صور من حياة الصحابة - الحلقة (95) - رافع بن عمير الطائي رضي الله عنه

◉ 0 مشاهدة ⏱ 15:52 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:17 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21 لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:26 رافع بن عمير الطائي
0:32 رضي الله عنه
0:48 هل أتاك نبأ رافع بن عمير الطائي
0:54 داهية الصحراء
0:56 وفاتكها الكبير
0:58 لقد طلع الإسلام على رافع
1:00 فلم يلقي إليه بالا
1:02 ولم يعره أي التفاتة
1:04 ذلك لأنه كان مشغولا عنه بالإغارة على أحياء العرب
1:09 واستلاب كرائم إبلهم
1:12 ولا تحسبن أن رافعا كان زعيم قبيلة من قبائل العرب
1:17 أو كانت له سرية يغزو بها
1:20 أو عصبة تشد أزرى
1:22 لم يكن رافع شيئا من ذلك ولا قريبا من ذلك
1:27 وإنما كان بدويا من أبناء الصحراء
1:30 كون لنفسه جيشا من نفسه
1:33 وجعل يشن غاراته على بيوت العرب وحيدا فريدا
1:38 ويرزأ الناس بأعز ما يملكونه
1:41 ثم يعود سالما غانما موفورا
1:45 وقد تقول ألم يكن في هذه الأحياء التي يغير عليها رافع
1:50 أبطال أنجاد قادرون على مطاردة هذا الفاتك
1:55 واستنقاذ كرائم إبلهم منه والقضاء عليه
2:00 بلى إنه كان في أبناء الصحراء
2:03 من لا يقلون عن رافع شجاعة وجرأة وإقداما
2:08 ولكنه لم يكن بينهم من يماثله في معرفة أسرار هذه الصحراء
2:14 والقدرة على النفوذ إلى أغوارها
2:17 حتى عرف بين العرب
2:19 بأنه أهدا بدوي برمال الصحراء
2:23 وأدل الناس على طرقها
2:26 وقد كان من شأن رافع
2:28 أنه إذا عزم على غزو قوم
2:31 أن يستحضر عددا كبيرا من بيض النعام
2:34 وأن يملأه بالماء
2:36 وأن يدفنه في الأماكن البعيدة التي لا تطأها قدم في بطن الصحراء
2:42 ثم يشن غارته على من يشاء من أحياء العرب
2:46 ويسوق الإبل التي يستلبها أمامه
2:49 ويمضي بها إلى تلك المفاوز التي لم تعطي سرها لأحد غيره
2:55 فإذا دخل فيها وأوغل في متاهاتها
2:59 كف أصحابها عن مطاردته
3:01 وعادوا أدراجهم
3:03 خشية على أنفسهم من الهلاك عطشا أو ضياعة
3:07 وفي سنة التاسعة للهجرة
3:10 بعث الرسول صلوات الله وسلامه عليه عمر بن العاص
3:14 على رأس سرية من سرايا المسلمين إلى بلاد طيء
3:19 وأمره بأن يستنفر من أسلم من العرب
3:22 للخروج معه إلى الشام لقتال الروم
3:25 وأن يستألف من لم يسلموا منهم حتى لا ينضموا إلى أعدائه
3:30 وكان في السرية أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب
3:35 وطائفة من جلة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:40 فانطلقوا حتى إذا بلغوا جبل طيء
3:44 عميت عليهم الطرق
3:46 وخافوا على أنفسهم من الضياع والهلاك
3:50 فقال عمر بن الخطاب
3:52 هاتوا لنا رجلا خبيرا يكون دليلا لنا في هذه المفاوز
3:58 فقيل له ليس لكم إلا رافع بن عمير الطائي
4:03 فإنه أعرف الناس بهذه الفيافي وأبصرهم بمسالكها
4:08 فدعوا رافع واتخذوه دليلا لهم
4:12 قضى رافع بن عمير مع هذه الصفوة المختارة
4:16 من أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه عليه
4:20 أياما بلياليها حتى أنجزوا ما أمروا به
4:24 فرأى رافع من كريم شمائلهم ونبيل خصائلهم
4:28 وسمو هديهم ما زرع حبهم في قلبه زرعا
4:33 لقد وجدهم عبادا في الليل فرسانا في النهار
4:37 زهادا في الدنيا رغابا بما عند الله من حسن الثواب
4:43 فكان له معهم شأن يرويه لك رافع بنفسه فيقول
4:48 لقد كنت خلال صحبتي للقوم أتأملهم جميعا
4:53 وأتفرس منهم أبا بكر خاصة وأتوسمه وأوثره
4:58 بهتمامي على سائر أصحابه وفي كل خير
5:03 فلما عدنا إلى المنازل التي خرجنا منها
5:07 وأوشكوا أن يفارقونا أحسست أنهم سيغدون معهم بقلبي
5:12 فأتيت أبا بكر وقلت يا رفيق الخير
5:16 إني توسمتك واخترتك من بين أصحابك
5:20 فاذكر لي شيئا إذا حفظته كنت منكم ومثلكم
5:25 فقال أتحفظ أصابعك الخمس؟
5:29 قلت نعم فقال عد عليها
5:33 تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
5:38 وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إن كان لك مال
5:43 وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا
5:48 ثم قال هل حفظت؟ فقلت نعم واسمع مني
5:53 إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
5:59 وأما الصلاة فلن أتركها أبدا
6:03 وأما الزكاة فإن يكلي مال أؤدها
6:07 وأما رمضان فسأصومه ما حييت
6:11 وأما الحج فإن استطع حج إن شاء الله
6:16 ومنذ ذلك اليوم طوالص الصحراء رافع بن عمير
6:21 تلك الصفحة السوداء من حياته وفتح الصفحة الأخرى
6:26 الصفحة المشرقة بنور الإيمان المتلألأت بضياء القرآن
6:32 لقد كان ذلك نبأ رافع بن عمير في جاهليته
6:36 فإليك طرافا من نبأه بعد إسلامه
6:40 سير خليفة المسلمين أبو بكر الصديق
6:45 جيشا مكونا من أربع فرق لغزو الروم في بلاد الشام
6:50 فاندفع الجيش الغازي في سبيل الله يحرر البلاد ويهدى العباد
6:56 ويرفع في كل أرض تطأها قدماه صوت الأذان
7:00 ليعلن للناس أن عهد العبودية للقياصرة قد انقضى
7:05 وأن العبودية لله وحدة حتى بلغ مشارف دمشق
7:10 ثم انطلق منها إلى مدينة حمص في أواسط سورية
7:15 لم يكن الروم يحسبون حسابا لجيش المسلمين أو يأبهون له
7:20 فلما رأوه يلحق بهم الهزيمة تتلو الهزيمة
7:24 ويهدد جندهم بالفناء حشدوا جيوشهم في أنطاكية
7:29 واستقدم النجدات من أطراف الدولة البيزنطية
7:33 حتى اجتمع لهم مئتان وخمسون ألف محارب
7:37 ثم دفعوا بهذا الجيش العرمر من لجب في وجه المسلمين
7:42 فمضى يسترد البلاد التي فقدها الروم
7:46 ويهدد جند المسلمين بالفناء
7:49 فطير المسلمون رسلا من عندهم إلى المدينة
7:52 يصفون للخليفة الموقف ويقولون الغوث الغوث
7:57 والعجل العجل
7:59 كان خالد بن الوليد إذاك في العراق
8:02 على رأس جيشه الكبير الفاتح
8:05 فأرسل إليه الصديق يأمره بالتوجه توا إلى بلاد الشام
8:10 لنجدة الجيش المهدد بالفناء
8:13 ويبصره بالكارثة التي توشك أن تحل بالمسلمين
8:18 فاستجاب خالد لأمر الخليفة
8:21 ومضى بعشرة آلاف من صناديد المسلمين
8:25 فيهم رافع بن عمير الطائي
8:28 ليكونوا مددًا لجيش المسلمين في الشام
8:31 لقد كان على خالد بن الوليد
8:34 أن يصل بجيشه إلى سورية في أقصر وقت
8:38 وأن يسلك طريقًا يتجنب فيه مواجهة الروم
8:42 حتى لا تحول دونه ودون الالتقاء مع المسلمين
8:46 فجعل يستشير أصحابه ويقول
8:49 مل لي بمثل هذه الطريق
8:52 فقام إليه رافع بن عمير الطائي
8:55 وقال أنا لك بها أيها الأمير
8:59 فقال وكيف
9:01 فقال نقطع الصحراء ابتداءً من قراقر
9:05 ومرورًا بسوى وأراك
9:07 وانتهاءً بتدمر
9:09 فإذا نحن خلف حمس في أواسط بلاد الشام
9:13 حيث ترابط جيوش المسلمين
9:16 فيفاجأوا بن الروم
9:18 فلا يدرون إن كنا هبطنا عليهم من السماء
9:21 أو نبعنا لهم من الأرض
9:24 فقال خالد
9:26 وكيف لنا بالماء في هذه الصحراء المغفرة
9:30 ومعنا عشرون ألف نسمة بين إنسان وجواد
9:34 فقال ما دام الله معنا
9:37 فأنا لك به
9:39 استشار خالد أصحاب الرأي من مقدم الجيش
9:43 فقالوا لا تفعل أيها الأمير
9:46 فالمسافة بين قراقر وسوى
9:49 لا تقطع بأقل من خمس ليال
9:52 وهي مفازة لا ماء فيها ولا مسالك
9:56 وإن اجتيازها على الراكب الفرد
9:59 يكاد يكون محالا
10:01 فكيف بهذا الجيش الكبير
10:04 فلا تعرض نفسك ونفوس المسلمين إلى الهلاك
10:07 فقال خالد
10:09 يا معشر المسلمين
10:11 لا يختلفن هديكم
10:13 ولا يضعفن يقينكم
10:15 وعلموا أن المعونة من الله
10:18 تأتي على قدر النية
10:20 وأن الأجر يكون على قدر المشقة
10:23 وأن المسلم لا ينبغي أن يبالي بشي
10:26 مادام ينتظر معونة ربه
10:29 ثم إن رافع بن عمير معنا
10:32 وليس فيكم من يجهل رافع ابن الصحراء
10:36 ثم قال والله لا بد من هذا
10:39 فقد عزمت على انفاذ أمر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
10:45 واستنقاذ جيش المسلمين من براثن الروم
10:49 فما كان منهم إلا أن استجابوا له طائعين
10:53 وقالوا أنت رجل قد جمع الله لك الخير
10:57 فافعل ما بدى لك
10:59 فقال جزاكم الله خيرا
11:02 ثم التفت إلى رافع وقال
11:05 افعل ما بدى لك يا رافع
11:08 فقال رافع اعتني أيها الأمير
11:11 بعشرين ناقة عظاما سمانا مسان
11:15 أي كبيرة السن
11:17 فأتي له بهن
11:19 فعمد إليهن رافع
11:21 فأعتشهن
11:23 فلما أجهدهن العطش
11:25 أوردهن الماء
11:27 فشربن حتى امتلأن
11:29 ثم قطع مشافرهن
11:31 أي شفاههن
11:33 وربط على أفواههن حتى لا يجترن
11:37 ثم حمل هذه النوق ما تطيق حمله من الماء
11:41 فأصبح الماء في بطونها وعلى ظهورها
11:45 وانطلق الجيش العتيد
11:47 وجعل يغذ السير بخيوله وأثقاله
11:51 فكان كلما نزل منزلا
11:53 قام رافع إلى النوق
11:55 وذبح أربعة منها
11:57 فأخذ ما في كروشها من الماء
12:00 ومزجه بلبنها وسقاه الخيل
12:03 وسق الجيش مما على ظهورها من الماء
12:07 فلما أتم الجيش المرحلة الخامسة من مراحل سيره
12:11 واستنفد سائر ما لديه من الماء
12:14 وأصبح على رافع أن يدل الجند على مصادره
12:18 شاء الله أن يصاب رافع بالرمد حتى ورمت عيناه
12:23 فغدا لا يبسر شيئا
12:26 فأتى إليه خالد وقال
12:28 ويحك يا رافع لقد ذبحنا النوق جميعها
12:33 ونفد الماء كله
12:35 وشارف الجيش على الهلاك
12:37 فقال
12:38 أنظروا لعلكم ترون جبلين على هيئة ثديين
12:43 فأطلق خالد بصره في كل اتجاه
12:46 ثم قال
12:47 هاهما نعم هاهما يا رافع
12:51 فقال رافع أبشروا
12:54 قوموا التمسوا بينهما شجرة عوسج
12:57 صفتها كذا وكذا
12:59 فالتمسوها فلم يجدوها
13:02 فقال رافع ويحكم
13:04 أنفضوا عنها الأرض نفضا إنها هنا
13:08 وعلموا أنكم إن لم تجدوها
13:10 هلكتم وهلكتم معكم
13:12 فهبوا يبحثون عن شجرة العوسج في كل بقعة
13:16 فما لبثوا أن وجدوها
13:18 وقد اجتثت وبقي أصلها في الأرض
13:21 فكبروا وكبر رافع معهم
13:24 ثم قال
13:25 احفروا في أصلها
13:27 فحفروا
13:28 فتفجرت من تحتها عين ماء عذب نمير
13:32 فازدادوا تهليلا وتكبيرا
13:35 وأقبلوا على رافع فرحين مستبشرين مهنئين
13:39 فقال لهم الحمد لله
13:42 والله لقد مررت بهذه الأرض مع أبي منذ ثلاثين عاما
13:47 وما أبصرتها عيناي بعد ذلك
13:50 تابع الجيش مسيرته حتى بلغ الروابي المشرفة على غوطة دمشق
13:56 فدفع خالد براية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رافع بن عمير
14:02 وأمره أن يركزها هناك
14:05 فركزها
14:06 وكانت تسمى العقاب
14:08 ثم التقى جيش خالد مع جيوش المسلمين الأربعة
14:12 التي كانت تترقب قدومه
14:15 وخاضوا معركة اليرموك
14:17 التي أذل الله فيها معاطس الشرك
14:20 ورفع بها راية الإسلام
14:23 وكانت إحدى المعارك الفاصلة الكبرى في التاريخ
14:27 وبعد
14:29 فهل تعلم أن رافع بن عمير
14:31 الذي كان يلقب إلى زمن قريب بالص الصحرى
14:36 قد أصبح يدعى برافع الخير
14:39 وهل تدري أن السبب في خلع هذا اللقب عليه
14:43 يرجع إلى وفرة بره بالفقرى
14:46 وكثرة عطفه على المحتاجين
14:49 فقد دأب على أن يطعم أهل ثلاث مساجد
14:53 من كسب يمينه وعرق جبينه
14:56 وهو قانع من الدنيا بثوب واحد
14:59 يلبسه في البيت
15:01 ويخرج به إلى الصلاة
15:04 ولا يأخذنك العجب من ذلك
15:08 فقد تتلمد رافع بن عمير ساعة
15:11 في مدرسة محمد عليه الصلاة والسلام
15:15 وأضاء في صدره قبس من نور الإيمان
15:19 رافع بن عمير أهدا بدوي برمال الصحرى
15:27 وأدل الناس على طرقها المؤرخون
15:33 بمحمد وبصحبه
15:36 قد غوثس الصرح المشيد
15:39 يا شيار أسعفني أفض
15:41 في مدحهم هل من أزيك