ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 13 من 93
صور من حياة الصحابة - الحلقة (28) - عمير بن سعد رضي الله عنه - في صغره
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
ان تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
عمير بن سعد رضي الله عنه
0:47
تجرع الغلام عمير بن سعد الأنصاري
0:50
كأس اليتم والفاقة منذ نعومة أظفاره
0:54
فقد مضى أبوه إلى ربه دون أن يترك له مالا أو معيلا
0:59
لكن أمه ما لبثت أن تزوجت من ثري من أثرياء الأوس
1:04
يدعى الجلس بن سويد
1:06
فكفل ابنها عميرا وضمه إليه
1:10
وقد لقي عمير من بر الجلس وحسن رعايته وجميل عطفه
1:15
ما جعله ينسى أنه يتيم
1:18
فأحب عمير الجلس حب لابن لأبيه
1:22
كما أورع الجلس بعمير ولع الوالد بولده
1:26
وكان كلما نمى عمير وشب يزداد الجلس له حب وبه إعجابا
1:33
لما كان يرى فيه من أمارات الفطنة والنجابة
1:37
التي تبدو في كل عمل من أعماله
1:40
وشمائل الأمانة والصدق التي تظهر في كل تصرف من تصرفاته
1:46
وقد أسلم الفتا عمير بن سعد
1:49
وهو صغير لم يجاوز العاشرة من عمره إلا قليلا
1:54
فوجد الإيمان في قلبه الغضب مكانا خاليا فتمكن منه
1:59
وألف الإسلام في نفسه الصافية الشفافة
2:03
تربة خصبة فتغلغل في ثناياها
2:07
فكان على حداثة سنه لا يتأخر عن صلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
2:14
وكانت أمه تغمرها الفرحة كلما رأته ذاهبا إلى المسجد أو آيبا منه
2:21
تارة مع زوجها وتارة وحدة
2:24
وسارت حياة الغلام عمير بن سعد على هذا النحو هانئة وادعة
2:30
لا يعكر صفوها معكر ولا يكدر هناءتها مكدر
2:36
حتى شاء الله أن يعرض الغلام اليافع لتجربة من أشد التجار بعنفا وأقساها قسوى
2:44
وأن يمتحنه امتحانا قل ما مر بمثله فتنفي سنه
2:50
ففي السنة التاسعة للهجرة أعلن الرسول صلوات الله وسلامه عليه عزمه على غزو الروم في تبوك
2:58
وأمر المسلمين بأن يستعدوا ويتجهزوا لذلك
3:03
وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يغزو غزوة لم يصرح بها
3:09
وأوهم أنه يريد جهة غير الجهة التي يقصد إليها إلا في غزوة تبوك
3:16
فإنه بينها للناس لبعد الشقة وعظم المشقة وقوة العدو
3:22
ليكون الناس على بينة من أمرهم
3:25
فيأخذوا للأمر أهبته ويعدوا له عدته
3:29
وعلى الرغم من أن الصيف كان قد دخل والحر قد اجتد
3:34
والثمار قد أينعت والظلال قد طابت
3:38
والنفوس قد ركنت إلى التراخي والتكاسل
3:42
على الرغم من ذلك كله فقد لب المسلمون دعوة نبيهم عليه الصلاة والسلام
3:49
وأخذوا يتجهزون ويستعدون
3:52
غير أن طائفة من المنافقين أخذوا يثبطون العزائم
3:57
ويوهنون الهمم ويثيرون الشكوك
4:01
ويغمزون الرسول صلوات الله وسلامه عليه
4:05
ويطلقون في مجالسهم الخاصة من الكريمات ما يدمغهم بالكفر دمغا
4:11
وفي يوم من هذه الأيام التي سبقت رحيل الجيش
4:15
عاد الغلام عمير بن سعد إلى بيته بعد آداء الصلاة في المسجد
4:21
وقد امتلأت نفسه بطائفة مشرقة من صور بذل المسلمين وتضحيتهم
4:27
رآها بعينيه وسمعها بأذنيه
4:30
فقد رآ نساء المهاجرين والأنصار
4:33
يقبلن على رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:38
وينزعن حريهن ويلقينه بين يديه
4:41
ليجهز بثمنه الجيش الغازي في سبيل الله
4:45
وأبصر بعيني رأسه عثمان بن عفان
4:48
يأتي بجراب فيه ألف دينار ذهبا
4:52
ويقدمه للنبي عليه الصلاة والسلام
4:56
وشهد عبد الرحمن بن عوف
4:58
يحمل على عاتقه مائتي أوقية من الذهب
5:02
ويلقيها بين يدي النبي الكريم
5:05
بل إنه رأى رجلا يعرض فراشه للبيع
5:09
ليشتري بثمنه سيفا يقاتل به في سبيل الله
5:14
فأخذ عمير يستعيد هذه الصور الفذة الرائعة
5:18
ويعجب من تباطئ الجلاس عن الاستعداد للرحيل مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه
5:25
والتأخر عن البذل على الرغم من قدرته ويساره
5:30
وكأنما أراد عمير أن يستثير همة الجلاس
5:34
ويبعث الحمية في نفسه
5:36
فأخذ يقص عليه أخبار ما سمع ورأى
5:40
وخاصة خبر أولئك النفر من المؤمنين
5:43
الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
5:48
وسألوه في لوعة أن يضمهم إلى الجيش الغازي في سبيل الله
5:53
فردهم النبي لأنه لم يجد عنده من الركاء بما يحملهم عليه
5:59
فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنة
6:03
ألا يجدوا ما يبلغهم أمنيتهم في الجهاد
6:07
ويحقق لهم أشواقهم إلى الاستشهاد
6:10
لكن الجلاس ما كاد يسمع من عمير ما سمع
6:14
حتى انطلقت من فمه كلمة أطارت صوابلفة المؤمن
6:20
إذ سمعه يقول إن كان محمد صادقا فيما يدعيه من النبوة
6:26
فنحن شر من الحمير
6:28
لقد شده عمير مما سمع
6:31
فما كان يظن أن رجلا له عقل الجلاس وسنه
6:35
تند من فمه مثل هذه الكلمة
6:38
التي تخرج صاحبها من الإيمان دفعة واحدة
6:41
وتدخله في الكفر من أوسع أبوابه
6:45
وكما تنطلق الألات الحاسبة الدقيقة
6:48
في حساب ما يلقى إليها من المسائل
6:51
انطلق عقل الفتا عمير بن سعد
6:54
يفكر فيما يجب عليه أن يصنعه
6:57
لقد رأى أن في السكوت عن الجلاس والتستر عليه
7:01
خيانة لله ورسوله
7:03
وإضرارا بالإسلام الذي يكيد له المنافقون
7:07
ويعتمرون به
7:09
وأن في إذاعة ما سمعه عقوقا بالرجل
7:12
الذي ينزل من نفسه منزلة الوالد
7:15
ومجازاتا لإحسانه إليه بالإساءة
7:19
فهو الذي آواه من يتم
7:21
وأغناه من فقر
7:23
وعوضه عن فقد أبيه
7:25
وكان على الفتا أن يختار بين أمرين أحلى هما أمر
7:30
وسرعان ما اختار
7:32
فالتفت إلى الجلاس وقال
7:34
والله يا جلاس
7:36
ما كان على ظهر الأرض أحد بعد محمد بن عبد الله
7:40
أحب إلي منك
7:42
فأنت آثر الناس عندي
7:44
وأجلهم يدا علي
7:46
ولقد قلت مقالة
7:49
إن ذكرتها فضحتك
7:51
وإن أخفيتها
7:53
خنت أمانتي وأهلكت نفسي وديني
7:56
وقد عزمت على أن أمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:01
وأخبره بما قلت
8:03
فكن على بينة من أمرك
8:06
مضى الفتا عمير بن سعد إلى المسجد
8:09
وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام
8:12
بما سمع من الجلاس بن سويد
8:14
فاستبقاه الرسول صلوات الله وسلامه عليه عنده
8:19
وأرسل أحد أصحابه ليدعو له الجلاس
8:22
وما هو إلا قليل
8:24
حتى جاء الجلاس فحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:29
وجلس بين يديه
8:31
فقال له النبي عليه الصلاة والسلام
8:34
ما مقالة سمعها منك عمير بن سعد
8:38
وذكر له ما قاله
8:40
فقال
8:41
كذب علي يا رسول الله وافترى
8:44
فما تفوهت بشيء من ذلك
8:47
وأخذ الصحابة ينقلون أبصارهم بين الجلاس وفتاه عمير بن سعد
8:53
كأنهم يريدون أن يقرأوا على صفحتين وجههما
8:57
ما يكنه صدراهما
8:59
وجعلوا يتهامسون
9:01
فقال واحد من الذين في قلوبهم مرض
9:04
فتنعاق
9:06
أبى إلا أن يسيأ لمن أحسن إليه
9:09
وقال آخرون
9:11
بل إنه غلام نشأ في طاعة الله
9:14
وإن قسمات وجهه لتنطق بصدقه
9:18
والتفت الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى عمير
9:22
فرأى وجهه قد احتقن بالدم
9:25
والدموع تتحدر مدرارا من عينيه
9:29
فتتساقط على خديه وصدره وهو يقول
9:33
اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به
9:37
اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به
9:42
فانبر الجلس وقال
9:44
إن ما ذكرته لك يا رسول الله هو الحق
9:48
وإن شئت تحالفنا بين يديك
9:51
وإني أحلف بالله
9:53
أني ما قلت شيئا مما نقله لك عمير
9:57
فما إن انتهى من حرفه
9:59
وأخذت عيون الناس تنتقل عنه إلى عمير بن سعد
10:03
حتى غشيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه السكينة
10:08
فعرف الصحابة أنه الوحي
10:11
فلزم أماكنهم وسكنت جوارحهم
10:15
ولا ذوب الصمت
10:17
وتعلقت أبصارهم بالنبي عليه الصلاة والسلام
10:21
وهنا ظهر الخوف والوجل على الجلس
10:25
وبدت لهف والتشوف على عمير
10:29
وظل الجميع كذلك
10:31
حتى سريع الرسول الله صلى الله عليه وسلم
10:35
فتلا قوله جل وعز
10:37
ارتعد الجلس من هول ما سمع
10:40
وكاد ينعقد لسانه من الجزع
10:43
ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال
10:47
بل أتوب يا رسول الله
10:49
بل أتوب
10:51
صدق عمير يا رسول الله
10:53
وكنت من الكاذبين
10:55
أسأل الله أن يقبل توبتي
10:57
جعلت في ذاك يا رسول الله
11:00
وهنا توجه الرسول صلوات الله وسلامه عليه
11:04
إلى الفتا عمير بن سعد
11:06
فإذا دموع الفرح تبلل وجهه المشرق بنور الإيمان
11:11
فمد الرسول يده الشريفة إلى أذنه
11:14
وأمسكها برفق وقال
11:17
وفت أذنك يا غلام ما سمعت
11:20
وصدقك ربك
11:22
عاد الجلس إلى حضيرة الإسلام
11:25
وحسن إسلامه
11:27
وقد عرف الصحابة صلاح حاله
11:29
مما كان يغدقه على عمير من بر
11:32
وقد كان يقول كلما ذكر عمير
11:35
جزاه الله عني خيرا
11:38
فقد أنقذني من الكفر
11:40
وأعتق رقبتي من النار
11:43
وبعد
11:44
فليست هذه أوضأ صورة في حياة الغلام الصحابي عمير بن سعد
11:49
ولا أشدها تألقى
11:52
وإنما في حياته من الصور ما هو أزهى وأجمل
11:56
فإلى لقاء آخر
11:58
مع عمير بن سعد في شبابه
12:01
عمير بن سعد
12:05
نسيج وحده
12:07
عمر بن الخطام