ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 68 من 80
صور من حياة الصحابة - الحلقة (95) - رافع بن عمير الطائي رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:26
رافع بن عمير الطائي
0:32
رضي الله عنه
0:48
هل أتاك نبأ رافع بن عمير الطائي
0:54
داهية الصحراء
0:56
وفاتكها الكبير
0:58
لقد طلع الإسلام على رافع
1:00
فلم يلقي إليه بالا
1:02
ولم يعره أي التفاتة
1:04
ذلك لأنه كان مشغولا عنه بالإغارة على أحياء العرب
1:09
واستلاب كرائم إبلهم
1:12
ولا تحسبن أن رافعا كان زعيم قبيلة من قبائل العرب
1:17
أو كانت له سرية يغزو بها
1:20
أو عصبة تشد أزرى
1:22
لم يكن رافع شيئا من ذلك ولا قريبا من ذلك
1:27
وإنما كان بدويا من أبناء الصحراء
1:30
كون لنفسه جيشا من نفسه
1:33
وجعل يشن غاراته على بيوت العرب وحيدا فريدا
1:38
ويرزأ الناس بأعز ما يملكونه
1:41
ثم يعود سالما غانما موفورا
1:45
وقد تقول ألم يكن في هذه الأحياء التي يغير عليها رافع
1:50
أبطال أنجاد قادرون على مطاردة هذا الفاتك
1:55
واستنقاذ كرائم إبلهم منه والقضاء عليه
2:00
بلى إنه كان في أبناء الصحراء
2:03
من لا يقلون عن رافع شجاعة وجرأة وإقداما
2:08
ولكنه لم يكن بينهم من يماثله في معرفة أسرار هذه الصحراء
2:14
والقدرة على النفوذ إلى أغوارها
2:17
حتى عرف بين العرب
2:19
بأنه أهدا بدوي برمال الصحراء
2:23
وأدل الناس على طرقها
2:26
وقد كان من شأن رافع
2:28
أنه إذا عزم على غزو قوم
2:31
أن يستحضر عددا كبيرا من بيض النعام
2:34
وأن يملأه بالماء
2:36
وأن يدفنه في الأماكن البعيدة التي لا تطأها قدم في بطن الصحراء
2:42
ثم يشن غارته على من يشاء من أحياء العرب
2:46
ويسوق الإبل التي يستلبها أمامه
2:49
ويمضي بها إلى تلك المفاوز التي لم تعطي سرها لأحد غيره
2:55
فإذا دخل فيها وأوغل في متاهاتها
2:59
كف أصحابها عن مطاردته
3:01
وعادوا أدراجهم
3:03
خشية على أنفسهم من الهلاك عطشا أو ضياعة
3:07
وفي سنة التاسعة للهجرة
3:10
بعث الرسول صلوات الله وسلامه عليه عمر بن العاص
3:14
على رأس سرية من سرايا المسلمين إلى بلاد طيء
3:19
وأمره بأن يستنفر من أسلم من العرب
3:22
للخروج معه إلى الشام لقتال الروم
3:25
وأن يستألف من لم يسلموا منهم حتى لا ينضموا إلى أعدائه
3:30
وكان في السرية أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب
3:35
وطائفة من جلة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:40
فانطلقوا حتى إذا بلغوا جبل طيء
3:44
عميت عليهم الطرق
3:46
وخافوا على أنفسهم من الضياع والهلاك
3:50
فقال عمر بن الخطاب
3:52
هاتوا لنا رجلا خبيرا يكون دليلا لنا في هذه المفاوز
3:58
فقيل له ليس لكم إلا رافع بن عمير الطائي
4:03
فإنه أعرف الناس بهذه الفيافي وأبصرهم بمسالكها
4:08
فدعوا رافع واتخذوه دليلا لهم
4:12
قضى رافع بن عمير مع هذه الصفوة المختارة
4:16
من أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه عليه
4:20
أياما بلياليها حتى أنجزوا ما أمروا به
4:24
فرأى رافع من كريم شمائلهم ونبيل خصائلهم
4:28
وسمو هديهم ما زرع حبهم في قلبه زرعا
4:33
لقد وجدهم عبادا في الليل فرسانا في النهار
4:37
زهادا في الدنيا رغابا بما عند الله من حسن الثواب
4:43
فكان له معهم شأن يرويه لك رافع بنفسه فيقول
4:48
لقد كنت خلال صحبتي للقوم أتأملهم جميعا
4:53
وأتفرس منهم أبا بكر خاصة وأتوسمه وأوثره
4:58
بهتمامي على سائر أصحابه وفي كل خير
5:03
فلما عدنا إلى المنازل التي خرجنا منها
5:07
وأوشكوا أن يفارقونا أحسست أنهم سيغدون معهم بقلبي
5:12
فأتيت أبا بكر وقلت يا رفيق الخير
5:16
إني توسمتك واخترتك من بين أصحابك
5:20
فاذكر لي شيئا إذا حفظته كنت منكم ومثلكم
5:25
فقال أتحفظ أصابعك الخمس؟
5:29
قلت نعم فقال عد عليها
5:33
تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
5:38
وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إن كان لك مال
5:43
وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا
5:48
ثم قال هل حفظت؟ فقلت نعم واسمع مني
5:53
إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
5:59
وأما الصلاة فلن أتركها أبدا
6:03
وأما الزكاة فإن يكلي مال أؤدها
6:07
وأما رمضان فسأصومه ما حييت
6:11
وأما الحج فإن استطع حج إن شاء الله
6:16
ومنذ ذلك اليوم طوالص الصحراء رافع بن عمير
6:21
تلك الصفحة السوداء من حياته وفتح الصفحة الأخرى
6:26
الصفحة المشرقة بنور الإيمان المتلألأت بضياء القرآن
6:32
لقد كان ذلك نبأ رافع بن عمير في جاهليته
6:36
فإليك طرافا من نبأه بعد إسلامه
6:40
سير خليفة المسلمين أبو بكر الصديق
6:45
جيشا مكونا من أربع فرق لغزو الروم في بلاد الشام
6:50
فاندفع الجيش الغازي في سبيل الله يحرر البلاد ويهدى العباد
6:56
ويرفع في كل أرض تطأها قدماه صوت الأذان
7:00
ليعلن للناس أن عهد العبودية للقياصرة قد انقضى
7:05
وأن العبودية لله وحدة حتى بلغ مشارف دمشق
7:10
ثم انطلق منها إلى مدينة حمص في أواسط سورية
7:15
لم يكن الروم يحسبون حسابا لجيش المسلمين أو يأبهون له
7:20
فلما رأوه يلحق بهم الهزيمة تتلو الهزيمة
7:24
ويهدد جندهم بالفناء حشدوا جيوشهم في أنطاكية
7:29
واستقدم النجدات من أطراف الدولة البيزنطية
7:33
حتى اجتمع لهم مئتان وخمسون ألف محارب
7:37
ثم دفعوا بهذا الجيش العرمر من لجب في وجه المسلمين
7:42
فمضى يسترد البلاد التي فقدها الروم
7:46
ويهدد جند المسلمين بالفناء
7:49
فطير المسلمون رسلا من عندهم إلى المدينة
7:52
يصفون للخليفة الموقف ويقولون الغوث الغوث
7:57
والعجل العجل
7:59
كان خالد بن الوليد إذاك في العراق
8:02
على رأس جيشه الكبير الفاتح
8:05
فأرسل إليه الصديق يأمره بالتوجه توا إلى بلاد الشام
8:10
لنجدة الجيش المهدد بالفناء
8:13
ويبصره بالكارثة التي توشك أن تحل بالمسلمين
8:18
فاستجاب خالد لأمر الخليفة
8:21
ومضى بعشرة آلاف من صناديد المسلمين
8:25
فيهم رافع بن عمير الطائي
8:28
ليكونوا مددًا لجيش المسلمين في الشام
8:31
لقد كان على خالد بن الوليد
8:34
أن يصل بجيشه إلى سورية في أقصر وقت
8:38
وأن يسلك طريقًا يتجنب فيه مواجهة الروم
8:42
حتى لا تحول دونه ودون الالتقاء مع المسلمين
8:46
فجعل يستشير أصحابه ويقول
8:49
مل لي بمثل هذه الطريق
8:52
فقام إليه رافع بن عمير الطائي
8:55
وقال أنا لك بها أيها الأمير
8:59
فقال وكيف
9:01
فقال نقطع الصحراء ابتداءً من قراقر
9:05
ومرورًا بسوى وأراك
9:07
وانتهاءً بتدمر
9:09
فإذا نحن خلف حمس في أواسط بلاد الشام
9:13
حيث ترابط جيوش المسلمين
9:16
فيفاجأوا بن الروم
9:18
فلا يدرون إن كنا هبطنا عليهم من السماء
9:21
أو نبعنا لهم من الأرض
9:24
فقال خالد
9:26
وكيف لنا بالماء في هذه الصحراء المغفرة
9:30
ومعنا عشرون ألف نسمة بين إنسان وجواد
9:34
فقال ما دام الله معنا
9:37
فأنا لك به
9:39
استشار خالد أصحاب الرأي من مقدم الجيش
9:43
فقالوا لا تفعل أيها الأمير
9:46
فالمسافة بين قراقر وسوى
9:49
لا تقطع بأقل من خمس ليال
9:52
وهي مفازة لا ماء فيها ولا مسالك
9:56
وإن اجتيازها على الراكب الفرد
9:59
يكاد يكون محالا
10:01
فكيف بهذا الجيش الكبير
10:04
فلا تعرض نفسك ونفوس المسلمين إلى الهلاك
10:07
فقال خالد
10:09
يا معشر المسلمين
10:11
لا يختلفن هديكم
10:13
ولا يضعفن يقينكم
10:15
وعلموا أن المعونة من الله
10:18
تأتي على قدر النية
10:20
وأن الأجر يكون على قدر المشقة
10:23
وأن المسلم لا ينبغي أن يبالي بشي
10:26
مادام ينتظر معونة ربه
10:29
ثم إن رافع بن عمير معنا
10:32
وليس فيكم من يجهل رافع ابن الصحراء
10:36
ثم قال والله لا بد من هذا
10:39
فقد عزمت على انفاذ أمر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
10:45
واستنقاذ جيش المسلمين من براثن الروم
10:49
فما كان منهم إلا أن استجابوا له طائعين
10:53
وقالوا أنت رجل قد جمع الله لك الخير
10:57
فافعل ما بدى لك
10:59
فقال جزاكم الله خيرا
11:02
ثم التفت إلى رافع وقال
11:05
افعل ما بدى لك يا رافع
11:08
فقال رافع اعتني أيها الأمير
11:11
بعشرين ناقة عظاما سمانا مسان
11:15
أي كبيرة السن
11:17
فأتي له بهن
11:19
فعمد إليهن رافع
11:21
فأعتشهن
11:23
فلما أجهدهن العطش
11:25
أوردهن الماء
11:27
فشربن حتى امتلأن
11:29
ثم قطع مشافرهن
11:31
أي شفاههن
11:33
وربط على أفواههن حتى لا يجترن
11:37
ثم حمل هذه النوق ما تطيق حمله من الماء
11:41
فأصبح الماء في بطونها وعلى ظهورها
11:45
وانطلق الجيش العتيد
11:47
وجعل يغذ السير بخيوله وأثقاله
11:51
فكان كلما نزل منزلا
11:53
قام رافع إلى النوق
11:55
وذبح أربعة منها
11:57
فأخذ ما في كروشها من الماء
12:00
ومزجه بلبنها وسقاه الخيل
12:03
وسق الجيش مما على ظهورها من الماء
12:07
فلما أتم الجيش المرحلة الخامسة من مراحل سيره
12:11
واستنفد سائر ما لديه من الماء
12:14
وأصبح على رافع أن يدل الجند على مصادره
12:18
شاء الله أن يصاب رافع بالرمد حتى ورمت عيناه
12:23
فغدا لا يبسر شيئا
12:26
فأتى إليه خالد وقال
12:28
ويحك يا رافع لقد ذبحنا النوق جميعها
12:33
ونفد الماء كله
12:35
وشارف الجيش على الهلاك
12:37
فقال
12:38
أنظروا لعلكم ترون جبلين على هيئة ثديين
12:43
فأطلق خالد بصره في كل اتجاه
12:46
ثم قال
12:47
هاهما نعم هاهما يا رافع
12:51
فقال رافع أبشروا
12:54
قوموا التمسوا بينهما شجرة عوسج
12:57
صفتها كذا وكذا
12:59
فالتمسوها فلم يجدوها
13:02
فقال رافع ويحكم
13:04
أنفضوا عنها الأرض نفضا إنها هنا
13:08
وعلموا أنكم إن لم تجدوها
13:10
هلكتم وهلكتم معكم
13:12
فهبوا يبحثون عن شجرة العوسج في كل بقعة
13:16
فما لبثوا أن وجدوها
13:18
وقد اجتثت وبقي أصلها في الأرض
13:21
فكبروا وكبر رافع معهم
13:24
ثم قال
13:25
احفروا في أصلها
13:27
فحفروا
13:28
فتفجرت من تحتها عين ماء عذب نمير
13:32
فازدادوا تهليلا وتكبيرا
13:35
وأقبلوا على رافع فرحين مستبشرين مهنئين
13:39
فقال لهم الحمد لله
13:42
والله لقد مررت بهذه الأرض مع أبي منذ ثلاثين عاما
13:47
وما أبصرتها عيناي بعد ذلك
13:50
تابع الجيش مسيرته حتى بلغ الروابي المشرفة على غوطة دمشق
13:56
فدفع خالد براية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رافع بن عمير
14:02
وأمره أن يركزها هناك
14:05
فركزها
14:06
وكانت تسمى العقاب
14:08
ثم التقى جيش خالد مع جيوش المسلمين الأربعة
14:12
التي كانت تترقب قدومه
14:15
وخاضوا معركة اليرموك
14:17
التي أذل الله فيها معاطس الشرك
14:20
ورفع بها راية الإسلام
14:23
وكانت إحدى المعارك الفاصلة الكبرى في التاريخ
14:27
وبعد
14:29
فهل تعلم أن رافع بن عمير
14:31
الذي كان يلقب إلى زمن قريب بالص الصحرى
14:36
قد أصبح يدعى برافع الخير
14:39
وهل تدري أن السبب في خلع هذا اللقب عليه
14:43
يرجع إلى وفرة بره بالفقرى
14:46
وكثرة عطفه على المحتاجين
14:49
فقد دأب على أن يطعم أهل ثلاث مساجد
14:53
من كسب يمينه وعرق جبينه
14:56
وهو قانع من الدنيا بثوب واحد
14:59
يلبسه في البيت
15:01
ويخرج به إلى الصلاة
15:04
ولا يأخذنك العجب من ذلك
15:08
فقد تتلمد رافع بن عمير ساعة
15:11
في مدرسة محمد عليه الصلاة والسلام
15:15
وأضاء في صدره قبس من نور الإيمان
15:19
رافع بن عمير أهدا بدوي برمال الصحرى
15:27
وأدل الناس على طرقها المؤرخون
15:33
بمحمد وبصحبه
15:36
قد غوثس الصرح المشيد
15:39
يا شيار أسعفني أفض
15:41
في مدحهم هل من أزيك