشيطان ماذا عليك لو شربت هذه الجرعة التي رفعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم
8:04 فإن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إليه الأنصار
8:08 فيهدون له أمثالها إذا شاء
8:12 وما زال بي يغريني بها حتى شربتها
8:16 فلما شربتها جاءني الشيطان يندمني على ما فعلت ويقول
8:22 ماذا صنعت بنفسك
8:24 الأن يجئ محمد فلا يجد شرابة
8:27 فيدعو عليك فتهلك
8:30 وكانت الليلة باردة
8:32 وكانت علي شملة إذا وضعتها على رأسي بدت منها قدماي
8:38 وأذا غطيت بها قدمي كشف رأسي
8:42 وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء في الليل
8:46 يسلم تسليما يسمع اليقضان
8:49 ولا يوقظ النائم
8:51 فما هو إلا قليل حتى جاء وسلم
8:55 ثم صلى ما شاء الله أن يصلي
8:58 وأنا أنظر إليه من تحت الشملة
9:01 ثم تفقد شرابه فلم يجده
9:04 فرفع يده
9:06 فقلت الآن يدعو علي فأهلك
9:09 لكنه قال
9:11 اللهم أطعم من أطعمني
9:13 واسق من سقاني
9:15 فقلت في نفسي
9:17 أنا أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:20 وأفوز بدعوته
9:22 فتسللت من مكاني وأخذت شفرتي
9:25 وقلت أذبح له واحدة من الأعنز
9:29 وليكن بعد ذلك ما يكون
9:32 ثم مضيت إلى الأعنز
9:34 وأخذت أجسهن لأرى أيهن أسما
9:38 فإذا ضروعهن قد حثلت باللبن
9:41 على الرغم من أنهن حلبن وشيكا
9:44 فآخذت إناءا وحلبت إحداهن
9:47 حتى امتلأ وعلته الرغوة
9:49 ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:53 فشرب
9:55 ثم ناولني فشربت
9:57 ثم ناولته فشرب
9:59 ثم ناولني فشربت
10:01 ثم ضحكت
10:03 فقال لي
10:05 إنها إحدى فعلاتك يا مقداد
10:07 ما الذي يضحك
10:09 فحدثته بما صنعت
10:11 فقال
10:13 ما كانت إلا رحمة من الله تعالى
10:16 لو كنت أيقظت صاحبيك
10:19 فأصاب من اللبن الذي شربنا منه
10:22 فقلت
10:24 والذي بعثك بالحق
10:26 ما أبالي إذا شربت منه أنت
10:28 وشربت أنا من فضلك
10:31 ألا يشرب أحد
10:33 استقر المقداد بن عمر في المدينة
10:36 ولم يكن قد تزوج بعد
10:38 فبينما هو جالس مع عبد الرحمن
10:41 عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما
10:44 قال له عبد الرحمن
10:46 ما لك لا تتزوج يا مقداد
10:49 فقال المقداد
10:51 زوجني بنتك
10:53 فقال عبد الرحمن
10:54 ابنتي لا أزوجك ابنتي
10:57 وأسمعه كلمة لم ترضيه
11:00 فقام المقداد وهو يقول
11:03 أما زالت فينا بقية من جاهلية
11:06 أما سوى الإسلام بين أبنائه
11:09 وجعل أكرمهم عند الله أتقاهم
11:13 ثم مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:17 وذكر له ما كان من عبد الرحمن بن عوف
11:21 فقال له النبي عليه الصلاة والسلام
11:24 أفلا يرضيك أن تصاهر رسول الله يا مقداد
11:28 فلم يصدق المقداد أذني
11:31 وقال بلى يا رسول الله
11:34 ولكن من لي بذلك الشرف
11:37 فقال أنا لك به
11:39 وزوجه ابنة عمه
11:41 ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب
11:44 فغدا صهرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم
11:48 وحسبه بذلك مجادة وفخرا
11:51 ثم كانت بدر
11:53 حيث خرج رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
11:57 بثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه
12:01 وهم لا ينوون أن يخوضوا حربا شاملة
12:04 فلما وجد الرسول صلى الله عليه وسلم
12:08 نفسه منطرا لخوضها
12:10 كان لا بد له من أن ينال موافقة رجاله
12:14 فعرض عليهم الأمر
12:16 فقال أبو بكر وأحسن
12:18 وقال عمر وأحسن
12:21 لكن الموقف ظل يحتاج إلى كلمة حاسمة حازمة
12:26 تنهي التردد وتشد العزائم
12:29 فكان شرف هذه الكلمة للمقداد بن عمر
12:33 حيث توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
12:36 بقامته الفارعة وصوته الجهوري
12:39 وقال يا رسول الله
12:41 امضل ما أراك الله فنحن معك
12:44 والله لا نقول لك كما قالت بن إسرائيل لموسى
12:49 اذهب أنت وربك فقاتلا
12:51 إنا هاهنا قاعدون
12:53 ولكن نقول لك
12:55 اذهب أنت وربك فقاتلا
12:58 إنا معكما مقاتلون
13:01 والذي بعثك بالحق
13:03 لو سرت بنا إلى برك الغماد
13:06 لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه
13:09 فأشرق وجه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
13:13 بالفرحة
13:14 وقال له خيرا ودعى له بخير
13:18 وكان المقداد بن عمر يومئذ
13:21 المجاهد الوحيد الذي خاض بدرا على فرس
13:25 إذ كان الباقون إما مشاتا وإما على الجمال
13:29 فسجل له تاريخ الجهاد في الإسلام
13:32 أنه أول من عدا على فرس في سبيل الله
13:36 تذوق المقداد بن عمر لذة الجهاد في سبيل الله يوم بدر
13:41 فآلى على نفسه أن يظل مجاهدا لإعلاء كلمة الله
13:46 ما بقي سيفه مستمسكا بيده
13:49 وقد بر بقسمه
13:51 فقد رؤي في خلافة عثمان بن عثان رضي الله عنهما
13:56 يجلس على صندوق من صناديق الصيارفة
13:59 في أحد أسواق حمس
14:01 وقد كبرت سنه حتى قاربت على السبعين
14:04 وترهل جسده حتى فاض عن الصندوق
14:08 وكان سيفه في حجره
14:11 فقال له رجل من القوم
14:13 ما تفعل هنا يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:18 فقال أنتظر خروج الغزاة إلى الثغور لأكون معهم
14:23 فقال له هل لا عدت إلى بيتك
14:27 فإن الله قد أعذر إليك
14:29 فإن الله قد أعذر إليك
14:31 بعد أن بلغت من السن ما بلغت
14:34 فقال هي هات يا بني
14:37 لقد أبت علينا سورة البعوث
14:40 يريد سورة الأنفال
14:42 ألم تسمع قوله تعالى
14:44 انفروا خفافا وثقالا
14:47 أتجد فيه أن الله استثناني
14:51 عاش المقداد بن عمر حتى بلغ الثالثة والسبعين من عمره
14:56 أهدا في سبيل الله عازفا عن الإمارة
15:00 ولما أتاه اليقين
15:02 وارته البقية الباقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحده
15:08 وهم يقولون
15:10 سيف من سيوف الله عاد إلى غمده
15:14 بعد طول عناء وحسن بلاء
15:30 أهدا في سبيل الله