ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 56 من 65
صور من حياة الصحابة - الحلقة (96) - عثمان بن مظعون رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
عثمان بن مضعون رضي الله عنه
0:51
كانت العرب في الجاهلية
0:53
ترى أن العيش كل العيش في كأس خمر
0:57
ينتش الشاربون بحمياها
0:59
وغانية لعوب يستمتع المعجبون بجمالها
1:04
وغزوة على ظهور الجياد الصافنات
1:07
يستحل بها الغزاة ما حرم الله من دماء العباد وأموالهم
1:13
لكن عثمان بن مضعون أحد حكماء العرب في الجاهلية
1:18
كان يرى أن للحياة غايات أسمى من ذلك
1:22
وأهدافا أجل
1:24
من أجل ذلك حرم الخمرة على نفسه
1:28
فما عرف لها طعما
1:30
ولما سئل عن ذلك قال
1:33
تبا لكم أأشرب شيئا يذهب عقلي
1:37
ويضحك مني من هو دوني
1:40
ويجعلني أنكح كريمتي لمن لا أريد
1:43
والله لا أذوقها ما امتدت بي الحياة
1:47
ولما أشرقت جزيرة العرب بنور الإسلام
1:51
وبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم
1:55
بدين الهدى والحق
1:57
كان عثمان بن مضعون من المبادرين
2:00
إلى الدخول في دين الله عز وجل
2:03
إذ لم يسبقه إلى هذا الخير غير 12 رجلا
2:08
ولإسلام عثمان بن مضعون
2:11
قصة رواها عبدالله بن عباس رضي الله عنهما
2:15
قال بينما كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه
2:21
جالسا بفناء بيته في مكة
2:24
إذ مر به عثمان بن مضعون غير آبه الله
2:28
أو ملتفت إليه
2:30
فقال له النبي عليه الصلاة والسلام
2:33
ألا تجلس إلي يا أبا السائب
2:36
نتحدث ساعة
2:38
قال بلى
2:39
ثم جلس أمامه
2:41
وبينما هو يحدث النبي صلوات الله وسلامه عليه
2:46
رآه وقد شخص ببصره إلى السماء
2:49
وثبت نظره فيها قليلا من الوقت
2:53
ثم جعل يهبط ببصره إلى الأرض شيئا فشيئا
2:58
حتى استقر فيها
3:00
ثم أخذ يتحرف عن جليسه عثمان بن مضعون
3:04
حتى بلغ المكان الذي وضع بصره فيه
3:08
ثم جعل يحرك رأسه
3:10
كأنه يستفهم عن شيء يقال له
3:13
كل ذلك جعل عثمان بن مضعون
3:16
ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام
3:19
دهشا مما رأى
3:21
مستغربا ما وقع
3:23
فلما بدى الرسول صلوات الله وسلامه عليه
3:27
وكأنه وعى جميع ما قيل له
3:30
أخذ يرفع بصره نحو السماء شيئا فشيئا
3:34
كأنما يتتبع أحدا
3:37
ثم علق بصره بذلك الذي توارى في السماء
3:41
كأنه يتملا منه ويودعه
3:44
ثم عدل إلى عثمان بن مضعون
3:47
ببصره وجسده
3:49
كما كان أول الأمر
3:51
عند ذلك حدق عثمان بن مضعون
3:54
ببصره في وجه الرسول صلوات الله وسلامه عليه طويلا
3:59
وقال يا محمد
4:02
لقد جالستك قبل ذلك كثيرا
4:05
فما رأيتك تفعل فعلك اليوم
4:08
فقال النبي صلى الله عليه وسلم
4:11
وهل تنبهت إلى ذلك يا عثمان
4:14
قال نعم لقد تنبهت إليه
4:17
فقال النبي عليه الصلاة والسلام
4:20
أتاني رسول الله جبريل آنفا وأنا جالس
4:24
فقال عثمان
4:26
تقول رسول الله
4:28
فقال النبي صلى الله عليه وسلم
4:31
نعم
4:32
قال ومن الذي قاله لك
4:35
قال لقد قال لي
4:39
إن الله يأمر بالعدل والإحسان
4:45
وإيتاء ذي القرب
4:49
وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغ
4:57
يعذكم لعلكم تذكروا
5:01
قال عثمان
5:04
يأمر بالعدل والإحسان
5:06
وإيتاء ذي القرب
5:08
وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغ
5:11
نعم ما جاءك به
5:14
فلقد أمر بلباب الخير
5:16
ونهى عن جذور الشر كلها
5:19
قال عثمان
5:22
فما إن سمعت ما سمعته منه
5:24
حتى استقر الإيمان في قلبي
5:27
وصار محمد صلى الله عليه وسلم
5:30
أحب إلي من نفسي وولدي
5:33
ثم أسلمت لرب العالمين
5:36
وأسلم معي ابن السائب
5:38
وأخوى قدامة وعبد الله
5:41
لم تنكر قريش في بادئ الأمر
5:44
على المسلمين إسلامهم
5:46
فما كانت تزيد إذا رأت محمدا يمر بها
5:50
على أن تقول في سخرية
5:52
إن غلام بني هاشم يكلم من السماء
5:56
ويتنزل عليه الوحي منها
5:59
فلما عاب النبي عليه الصلاة والسلام
6:02
آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله
6:06
وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا كفارا
6:10
غضبوا لذلك أشد الغضب
6:13
وأوقدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم
6:16
وأصحابه نيران العداوة والبغضاء
6:20
فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين
6:24
وطفقت ترهقهم من أمرهم عسرا
6:27
فتضرب أجسادهم بالسياط
6:30
وتكوي أبدانهم بالنار
6:32
وتطرحهم على الرمال الملتهبة في رمضاء مكة
6:36
لتردهم عن دينهم
6:38
والرسول عليه الصلاة والسلام
6:41
يرى بعينيه ما يحل بأصحابه
6:44
فيتفطر قلبه أسا عليهم
6:47
ولوعة على ما يعانون
6:49
ولا يملك إلا أن يقول لهم
6:52
صبرا صبرا فإن موعدكم الجنة
6:56
عند ذلك أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
7:01
لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة
7:04
فارتحلت إليها طائفة من المؤمنين
7:07
مخلفين وراءهم الأهل والوطن
7:10
مودعين العشيرة والسكن
7:13
فارين بدينهم إلى الله
7:16
وكان في طليعة المهاجرين
7:18
عثمان بن مضعون
7:20
وبنه وأخواه
7:22
لم يمضي على هجرة المسلمين إلى الحبشة طويل وقت
7:27
حتى جاءتهم الأخبار كاذبة
7:30
أن جل قريش قد دخلوا في دين الله
7:34
وأمنوا بما أنزل على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:39
فعاد كثير منهم إلى مكة
7:42
وهم لا يعلمون ما يخبئه لهم القدر من ابتلاء
7:46
وكان في طريعة العائدين عثمان بن مضعون
7:51
وما إن وطئت أقدامهم أرض مكة
7:54
حتى استقبلتهم قريش بمثل ما ودعتهم به من تعذيب وتنكيل
8:00
وأحلت بهم من الأذى والضر ما لا يطيقون
8:05
فدخل عثمان بن مضعون في جوار الوليد بن المغيرة
8:09
سيد بني مخزوم وأكبر زعماء قريش
8:13
ووالد سيف الله خالد
8:16
فقد كانت تربطه به بعض الأواصر العريقة القديمة
8:21
عاش عثمان بن مضعون في حمى الوليد بن المغيرة
8:25
ولقي في جواره أقصى ما يطمح إليه من السلام والأمن
8:30
ولكنه لم يطب نفسا بهذه الحماية
8:34
فقد كان ينغص عليه حياته الوادعة الآمنة
8:38
أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
8:42
يلقى من أذى قريش ما يلقاه
8:45
وأن إخوته في الله يعانون من بطشهم ما يعانون
8:49
مما جعله يتهم نفسه بالأثرة والجبن وضعف الإيمان
8:54
ويتقلب على نار هادئة من تعذيب الضمير
8:59
فلنترك لعثمان بن مضعون للحديث عن أزمته النفسية هذه
9:04
حيث قال لما رأيت ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء
9:11
وأنا أغدو وأروح في أمان من الوليد بن المغيرة
9:16
قلت في نفسي تبا لك يا ابن مضعون
9:20
إنك تعيش آمنا مطمئنا في جوار رجل مشرك
9:25
والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبك
9:33
إن في ذلك لنقصا كبيرا في نفسك وضعفا خطيرا في إيمانك
9:39
ثم مشيت إلى الوليد بن المغيرة وقلت له
9:43
يا أبا عبد شمس لقد وفيت لي بذمتك
9:48
ولقيت في حماك السلامة والأمن
9:51
ولكني أريد أن أرد إليك جوارك
9:55
قال ولما يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي
10:02
فقلت لا ولكني آثرت جوار الله على كل جوار
10:07
فلا أريد أن أستجير بأحد غيره
10:11
قال إذا كان لا بد من ذلك فانطلق معي إلى المسجد
10:16
فردد علي جواري على ملأ من قريش
10:20
كما أجرتك على ملأ منهم
10:23
فانطلقنا حتى آتينا المسجد
10:26
فقال الوليد يا قوم هذا عثمان بن مضعون
10:31
جاء يرد علي جواري فقلت صدق
10:35
وإني وجدته وفيا كريم الجوار
10:39
ولكني أردت أن لا أستجير بغير الله
10:42
فرددت عليه جواره
10:45
قال عثمان بن مضعون
10:47
ثم صرفت فمررت بمجلس لقريش
10:50
توسطه لبيد الشاعر
10:53
وجعل ينشد القوم شيئا من شعره والناس يسمعون
10:57
فقال لبيد
10:59
ألا كل شيء ما خل الله باطل
11:03
فقلت صدقت
11:05
فأتبع يقول
11:07
وكل نعيم لا محالة زائل
11:10
فقلت كذبت
11:12
إن نعيم الجنة لا يزول
11:15
فاستشاطل بيد غيضا من كلمة هذه وقال
11:19
يا معشر قريش
11:21
والله ما كان يؤذى جليسكم
11:24
فمتى حدث فيكم هذا
11:27
فقال رجل من القوم
11:29
إن هذا رجل سفيه
11:31
من جماعة سفها
11:33
قد نبذوا آلهتنا وفارقوا ديننا
11:36
فلا يغيظنك قوله
11:39
أقبلت على الرجل الذي قال فينا وفي ديننا ما قال
11:43
وتلاحيت معه
11:45
فلطمني لطمة أسالت عيني
11:48
فما عدت أبصر بها
11:50
وكان الوليد بن المغيرة قريبا مني
11:54
فالتفت إلي وقال
11:56
إن عينك يا ابن أخي
11:58
كانت والله غنية عما أصابها
12:02
فقلت
12:03
بل والله
12:04
إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله
12:10
فقال
12:11
هل أم يبن أخي
12:13
فعد إلى جواري إن شئت
12:15
فقلت
12:17
إني لا أعدل بجوار الله تعالى جوارا
12:21
ومنذ ذلك اليوم
12:23
طفق أذى المشركين يشتد على عثمان بن مضعون ويقسو
12:28
وأصبح هو وذوه هدثا لنكاية قريش وبطشهم
12:33
وما حمله على أن يكون في طليعة المهاجرين إلى المدينة
12:38
وهناك
12:40
وهناك شهد مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه
12:44
هو وابنه وأخوه بدرا
12:47
فأبلوا في ساحتها أصدق البلاء وأكرمه
12:50
وأدوا حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم
12:55
وخرجوا منها مع المسلمين منتصرين فائزين
13:00
وما هو إلا قليل
13:02
حتى مرض عثمان بن مضعون مرض الموت وفارق الحياة
13:09
فلما طار خبر وفاته إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه
13:14
مضى إليه وملء جوانحه الحزن
13:18
ورفع الملاءة عن جبينه الطاهر الأغر
13:22
فقبله
13:23
ثم أكب عليه مرة أخرى
13:26
فقبله الثانية
13:28
ثم أكب عليه الثالثة
13:30
فقبله أيضا
13:32
إذا دموع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
13:36
تتحدر على وجهه المشرق النبيل
13:40
فبكى من حضر من المسلمين لبكائه
13:44
رضي الله عن الصحابي الجليل عثمان بن مضعون وأرضاه
13:49
واجعل في أعلى علليين مقره ومأواه
13:53
فقد آثر جوار الله على كل جوار
14:01
فقد آثر بن مضعون جوار الله على كل جوار