ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 16 من 80
صور من حياة الصحابة - الحلقة (36) - بلال بن رباح رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
بلال بن رباح رضي الله عنه
0:52
لبلال بن رباح مؤذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
0:57
سيرة من أروع سير النظال في سبيل العقيدة
1:01
وقصة لا يمل الزمان من ترديدها
1:05
ولا تشبع الأذان من سحر نشيدها
1:08
ولد بلال في السراة قبل الهجرة بنحو 43 سنة
1:14
لأب كان يدعى رباحا
1:17
أما أمه فكانت تدعى حمامة
1:20
وهي أمة سوداء من إماء مكة
1:24
ولذا كان بعض الناس يدعونه بابن السوداء
1:28
نشأ بلال في أم القرى
1:31
وكان مملوكا لأيتام من بني عبد الدار
1:34
أو صابهم أبوهم إلى أمية بن خلف
1:37
أحد رؤوس الكفر
1:39
ولما أشرقت مكة بأنوار الدين الجديد
1:43
وهتف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم
1:47
بكلمة التوحيد
1:49
كان بلال من السابقين الأولين إلى الإسلام
1:53
فقد أسلم ولم يكن على ظهر الأرض من مسلم
1:57
إلا هو بضعة نفر من السابقين الأولين
2:01
على رأسهم خديجة بنت خويلد
2:04
أم المؤمنين
2:06
وأبو بكر الصديق
2:08
وعلي بن أبي طالب
2:10
وعمار بن ياسر
2:12
وأمه سمية
2:14
وصهيب الرومي
2:16
والمقداد بن الأسود
2:18
وقد لقي بلال من أذى المشركين
2:21
ما لم يلقه سوا
2:23
وعانى من قسوتهم وبطشهم
2:25
وغلظ قلوبهم
2:27
ما لم يعانه غيره
2:29
وصبر هو ومن معه من المستضعفين
2:32
على الابتلاء في سبيل الله
2:34
كما لم يصبر أحد
2:36
فلقد كانت لأبي بكر الصديق
2:39
وعلي بن أبي طالب
2:41
عصبية تمنعهما
2:43
وقوم يحمونهما
2:45
أما أولئك المستضعفون من الأرقاء والإماء
2:49
فقد نكلت بهم قريش أشد التنكيل
2:53
فلقد أرادت أن تجعلهم عبرة
2:56
عبرة لمن تحدثه نفسه
2:58
بنبذ آلهتهم واتباع محمد
3:01
وقد تصدى لتعذيب هؤلاء
3:04
طائفة من أغلظ كفار قريش كبدا
3:07
وأقساهم قلبا
3:09
فلقد باء أبو جهل
3:11
أخزاه الله بإثم سمية
3:14
فوقف عليها يسب ويرفث
3:17
ثم طعنها برمحه طعنة
3:19
دخلت من أسفل بطنها
3:21
وخرجت من ظهرها
3:23
فكانت أول شهيدة في الإسلام
3:26
وأما الآخرون من إخوتها في الله
3:29
وعلى رأسهم بلال بن رباح
3:32
فقد أطالت قريش تعذيبهم
3:35
كانوا إذا توسطت الشمس كبدا السماء
3:38
والتهبت رمال مكة بالرمضاء
3:41
ينزعون عنهم ثيابهم
3:43
ويلبسونهم دروع الحديد
3:46
ويصهرونهم بأشعة الشمس المتقدة
3:49
ويلهبون ظهورهم بالسياط
3:52
ويأمرونهم بأن يسبوا محمدا
3:55
فكانوا إذا اشتد عليهم التعذيب
3:58
وعجزت طاقاتهم عن تحمله
4:01
يستجيبون لهم فيما يريدونه منهم
4:04
وقلوبهم معلقة بالله ورسوله
4:07
إلا بلالا رضي الله عنه وأرضاه
4:11
فقد كانت نفسه تهون عليه في الله عز وجل
4:15
وكان الذي يتولى كبر تعذيبه
4:19
أمية بن خلف وزبانيته
4:22
لقد كانوا يلهبون ظهره بالسياط
4:25
فيقول أحد أحد
4:28
ويطبقون على صدره الصخور
4:31
فينادي أحد أحد
4:33
ويشتدون عليه في النكال
4:36
فيهتف أحد أحد
4:38
كانوا يحملونه على ذكر الله والعز
4:42
فيذكر الله ورسوله
4:44
ويقولون له قل كما نقول
4:48
فيجيبهم إن لساني لا يحسنه
4:52
فيلجون في إيذائه
4:54
ويمعنون في تعذيبه
4:56
وكان الطاغية الجبار أمية بن خلف
5:00
إذا مل من تعذيبه
5:02
طوق عنقه بحبل غليض
5:05
وأسلمه إلى السفهاء والولدان
5:08
وأمرهم أن يطوفوا به في شعاب مكة
5:11
وأن يجروه في أباطحها
5:14
فكان بلال رضوان الله عليه
5:17
يستعذب العذاب في سبيل الله ورسوله
5:21
ويردد على الدوام نشيده العلوي
5:24
أحد أحد أحد أحد
5:27
فلا يمل من ترداده
5:30
ولا يشبع من إنشاده
5:32
وقد عرض أبو بكر الصديق رضوان الله عليه
5:36
على أمية بن خلف أن يشتريه منه
5:39
فأغلى به الثمن
5:41
وهو يظن أن أبا بكر لا يأخذه
5:44
فاشتراه منه بتسع أواق من الذهب
5:47
فقال له أميت بعد أن تمت الصفقة
5:51
لو أبيت أخذه إلا بأوقية لبيعته
5:55
فقال له الصديق
5:57
لو أبيت بيعه إلا بمئة لاشتريته
6:01
ولما أخبر الصديق الرسول صلوات الله وسلامه عليه
6:05
باشترائه بلالا
6:07
وإنقاذه من أيدي معذبيه
6:10
قال له النبي عليه الصلاة والسلام
6:13
الشركة يا أبا بكر
6:15
أي شاركني فيه
6:17
فقال له الصديق رضوان الله عليه
6:20
لقد أعتقته يا رسول الله
6:23
ولما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم
6:28
بالهجرة إلى المدينة
6:30
هاجر بلال رضوان الله عليه
6:33
في جملة من هاجر
6:35
ونزل هو والصديق وعامر بن فهر
6:38
في بيت واحد
6:40
فأوصيبوا بالحمى جميعا
6:42
فكان بلال إذا أقلعت عنه الحما
6:45
رفع عقيرته
6:47
وجعل يترنم بصوته العذب قائلا
6:50
ألا لي تشعري هل أبيتن ليلة
6:54
بفخ وحول إذخر وجليل
6:57
وهل أرد يوما مياهم جنة
7:01
وهل يبدوا لي شامة وطفيل
7:04
ولا عجب إذا حن بلال إلى مكة وشعابها
7:09
واشتاق وديانها وجبالها
7:12
فهناك ذاق حلاوة الإيمان
7:15
وهناك استعذب العذاب في جنب الله
7:18
وهناك انتصر على نفسه وعلى الشيطان
7:22
استقر بلال في يثرب بعيدا عن أذاق ريش
7:27
وتفرغ لنبيه وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه
7:33
فكان يغدو معه إذا غدا
7:36
ويعود معه إذا عاد
7:39
ويصلي معه إذا صلى
7:41
ويغزو معه إذا غزى
7:44
حتى أصبح ألزم له من ظله
7:47
ولما شيد الرسول صلوات الله وسلامه عليه مسجده في المدينة
7:53
وشلع الأذان كان بلال أول مؤذن في الإسلام
7:58
وكان إذا فرغ من الأذان
8:00
وقف على باب بيت الرسول عليه الصلاة والسلام
8:04
وقال حي على الصلاة حي على الفلاح
8:09
فإذا خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من حجرته
8:14
ورآه بلال مقبلة ابتدأ بالإقامة
8:19
وقد أهدى النجاشي ملك الحبشة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم
8:24
ثلاثة رماح قصيرة
8:27
من نفائس ما يقتنيه الملوك
8:30
فاحتفظ لنفسه بواحد منها
8:33
وأعطى عري بن أبي طالب واحدة
8:36
وأعطى عمر بن الخطاب واحدة
8:39
ثم اختص برمحه بلال
8:42
فجعل بلال يسعى به بين يديه أيام حياته كلها
8:47
فكان يحمله في العيدين وفي صلوات الاستسقاء
8:52
ويركزه أمامه إذا أوقيمت الصلاة في غير المسجد
8:56
ولقد شهد بلال مع نبيه بدرا
9:00
وأرى بعينيه كيف أنجز الله وعده
9:03
ونصر جنده
9:05
وشهد مصارع الطغاة الذين كانوا يعذبونه سوء العذاب
9:10
وأبصر أبا جهل وأمية بن خلف
9:13
صريعين تنوشهما سيوف المسلمين
9:16
وتنهر من دمائهما رماح المعذبين
9:20
ولما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة فاتحة
9:25
على رأس كتيبته الخضراء
9:28
كان معه داع السماء بلال بن رباح
9:31
وحين دخل الكعبة المعظمة
9:35
لم يكن في صحبته إلا ثلاثة رجال
9:39
هم عثمال بن طلحة
9:41
حامل مفاتيح الكعبة المشرفة
9:44
وأوسامة بن زيد
9:46
حب رسول الله وبن حبه
9:49
وبلال بن رباح
9:51
مؤذن رسول الله
9:53
ولما حانت صلاة الظهر
9:55
كانت الألوف المؤلفة تحيط بالرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه
10:01
وكان الذين أسلموا من كفار قريش طوعا أو كره
10:06
يشهدون ذلك المشهد الكبير
10:09
عند ذلك دعى الرسول صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح
10:15
وأمره أن يصعد على ظهر الكعبة
10:18
وأن يعلن من فوقها كلمة التوحيد
10:21
فصدع بلال بالأمر
10:24
وأرسل صوته الجهير بالأذان
10:27
فامتدت آلاف الأعناق نحوه تنظر إليه
10:31
وانطلقت آلاف الألسن تردد وراءه في خشوع
10:36
أما الذين في قلوبهم مرض
10:39
فقد أخذ الحسد ينهش قلوبهم نهشا
10:43
وجعلت الضغينة تمزق قلوبهم تمزيقا
10:47
فما إن وصل بلال في الأذان إلى قوله
10:52
أشهد أن محمد رسول الله
10:55
حتى قالت جويرية بنت أبي جهل
10:58
لعمري لقد رفع الله لك ذكرك
11:02
أما الصلاة فنصلي
11:04
ولكننا والله ما نحب من قتل الأحبة
11:08
وكان أبوها قد قتل في بدر
11:11
وقال خالد بن أوسيد
11:14
الحمد لله الذي أكرم أبي
11:17
فلم يشهد هذا اليوم
11:19
وكان أبوه قد مات قبل الفتح بيوم واحد
11:23
وقال الحارث بن هشام
11:25
وا ثكلا
11:27
ليتني مت قبل أن أرى بلالا فوق الكعبة
11:31
وقال الحكم بن أبي العاص
11:34
هذا والله الخطب الجلل
11:36
أن يصبح عبد بني جمح ينهق على هذه البنية
11:41
وكان معهم أبو سفيان بن حرب
11:44
فقال أما أنا فلا أقول شيئا
11:48
فإني لو فهت بكلمة
11:50
لنقلتها هذه الحصات إلى محمد بن عبد الله
11:55
ولقد ظل بلال يؤذن للرسول صلوات الله وسلامه عليه طوال حياته
12:02
وظل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
12:06
يأنس إلى هذا الصوت الذي عذب في الله أشد العذاب وهو يردد أحد أحد
12:15
ولما انتقل الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى
12:21
وحان وقت الصلاة
12:23
قام بلال يؤذن في الناس
12:26
والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم مسجا لم يدفن بعد
12:32
فلما وصل إلى قوله
12:34
أشهد أن محمد رسول الله
12:38
خنقته العبرات
12:40
واحتبس صوته في حلقه
12:43
وشى المسلمون في البكاء
12:45
وأغرقوا في النحيب
12:47
ثم أذن بعد ذلك ثلاثة أيام
12:51
فكان كلما وصل إلى قوله أشهد أن محمد رسول الله بكى وأبكى
12:58
عند ذلك طلب من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
13:05
أن يعفيه من الأذان
13:07
بعد أن أصبح لا يحتمله
13:10
استأذنه في الخروج إلى الجهاد في سبيل الله
13:13
والمرابطة في بلاد الشام
13:16
فتردد الصديق رضوان الله عليه في الاستجابة لطلبه
13:21
والإذن له بمغادرة المدينة
13:24
فقال له بلال
13:26
إن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني
13:29
وإن كنت قد أعتقتني لله
13:32
فخلني لمن أعتقتني له
13:35
فقال أبو بكر
13:37
والله ما اشتريتك إلا لله
13:40
وما أعتقتك إلا في سبيله
13:43
فقال بلال
13:45
إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله
13:48
فقال أبو بكر
13:50
لكذلك
13:52
رحل بلال عن المدينة المنورة مع أول بعث من بعوث المسلمين
13:58
وأقام في داريا بالقرب من دمشق
14:01
ولقد ظل ممسكا عن الأذان
14:04
حتى قدم عمر بن الخطاب بلاد الشام
14:08
فلقي بلال رضوان الله عليه بعد غياب طويل
14:13
وكان عمر شديد الشوق إليه
14:16
عظيم الإجلال له
14:19
حتى إنه كان إذا ذكر الصديق أمامه يقول
14:23
إن أبا بكر سيدنا
14:26
وهو الذي أعتق سيدنا
14:29
يعني بلال رضوان الله عليه
14:32
وهناك عزم الصحابة على بلال أن يؤذن في حضرة الفاروق
14:38
فما إن ارتفع صوته بالأذان
14:41
حتى بكى عمر
14:43
وبكى معه الصحابة
14:45
حتى خضلت اللحى بالدموع
14:48
فلقد أهاج بلال أشواقهم إلى عهود المدينة المنورة
14:53
سقيا لها من عهود
14:55
ولقد ظل داع السماء
14:58
يقيم في منطقة دمشق
15:00
حتى وافاه الأجل المحتوم
15:03
فكانت امراته تعول إلى جنبه في مرض الموت
15:07
وتصيح قائلة
15:09
وحزناه
15:11
وكان هو يفتح عينيه في كل مرة
15:14
ويجيبها قائلة
15:16
وفرحاه
15:18
ثم لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد
15:21
غدن نلقى الأحبة
15:23
محمدا وصحبة
15:25
غدن نلقى الأحبة
15:27
محمدا وصحبة
15:30
أبو بكر سيدنا
15:36
وأعتق سيدنا
15:39
يعني بلال
15:41
عمر الفاروق رضي الله عنه