ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 38 من 93
صور من حياة الصحابة - الحلقة (53) - سراقة بن مالك رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
سراقة ابن مالك
0:32
رضي الله عنه
0:47
هبت قريش ذات صباح وجلة مذعورة
0:51
فقد سرى في أنديتها أن محمدا قد بارح مكة مستترا بجنح الظلام
0:57
فلم يصدق زعماء قريش النبأ
1:00
واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دار من دور بني هاشم
1:05
وينشدونه في كل بيت من بيوت أصحابه
1:08
حتى أتوا منزل أبي بكر
1:11
فخرجت إليهم ابنته أسماء
1:14
فقال لها أبو جهل
1:16
أين أبوك يا بنت
1:18
فقالت لا أدري أين هو الآن
1:21
فرفع يده ولطم خدها لطمة أهوة بقرطها على الأرض
1:26
جن جنون زعماء قريش حين أيقنوا أن محمدا غادر مكة
1:32
وجندوا كلما لديهم من قفات الأثر لتحديد الطريق الذي سلكه
1:38
ومضوا معهم يبحثون عنه
1:40
فلما بلغوا غار ثور
1:42
قال لهم قفات الأثر
1:44
والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار
1:48
ولم يكن هؤلاء مفطئين فيما قالوه لقريش
1:52
فقد كان محمد وصاحبه في داخل الغار
1:56
وكانت قريش تقف فوق رأسيهما
1:59
حتى إن صديق رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار
2:04
فدمعت عيناه
2:06
فنظر إليه الرسول نظرة حب ورفق وعتاب
2:10
فهمس الصديق قائلا
2:13
والله ما على نفسي أبكي
2:16
ولكن مخافة أن أرى فيك مكروها يا رسول الله
2:20
فقال له الرسول الكريم مطمئنا
2:23
لا تحزن يا أبا بكر
2:24
فإن الله معنا
2:27
فأنزل الله السكينة على قلب الصديق
2:30
وراح ينظر إلى أقدام القوم
2:33
ثم قال يا رسول الله
2:36
لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدميه لرآنا
2:40
فقال له الرسول
2:42
ما ظنك يا أبا بكر بثنين
2:45
الله ثالثهما
2:47
وهنا سمعافة من قريش يقول للقوم
2:52
هل أم إلى الغار ننظر فيه
2:55
فقال له أمية بن خلف ساخرا
2:58
ألم تر إلى هذا العنكبوت الذي عشش على بابه
3:02
والله إنه أقدم من ميلاد محمد
3:05
غير أن أبا جهل قال
3:08
واللات والعزة
3:10
إني لأحسبه قريبا منا
3:13
يسمع ما نقول ويرى ما نصنع
3:16
ولكن سحره ران على أبصارنا
3:19
بيد أن قريشا لم تنفض يدها من أمر العثور على محمد
3:23
ولم ينثن عزمها عن ملاحقته
3:27
فأعلنت في القبائل المنتشرة على طور الطريق بين مكة والمدينة
3:32
أن من يأتيها بمحمد حيا أو ميتا
3:36
فله مئة من كرائم الإبل
3:39
كان سراقة بن مالك المدلجي
3:42
في ندي من أندية قومه في قديد
3:45
قريبا من مكة
3:47
فإذا برسول من رسل قريش يدخل عليهم
3:50
ويذيع فيهم نباء الجائزة الكبرى
3:53
التي بذلتها قريش لمن يأتيها بمحمد حيا أو ميتا
3:58
فما كاد سراقة يسمع بالنوق المئة
4:01
حتى شرأبت إليها أطماعه
4:04
واشتد عليها حرصه
4:06
ولكنه ضبط نفسه
4:08
فلم يفه بكلمة واحدة
4:11
حتى لا تتحرك أطماع الآخرين
4:14
وقبل أن ينهض سراقة من مجلسه
4:17
دخل على الندي رجل من قومه وقال
4:19
والله لقد مر بي الآن ثلاثة رجال
4:23
وإني لأظنهم محمدا وأبا بكر ودليلهما
4:28
فقال سراقة
4:30
بل هم بنو فلان
4:32
مضوا يبحثون عن ناقة لهم أضلوها
4:35
فقال الرجل
4:37
لعلهم كذلك
4:39
وسكت
4:41
ثم مكث سراقة قليلا
4:43
حتى لا يثير قيامه أحدا من من في الندي
4:46
فلما دخل القوم في حديث آخر
4:49
إن سل من بينهم
4:51
ومضى خفيفا مسرعا إلى بيته
4:54
وأسر لجاريته بأن تخرج له فرسه في غفلة من أعين الناس
5:00
وأن ترتبطه له في بطن الوادي
5:03
وأمر غلامه بأن يعد له سلاحة
5:06
وأن يخرج به من خلف البيوت
5:09
حتى لا يراه أحد
5:11
وأن يجعله في مكان قريب من الفرس
5:14
لبس سراقة الأمتة
5:17
وتقلد سلاحة
5:19
وطاصه وتفرسه
5:21
وطفق يغذ السير ليدرك محمدا
5:24
قبل أن يأخذه أحد سواه ويظفر بجائزة قريش
5:29
كان سراقة ابن مالك فارسا من فرسان قومه المعدودين
5:34
طويل القامة عظيم الهامة
5:37
بصيرا باقتفاء الأثر
5:39
صبورا على أهوار الطرق
5:41
وكان إلى ذلك كله
5:44
أريبا لبيبا شاعرا
5:46
وكانت فرسه من عتاق الخيل
5:49
مضى سراقة يطوي الأرض طيا
5:52
لكنه ما لبث أن عثرت به فرسه
5:55
وسقط عن صهوتها
5:57
فتشاءم من ذلك وقال
5:59
ما هذا
6:01
تبا لك من فرس
6:03
وعلى ظهرها
6:05
غير أنه لم يمضي بعيدا حتى عثرت به مرة أخرى
6:09
فازداد تشاءما
6:11
وهم بالرجوع
6:13
فما رده عن همه إلا طمعه بالنوق المئة
6:16
لم يبتعد سراقة كثيرا عن مكان عثور فرسه
6:21
حتى أبصر محمدا وصاحبه
6:24
فمد يده إلى قوسه
6:26
لكن يده جمدت في مكانها
6:29
ذلك لأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض
6:33
والدخان يتصاعد من بين يديها
6:36
ويغطي عينيه وعينيها
6:39
فدفع الفرس
6:41
فإذا هي قد رسخت في الأرض
6:43
كأنما سمرت فيها بمسامر من حديد
6:46
فالتفت إلى الرسول وصاحبه
6:49
وقال بصوت ضارع
6:51
يا هاذان
6:53
أدعو لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي
6:56
ولكما علي أن أكف عنكما
6:59
فدعى له الرسول
7:01
فأطلق الله له قوائم فرسه
7:04
لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد
7:08
فدفع فرسه نحوهما
7:10
فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل
7:13
فاستغاث بهما وقال
7:16
إليكما زادي ومتاعي وسلاحي
7:19
فخذاه
7:21
ولكما علي عهد الله
7:23
أن أرد عنكما من ورائي من الناس
7:26
فقال له
7:28
لا حاجة لنا بزادك ومتاعك
7:31
ولكن رد عنا الناس
7:33
ثم دعى له الرسول
7:35
فانطلقت فرسه
7:37
فلما هم بالعودة
7:39
ناداهم قائلا
7:41
تريثوا أكلمكم
7:43
فوالله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه
7:47
فقال له
7:49
ما تبتغي منا
7:51
فقال
7:53
والله يا محمد
7:55
إني لأعلم أنه سيظهر دينك ويعلو أمرك
7:58
فعاهدني إذا آتيتك في ملكك أن تكرمني
8:01
وكتب لي بذلك
8:03
فأمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه الصديق
8:07
فكتب له على لوح من عظم
8:10
ودفعه إليه
8:11
ولما هم بالانصراف
8:13
قال له النبي عليه الصلاة والسلام
8:16
وكيف بك يا سراقة
8:18
إذا لبست سواري كسرا
8:21
فقال سراقة في دهشة
8:23
كسر بن هرمز
8:25
فقال نعم
8:27
كسر بن هرمز
8:29
عاد سراقة أدراجة
8:31
فوجد الناس قد أقبلوا
8:33
ينشدون رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
8:36
فقال لهم
8:38
ارجعوا
8:39
فقد نفضت الأرض نفضا أبحث عنه
8:42
وأنتم لا تجهلون مبلغ بصري بالأثر
8:45
فرجعوا
8:47
ثم كتم خبره مع محمد وصاحبه
8:50
حتى أيقن أنه ما بلغ المدينة
8:53
وأصبح في مأمن من عدوان قريش
8:56
عند ذلك آذاعة
8:58
فلما سمع أبو جهل بخبر سراقة مع النبي عليه الصلاة والسلام وموقفه من
9:04
لامه على تخاذله وجبنه وتفويته الفرصة
9:09
فقال يجيبه على ملامته
9:12
أبا حكم والله لو كنت شاهدا
9:15
لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
9:18
علمت ولم تشكك بأن محمدا
9:21
رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
9:26
دارت الأيام دورتها
9:28
فإذا بمحمد الذي خرج من مكة طريدا شريدا
9:33
مستترا بجنح الظلام
9:35
يعود إليها سيدا فاتحة
9:38
تحف به الألوف المؤلفة من بيض الصيوف وسمر الرماح
9:43
وأذا بزعماء قريش
9:45
الذين ملأوا الأرض عنجهية وغطرسة يقبلون عليه خائفين وجلين
9:51
يسألونه الرأفة ويقولون
9:54
ماذا عساك تصنع بنا
9:56
فيقول لهم في سماحة الأنبياء
9:59
اذهبوا فأنتم الطلقاء
10:02
عند ذلك
10:03
أعد سراقة ابن مالك راحلته
10:06
ومضى إلى رسول الله ليعلن اسلامه بين يديه
10:10
ومعه العهد الذي كتبه له قبل عشر سنوات
10:14
قال سراقة
10:16
لقد أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة
10:20
فدخلت في كتيبته من الأنصار
10:23
فجعلوا يقرعونني بكعوب الرماح ويقولون
10:27
إليك إليك ماذا تريد
10:30
فما زلت أشق صفوفهم
10:31
حتى غدوت قريبا من رسول الله وهو على ناقته
10:36
فرفعت يدي بالكتاب
10:38
وقلت يا رسول الله
10:40
أنا سراقة ابن مالك
10:42
وهذا كتابك لي
10:44
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام
10:47
أدن مني يا سراقة أدن
10:50
هذا يوم وفاء وبر
10:53
فأقبلت عليه
10:55
وأعلنت اسلامي بين يديه
10:57
ونلت من خيره وبره
10:58
لم يمضي على لقاء سراقة ابن مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير بضعة أشهر
11:06
حتى اختار الله نبيه إلى جواره
11:10
فحزن عليه سراقة أشد الحزن
11:13
وجعل يتراء له ذلك اليوم
11:16
الذي هم فيه بقتله من أجل مائة ناقه
11:20
وكيف أن نوق الدنيا كلها
11:23
قد أصبحت اليوم لا تساوي عنده قلامة من ظفر النبي
11:28
وجعل يردد قولته له
11:31
كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرا
11:35
دون أن يخامره شك في أنه سيلبسهما
11:39
ثم دارت الأيام دورتها كرة أخرى
11:43
وآل أمر المسلمين إلى الفاروق رضوان الله عليه
11:47
وهبت جيوش المسلمين في عهده المبارك على مملكة فارس
11:52
كما يهب الإعصار
11:55
فطفقت تدك الحصون وتهزم الجيوش
11:58
وتهز العروش وتحرز الغنام
12:01
حتى أدال الله على يديها دولة الأكاسرة
12:05
وفي ذات يوم من أواخر أيام خلافة عمر
12:09
قدم على المدينة رسل سعد بن أبي وقاص
12:13
يبشرون خليفة المسلمين بالفتح
12:16
ويحملون إلى بيت مال المسلمين خمس الفي
12:20
الذي غنمه الغزاة في سبيل الله
12:23
فلما مضعت الغنام بين يدي عمر
12:25
نظر إليها في دهشة
12:28
فقد كان فيها تاج كسرا المرصع بالدر
12:32
وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب
12:35
وبشاحه المنظوم بالجوهر
12:38
وسواراه اللذان لم تر العين مثله ما قط
12:41
وما لا حصر له من النفائس الأخرى
12:45
فجعل عمر يقلب هذا الكنز الثمين بقضيب كان في يده
12:50
ثم التفت إلى من حوله وقال
12:52
إن قوما أدى وهذا لأمنا
12:55
فقال له علي بن أبي طالب وكان حينئذ حاضرا
12:59
إنك عففت
13:01
فعفت رعيتك يا أمير المؤمنين
13:04
ولو رتعت لرتعوا
13:07
وهنا دع الفاروق رضوان الله عليه سراقة بن مالك
13:12
فألبسه قمص كسرا وسراوي له وقباءه وقف فيه
13:17
وقلده سيفه ومنطقته
13:19
ووضع على رأسه تاجه
13:22
وألبسه سواريه
13:24
نعم سواريه
13:26
عند ذلك هتف المسلمون
13:29
الله أكبر الله أكبر
13:32
الله أكبر
13:34
ثم التفت عمر إلى سراقة وقال
13:37
بخ بخ
13:39
عيرابي من بني مدلج
13:41
على رأسه تاج كسرا
13:43
وفي يده سواراه
13:45
ثم رفع رأسه إلى السماء وقال
13:47
اللهم إنك منعت هذا المال رسولك
13:51
وكان أحب إليك مني وأكرم عليك
13:55
ومنعته أبا بكر
13:57
وكان أحب إليك مني وأكرم عليك
14:01
وأعطيتني
14:03
فأعوذ بك أن تكون قد أعطيتنيه لتمكربي
14:07
ثم لم يقم من مجلسه حتى قسمه بين المسلمين
14:12
كيف بك يا سراقة
14:16
إذا لبست سراق
14:19
سواري كسرا
14:22
محمد رسول الله