صور من حياة الصحابة - الحلقة (28) - عمير بن سعد رضي الله عنه - في صغره

صور من حياة الصحابة - الحلقة (28) - عمير بن سعد رضي الله عنه - في صغره

◉ 46736 مشاهدة ⏱ 12:30 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:18 ان تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22 لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 عمير بن سعد رضي الله عنه
0:47 تجرع الغلام عمير بن سعد الأنصاري
0:50 كأس اليتم والفاقة منذ نعومة أظفاره
0:54 فقد مضى أبوه إلى ربه دون أن يترك له مالا أو معيلا
0:59 لكن أمه ما لبثت أن تزوجت من ثري من أثرياء الأوس
1:04 يدعى الجلس بن سويد
1:06 فكفل ابنها عميرا وضمه إليه
1:10 وقد لقي عمير من بر الجلس وحسن رعايته وجميل عطفه
1:15 ما جعله ينسى أنه يتيم
1:18 فأحب عمير الجلس حب لابن لأبيه
1:22 كما أورع الجلس بعمير ولع الوالد بولده
1:26 وكان كلما نمى عمير وشب يزداد الجلس له حب وبه إعجابا
1:33 لما كان يرى فيه من أمارات الفطنة والنجابة
1:37 التي تبدو في كل عمل من أعماله
1:40 وشمائل الأمانة والصدق التي تظهر في كل تصرف من تصرفاته
1:46 وقد أسلم الفتا عمير بن سعد
1:49 وهو صغير لم يجاوز العاشرة من عمره إلا قليلا
1:54 فوجد الإيمان في قلبه الغضب مكانا خاليا فتمكن منه
1:59 وألف الإسلام في نفسه الصافية الشفافة
2:03 تربة خصبة فتغلغل في ثناياها
2:07 فكان على حداثة سنه لا يتأخر عن صلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
2:14 وكانت أمه تغمرها الفرحة كلما رأته ذاهبا إلى المسجد أو آيبا منه
2:21 تارة مع زوجها وتارة وحدة
2:24 وسارت حياة الغلام عمير بن سعد على هذا النحو هانئة وادعة
2:30 لا يعكر صفوها معكر ولا يكدر هناءتها مكدر
2:36 حتى شاء الله أن يعرض الغلام اليافع لتجربة من أشد التجار بعنفا وأقساها قسوى
2:44 وأن يمتحنه امتحانا قل ما مر بمثله فتنفي سنه
2:50 ففي السنة التاسعة للهجرة أعلن الرسول صلوات الله وسلامه عليه عزمه على غزو الروم في تبوك
2:58 وأمر المسلمين بأن يستعدوا ويتجهزوا لذلك
3:03 وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يغزو غزوة لم يصرح بها
3:09 وأوهم أنه يريد جهة غير الجهة التي يقصد إليها إلا في غزوة تبوك
3:16 فإنه بينها للناس لبعد الشقة وعظم المشقة وقوة العدو
3:22 ليكون الناس على بينة من أمرهم
3:25 فيأخذوا للأمر أهبته ويعدوا له عدته
3:29 وعلى الرغم من أن الصيف كان قد دخل والحر قد اجتد
3:34 والثمار قد أينعت والظلال قد طابت
3:38 والنفوس قد ركنت إلى التراخي والتكاسل
3:42 على الرغم من ذلك كله فقد لب المسلمون دعوة نبيهم عليه الصلاة والسلام
3:49 وأخذوا يتجهزون ويستعدون
3:52 غير أن طائفة من المنافقين أخذوا يثبطون العزائم
3:57 ويوهنون الهمم ويثيرون الشكوك
4:01 ويغمزون الرسول صلوات الله وسلامه عليه
4:05 ويطلقون في مجالسهم الخاصة من الكريمات ما يدمغهم بالكفر دمغا
4:11 وفي يوم من هذه الأيام التي سبقت رحيل الجيش
4:15 عاد الغلام عمير بن سعد إلى بيته بعد آداء الصلاة في المسجد
4:21 وقد امتلأت نفسه بطائفة مشرقة من صور بذل المسلمين وتضحيتهم
4:27 رآها بعينيه وسمعها بأذنيه
4:30 فقد رآ نساء المهاجرين والأنصار
4:33 يقبلن على رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:38 وينزعن حريهن ويلقينه بين يديه
4:41 ليجهز بثمنه الجيش الغازي في سبيل الله
4:45 وأبصر بعيني رأسه عثمان بن عفان
4:48 يأتي بجراب فيه ألف دينار ذهبا
4:52 ويقدمه للنبي عليه الصلاة والسلام
4:56 وشهد عبد الرحمن بن عوف
4:58 يحمل على عاتقه مائتي أوقية من الذهب
5:02 ويلقيها بين يدي النبي الكريم
5:05 بل إنه رأى رجلا يعرض فراشه للبيع
5:09 ليشتري بثمنه سيفا يقاتل به في سبيل الله
5:14 فأخذ عمير يستعيد هذه الصور الفذة الرائعة
5:18 ويعجب من تباطئ الجلاس عن الاستعداد للرحيل مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه
5:25 والتأخر عن البذل على الرغم من قدرته ويساره
5:30 وكأنما أراد عمير أن يستثير همة الجلاس
5:34 ويبعث الحمية في نفسه
5:36 فأخذ يقص عليه أخبار ما سمع ورأى
5:40 وخاصة خبر أولئك النفر من المؤمنين
5:43 الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
5:48 وسألوه في لوعة أن يضمهم إلى الجيش الغازي في سبيل الله
5:53 فردهم النبي لأنه لم يجد عنده من الركاء بما يحملهم عليه
5:59 فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنة
6:03 ألا يجدوا ما يبلغهم أمنيتهم في الجهاد
6:07 ويحقق لهم أشواقهم إلى الاستشهاد
6:10 لكن الجلاس ما كاد يسمع من عمير ما سمع
6:14 حتى انطلقت من فمه كلمة أطارت صوابلفة المؤمن
6:20 إذ سمعه يقول إن كان محمد صادقا فيما يدعيه من النبوة
6:26 فنحن شر من الحمير
6:28 لقد شده عمير مما سمع
6:31 فما كان يظن أن رجلا له عقل الجلاس وسنه
6:35 تند من فمه مثل هذه الكلمة
6:38 التي تخرج صاحبها من الإيمان دفعة واحدة
6:41 وتدخله في الكفر من أوسع أبوابه
6:45 وكما تنطلق الألات الحاسبة الدقيقة
6:48 في حساب ما يلقى إليها من المسائل
6:51 انطلق عقل الفتا عمير بن سعد
6:54 يفكر فيما يجب عليه أن يصنعه
6:57 لقد رأى أن في السكوت عن الجلاس والتستر عليه
7:01 خيانة لله ورسوله
7:03 وإضرارا بالإسلام الذي يكيد له المنافقون
7:07 ويعتمرون به
7:09 وأن في إذاعة ما سمعه عقوقا بالرجل
7:12 الذي ينزل من نفسه منزلة الوالد
7:15 ومجازاتا لإحسانه إليه بالإساءة
7:19 فهو الذي آواه من يتم
7:21 وأغناه من فقر
7:23 وعوضه عن فقد أبيه
7:25 وكان على الفتا أن يختار بين أمرين أحلى هما أمر
7:30 وسرعان ما اختار
7:32 فالتفت إلى الجلاس وقال
7:34 والله يا جلاس
7:36 ما كان على ظهر الأرض أحد بعد محمد بن عبد الله
7:40 أحب إلي منك
7:42 فأنت آثر الناس عندي
7:44 وأجلهم يدا علي
7:46 ولقد قلت مقالة
7:49 إن ذكرتها فضحتك
7:51 وإن أخفيتها
7:53 خنت أمانتي وأهلكت نفسي وديني
7:56 وقد عزمت على أن أمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:01 وأخبره بما قلت
8:03 فكن على بينة من أمرك
8:06 مضى الفتا عمير بن سعد إلى المسجد
8:09 وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام
8:12 بما سمع من الجلاس بن سويد
8:14 فاستبقاه الرسول صلوات الله وسلامه عليه عنده
8:19 وأرسل أحد أصحابه ليدعو له الجلاس
8:22 وما هو إلا قليل
8:24 حتى جاء الجلاس فحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:29 وجلس بين يديه
8:31 فقال له النبي عليه الصلاة والسلام
8:34 ما مقالة سمعها منك عمير بن سعد
8:38 وذكر له ما قاله
8:40 فقال
8:41 كذب علي يا رسول الله وافترى
8:44 فما تفوهت بشيء من ذلك
8:47 وأخذ الصحابة ينقلون أبصارهم بين الجلاس وفتاه عمير بن سعد
8:53 كأنهم يريدون أن يقرأوا على صفحتين وجههما
8:57 ما يكنه صدراهما
8:59 وجعلوا يتهامسون
9:01 فقال واحد من الذين في قلوبهم مرض
9:04 فتنعاق
9:06 أبى إلا أن يسيأ لمن أحسن إليه
9:09 وقال آخرون
9:11 بل إنه غلام نشأ في طاعة الله
9:14 وإن قسمات وجهه لتنطق بصدقه
9:18 والتفت الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى عمير
9:22 فرأى وجهه قد احتقن بالدم
9:25 والدموع تتحدر مدرارا من عينيه
9:29 فتتساقط على خديه وصدره وهو يقول
9:33 اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به
9:37 اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به
9:42 فانبر الجلس وقال
9:44 إن ما ذكرته لك يا رسول الله هو الحق
9:48 وإن شئت تحالفنا بين يديك
9:51 وإني أحلف بالله
9:53 أني ما قلت شيئا مما نقله لك عمير
9:57 فما إن انتهى من حرفه
9:59 وأخذت عيون الناس تنتقل عنه إلى عمير بن سعد
10:03 حتى غشيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه السكينة
10:08 فعرف الصحابة أنه الوحي
10:11 فلزم أماكنهم وسكنت جوارحهم
10:15 ولا ذوب الصمت
10:17 وتعلقت أبصارهم بالنبي عليه الصلاة والسلام
10:21 وهنا ظهر الخوف والوجل على الجلس
10:25 وبدت لهف والتشوف على عمير
10:29 وظل الجميع كذلك
10:31 حتى سريع الرسول الله صلى الله عليه وسلم
10:35 فتلا قوله جل وعز
10:37 ارتعد الجلس من هول ما سمع
10:40 وكاد ينعقد لسانه من الجزع
10:43 ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال
10:47 بل أتوب يا رسول الله
10:49 بل أتوب
10:51 صدق عمير يا رسول الله
10:53 وكنت من الكاذبين
10:55 أسأل الله أن يقبل توبتي
10:57 جعلت في ذاك يا رسول الله
11:00 وهنا توجه الرسول صلوات الله وسلامه عليه
11:04 إلى الفتا عمير بن سعد
11:06 فإذا دموع الفرح تبلل وجهه المشرق بنور الإيمان
11:11 فمد الرسول يده الشريفة إلى أذنه
11:14 وأمسكها برفق وقال
11:17 وفت أذنك يا غلام ما سمعت
11:20 وصدقك ربك
11:22 عاد الجلس إلى حضيرة الإسلام
11:25 وحسن إسلامه
11:27 وقد عرف الصحابة صلاح حاله
11:29 مما كان يغدقه على عمير من بر
11:32 وقد كان يقول كلما ذكر عمير
11:35 جزاه الله عني خيرا
11:38 فقد أنقذني من الكفر
11:40 وأعتق رقبتي من النار
11:43 وبعد
11:44 فليست هذه أوضأ صورة في حياة الغلام الصحابي عمير بن سعد
11:49 ولا أشدها تألقى
11:52 وإنما في حياته من الصور ما هو أزهى وأجمل
11:56 فإلى لقاء آخر
11:58 مع عمير بن سعد في شبابه
12:01 عمير بن سعد
12:05 نسيج وحده
12:07 عمر بن الخطام