ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 26 من 73
صور من حياة الصحابة - الحلقة (49) - خباب بن الأرت رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
خباب بن الأرض رضي الله عنه
0:47
مضت أم أنمار الخزاعية إلى سوق النخاسين في مكة
0:51
فقد كانت تريد أن تبتاع لنفسها غلاما
0:55
تنتفع بخدمته وتستثمر عمل يده
0:58
وطفقت تتفرس في وجوه العبيد المعروضين للبيع
1:02
فوقع اختيارها على صبي لم يبلغ الحلم
1:06
رأت في صحة جسده ومخاير نجابة البادية على وجه
1:11
ما أغراها بشرائه
1:13
فدفعت ثمنه وانطلقت به
1:16
وفيما هما في بعض الطريق
1:18
التفتت أم أنمار إلى الصبي وقالت
1:21
مسمك يا غلام
1:23
فقال
1:24
خباب
1:26
فقالت
1:27
ومسم أبيك
1:29
قال
1:30
أل أردت
1:31
فقالت
1:32
ومن أين أنت
1:34
قال من نجد
1:36
فقالت
1:37
إذن أنت عربي
1:39
قال نعم
1:40
ومن بني تميم
1:42
قالت
1:43
ومن الذي أوصلك إلى أيدي النخاسين في مكة
1:47
قال
1:48
أغارت على حينا قبيلة من قبائل العرب
1:51
فاستاقت الأنعام وسبت النساء
1:54
وأخذت الذرار
1:56
وكنت في من أخذ من الغلمان
1:59
ثم ما زالت تتداولني الأيدي
2:02
حتى جئ به إلى مكة
2:04
وصرت في يدك
2:06
دفعت أم أنمار غلامها إلى قين من قيون مكة
2:10
ليعلمه صناعة السيوف
2:13
فما أسرع أن حذق الغلام الصنعة وتمكن منها أحسن تمكن
2:18
ولم اشتد ساعد خباب وصل بعوده
2:23
استأجرت له أم أنمار دكانا
2:26
واشترت له عدة
2:28
وجعلت تستثمر مهارته في صنع السيوف
2:32
لم يمضي غير قليل على خباب حتى شهر في مكة
2:37
وجعل الناس يقبلون على شراء سيوفه
2:40
لما كان يتحلى به من الأمانة والصدق وإتقان الصنعة
2:45
وقد كان خباب على الرغم من فتائه
2:48
يتحلى بعقل الكملة وحكمة الشيوخ
2:52
وكان إذا ما فرغ من عمله وخلاء إلى نفسه
2:56
كثيرا ما يفكر في هذا المجتمع الجاهلي
3:00
الذي غرق في الفساد من أخمص قدميه إلى قمة رأسه
3:05
ويهوله ماران على حياة العرب من جهالة جهلا
3:09
وظلالة عمياء
3:11
كان هو نفسه أحد ضحاياها
3:14
وكان يقول لا بد لهذا الليل من آخر
3:19
وكان يتمنى أن تمتد به الحياة
3:22
ليرى بعينيه مصرع الظلام ومولد النور
3:26
لم يطل انتظار خباب كثيرا
3:29
فقد ترام إليه أن خيطا من نور
3:32
قد تألق من فمفة من فتيان بني هاشم
3:36
يدعى محمد بن عبد الله
3:39
فمضى إليه وسمع منه
3:41
فبهره لألاء وغمره سناه
3:45
فبسط يده إليه
3:47
وشهد أن لا إله إلا الله
3:50
وأن محمد عبده ورسوله
3:53
فكان سادس ستة أسلموا على ظهر الأرض
3:57
حتى قيل مضى على خباب وقت وهو سدس الإسلام
4:03
لم يكتم خباب إسلامه عن أحد
4:06
فما لبث أن بلغ خبره أم أنمار
4:09
فاستشاطت غضبا وغيضا
4:12
وصحبت أخاها سباع بن عبد العزة
4:15
ومحق بهما جماعة من فتيان خزاعة
4:18
ومضوا جميعا إلى خباب
4:21
فوجدوه منهمكا في عمله
4:23
فأقبل عليه سباع وقال
4:26
لقد بلغنا عنك نبأ لم نصدق
4:29
فقال خباب وما هو
4:32
فقال سباع يشاع أنك صبأت وتبعت غلام بني هاشم
4:37
فقال خباب في هدو
4:40
ما صبأت وإنما آمنت بالله وحده لا شريك له
4:44
ونبذت أصنامكم
4:46
وشهدت أن محمدا عبد الله ورسوله
4:50
فما إلا مست كلمات خباب مسامع سباع ومن معه
4:54
حتى نهالوا عليه وجعلوا يضربونه بأيديهم
4:58
ويركلونه بأقدامهم
5:01
ويقذفونه بما يصلون إليه من المطارق وقطع الحديد
5:06
حتى هوائل الأرض فاقد الوعي
5:09
والدماء تنزف منه
5:12
سرى في مكة خبر ما جرى بين خباب وسيدته سريان النار في الهشيم
5:18
وذهل الناس من جرأة خباب
5:21
إذ لم يكونوا قد سمعوا من قبل
5:23
أن أحدا اتبع محمدا ووقف بين الناس يعلن اسلامه
5:28
بمثل هذه الصراحة والتحدي
5:31
واهتز شيوخ قريش لأمر خباب
5:34
فما كان يخطر على بالهم أن قينا كقين أم أنمار
5:39
لا عشيرة له تحميه
5:41
ولا عصبية عنده تمنعه وتؤويه
5:44
تصل به الجرأة إلى أن يخرج على سلطانها
5:48
ويجهر بسب آلهتها
5:50
ويسفها دين آبائها وأجدادها
5:54
وأيقنت أن هذا يوم له ما بعده
5:58
ولم تكن قريش على خطأ فيما توقعت
6:01
فلقد أغرت جرأة خباب كثيرا من أصحابه بأن يعلنوا اسلامهم
6:07
فطفقوا يصدعون بكلمة الحق واحدا بعد آخر
6:11
اجتمع سادة قريش عند الكعبة
6:14
وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب
6:17
والوليد بن المغيرة
6:19
وأبو جهل بن هشام
6:21
وتذاكروا في شأن محمد
6:23
فرأوا أن أمره أخذ يزداد ويتفاقم يوما بعد يوم
6:28
وساعة إثر ساعة
6:30
فعزموا على أن يحسموا الداء قبل استفحاله
6:34
وقرروا أن تثب كل قبيلة على من فيها من أتباعه
6:39
وأن تنكل بهم حتى يرتدوا عن دينهم أو يموتوا
6:44
وقد وقع على سباع بن عبد العزة وقومه عبء تعذيب خباب
6:50
فكانوا إذا اشتدت الهاجرة وغدت أشعة الشمس تلهب الأرض إلهابا
6:56
أخرجوه إلى بطحاء مكة
6:58
ونزعوا عنه ثيابة
7:00
وألبسوه دروع الحديد
7:02
ومنعوا عنه الماء
7:04
حتى إذا بلغ منه الجهد كل مبلغ
7:07
أقبلوا عليه وقالوا
7:09
ما تقول في محمد
7:11
فيقول عبد الله ورسوله
7:15
جاءنا بدين الهدا والحق
7:17
ليخرجنا من الظلمات إلى النور
7:20
فيوسعونه ضربا ولكما
7:23
ثم يقولون له
7:25
وما تقول في الله والعزة
7:27
فيقول صنمان أصمان أبكمان
7:31
لا يضران ولا ينفعان
7:34
فيأتون بالحجارة المحمية
7:37
ويلصقونها بظهره
7:39
ويبقونها عليه حتى يسيل دهن كتفين
7:43
ولم تكن أم أنمار أقل قسوة على خباب من أخيها سباع
7:48
فقد رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بدكانه ويكلمه
7:54
فجن جنونها لما رأت
7:57
وأخذ التجيء إلى خباب يوما بعد يوم
8:00
فتأخذ حديدة محمية من كيره
8:03
وتضعها على رأسه حتى يدخن رأسه
8:07
ويغمى عليه
8:08
وهو يدعو عليها وعلى أخيها سباع
8:12
ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
8:16
لأصحابه بالهجرة إلى المدينة
8:19
تهيئ خباب للخروج
8:22
غير أنه لم يبارح مكة
8:24
إلا بعد أن استجاب الله دعاءه على أم أنمار
8:29
فقد أصيبت بصداع لم يسمع بمثل آلامه قط
8:34
فكانت تعوي من شدة الوجع كما تعوي الكلاب
8:39
وقام أبناؤها يستطبون لها في كل مكان
8:43
فقيل لهم إنه لا شفاء لها من أوجاعها
8:48
إلا إذا دابت على كي رأسها بالنار
8:51
فجعلت تكوي رأسها بالحديد المحمي
8:55
فتلقى من أوجاع الكي ما ينسيها آلام الصداع
9:00
ذاق خباب في كنف الأنصار في المدينة طعماً راحة
9:04
التي حرم منها دهراً طويلاً
9:07
وقرت عينه بقرب نبيه صلوات الله وسلامه عليه
9:12
دون أن يكدره مكدر أو يعكر صفوه معكر
9:17
وشهد مع النبي الكريم بدرا
9:20
وقاتل تحت رايته
9:22
وخرج معه إلى أحد
9:24
فآقر الله عينه برؤية سباع بن عبد العزة
9:28
أخي أم أنمار
9:30
وهو يلقى مصرعه على يد أسد الله
9:33
حمزة بن عبد المطلب
9:35
وامتدت به الحياة
9:37
حتى أدرك خلفاء رسول الله الراشدين الأربعة
9:42
وعاش في رعايتهم جليل القدر نبيها الذكر
9:46
دخل ذات يوم على عمر بن الخطاب في خلافته
9:50
فأعلى عمر مجلسة
9:52
وبالغ في تقريبه وقال له
9:55
ما أحد أحق منك بهذا المجلس غير بلال
9:59
ثم سأله عن أشد ما لقي من أذى المشركين
10:03
فاستحيا أن يجيبه
10:06
فلما ألح عليه أزاح رداءه عن ظهره
10:10
فجفل عمر مما رأى
10:12
وقال كيف صار ذلك
10:15
فقال خباب
10:17
أوقد المشركون لي حطبا حتى أصبح جمر
10:21
ثم نزعوا عني ثيابي
10:24
وجعلوا يجرونني عليه
10:26
حتى سقط لحمي عن عظام ظهري
10:29
ولم يطفئ النار إلا الماء الذي نز من جسدي
10:34
اغتنا خباب في الشطر الأخير من حياته بعد فقر
10:39
وملك ما لم يكن يحلم به من الذهب والفضة
10:43
غير أنه تصرف في ماله على وجه لا يخطر ببال أحد
10:48
فقد وضع دراهمه ودنانيره في موضع من بيته
10:52
يعرفه ذو الحاجات من الفقراء والمساكين
10:56
ولم يشدد عليه رباطة
10:59
ولم يحكم عليه قفلا
11:01
فكانوا يأتون داره ويأخذون منه ما يشاءون
11:05
دون سؤال أو استئذان
11:08
ومع ذلك
11:10
فقد كان يخشى أن يحاسب على ذلك المال
11:13
وأن يعذب بسببه
11:15
حدث جماعة من أصحابه قالوا
11:18
دخلنا على خباب في مرض موته
11:21
فقال إن في هذا المكان ثمانين ألف درهم
11:26
والله ما شددت عليها رباطا قط
11:29
ولا منعت منها سائلا قط
11:32
ثم بكى
11:34
فقالوا له ما يبكيك
11:36
فقال أبكي لأن أصحابي مضوا
11:41
ولم ينالوا من أجورهم في هذه الدنيا شيئا
11:45
وأنني بقيت
11:47
فنلت من هذا المال
11:49
ما أخاف أن يكون ثوابا لتلك الأعمال
11:54
ولما لحق خباب بجوار ربه
11:57
وقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على قبره
12:03
وقال رحم الله خبابا
12:06
فلقد أسلم راغبا
12:09
وهاجر طائعا
12:11
وعاش مجاهدا
12:13
ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا
12:18
رحم الله خبابا
12:20
فقد أسلم راغبا
12:22
وهاجر طائعا
12:24
وعاش مجاهدا
12:27
علي بن أبي طالب