ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 14 من 85
صور من حياة الصحابة - الحلقة (32) - أبو سفيان بن الحارث رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
أبو سفيان بن الحارث رضي الله عنه
0:47
قال أن اتصلت الأسباب بين شخصين
0:50
وتوثقت العرى بين اثنين
0:52
كما اتصلت وتوثقت بين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه
0:58
وبين أبي سفيان بن الحارث
1:01
فقد كان أبو سفيان ردة من لدات رسول الله صلى الله عليه وسلم
1:06
وتربا من أترابه
1:08
فقد ورد في زمن متقارب
1:11
ونشأ في أسرة واحدة
1:13
وكان ابن عم من نبي اللصيق
1:16
فأبوه الحارث وعبد الله وارد الرسول صلوات الله وسلامه عليه
1:22
أخوانين حدران من صلب عبد المطلب
1:26
ثم إنه كان أخل للنبي من الرضاع
1:29
فقد غذتهم السيدة حليمة السعدية من ثديها معا
1:34
وكان بعد ذلك كله
1:36
صديقا حميما للرسول صلوات الله وسلامه عليه قبل النبوة
1:42
وأشد الناس شبها به
1:44
فهل رأيت أو سمعت قرابة أقرب
1:47
أو أواصر أمتن من هذا الذي كان بين محمد بن عبد الله وأبي سفيان بن الحارث
1:54
لذا فقد كان المظنون بأبي سفيان
1:58
أن يكون أسبق الناس إلى تلبية دعوة الرسول صلوات الله وسلامه عليه
2:04
وأسرعهم مبادرة إلى اتباعه
2:07
لكن الأمر جاء على خلاف كل ما يتوقعه المتوقعون
2:12
إذ ما كاد الرسول عليه الصلاة والسلام يظهر دعوته
2:16
وينذر عشيرته
2:18
حتى شبت نار الضغينة في نفس أبي سفيان على الرسول صلوات الله وسلامه عليه
2:25
فاستحالت الصداقة إلى عداوة
2:28
والرحم إلى قطيعة
2:30
والأخوة إلى صد وإعراض
2:33
ولقد كان أبو سفيان بن الحارث يوم صدع الرسول بأمر ربه
2:38
فارسا من أنبه فرسان قريش ذكرا
2:41
وشاعرا من أعلى شعرائهم كعبا
2:45
فوضع سنانه ولسانه في محاربة الرسول ومعادات دعوته
2:50
وجند طاقاته كلها للنكاية بالإسلام والمسلمين
2:55
فما خاضت قريش حربا ضد النبي
2:58
إلا كان مسعراها
3:00
ولا أوقعت بالمسلمين أذا
3:03
إلا كان له فيه نصيب كبير
3:06
ولقد أيقظ أبو سفيان شيطان شعره
3:09
وأطلق لسانه فيه جاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه
3:14
فقال فيه كلاما مقذعا فاحشا موجعا
3:18
وطالت عداوة أبي سفيان للنبي عليه الصلاة والسلام
3:23
حتى قاربت عشرين عاما
3:26
لم يترك خلالها ضربا من ضروب الكيد للرسول إلا فعله
3:31
ولا صنفا من صنوف الأذى للمسلمين
3:34
إلا اجترحه وباء بإثمه
3:37
وقبيل فتح مكة بقليل
3:41
كتب لأبي سفيان أن يسلم
3:43
وكان لإسلامه قصة مثيرة
3:46
وعدتها كتب السير وتناقلتها أسفار التاريخ
3:51
فلنترك للرجل نفسه الحديث عن قصة إسلامه
3:55
فشعوره بها أعمق
3:57
ووصفه لها أدق وأصدق
4:00
قال لما استقام أمر الإسلام وقر قراره
4:05
وشاعت أخبار توجه الرسول إلى مكة ليفتحها
4:09
ضاقت علي الأرض بما رحبت
4:12
وقلت إلى أين أذهب
4:15
ومن أصحب ومع من أكون
4:18
ثم جئت زوجتي وأولادي وقلت
4:21
تهيأوا للخروج من مكة
4:24
فقد أوشك وصول محمد
4:27
وإني لمقتول لا محالة إن أدركني المسلمون
4:31
فقالوا لي
4:33
أما آن لك أن تبصر أن العرب والعجم
4:36
قد دانت لمحمد بالطاعة
4:39
واعتنق الدينه
4:41
وأنت ما تزال مصرا على عداوته
4:44
وكنت أولى الناس بتأييده ونصره
4:47
وما زالوا بي يعطفونني على دين محمد
4:51
ويرغبونني فيه
4:53
حتى شرح الله صدري للإسلام
4:56
قمت من توي
4:58
وقلت لغلامي مذكور
5:00
هيئ لنا نوقا وثرسا
5:03
وأخذت مع ابني جعثرا
5:05
وجعلنا نغذ السير نحو الأبواب
5:08
بين مكة والمدينة
5:10
فقد بلغني أن محمدا نزل فيها
5:13
ولما اقتربت منها
5:15
تنكرت حتى لا يعرفني أحد
5:18
فأقتل قبل أن أصل إلى النبي
5:21
وأعلن إسلامي بين يديه
5:23
ومضيت أمشي على قدمي نحو من ميل
5:27
وطلائع المسلمين تمضي ميممة
5:30
شطر مكة جماعة إثر جماعة
5:33
فكنت أتنحها عن طريقهم فرقا منهم
5:37
وخوفا من أن يعرفني أحد
5:39
من أصحاب محمد
5:41
وفيما أنا كذلك
5:44
إذ طلع الرسول في موكبه
5:47
فتصديت له ووقفت تلقاء
5:50
وحسرت عن وجهي
5:52
فما إن ملأ عينيه مني وعرفني
5:55
حتى أعرض عني إلى الناحية الأخرى
5:58
فتحولت إلى ناحية وجهه
6:01
فأعرض عني وحول وجهه
6:04
فتحولت إلى ناحية وجهه
6:06
حتى فعل ذلك مرارا
6:09
كنت لا أشك وأنا مقبل على النبي
6:12
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:15
سيفرح بإسلامي
6:17
وأن أصحابه سيفرحون لفرحه
6:20
لكن المسلمين حين رأوا
6:22
إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:25
عني تجهموا لي
6:28
وأعرضوا عني جميعا
6:30
لقد لقيني أبو بكر
6:32
فأعرض عني أشد الإعراض
6:35
ونظرت إلى عمر بن الخطاب
6:37
نظرة أستلين بها قلبه
6:40
فوجدته أشد إعراضا من صاحبه
6:43
بل إنه أغرى بي أحد الأنصار
6:46
فقال لي الأنصاري
6:48
يا عدو الله
6:50
أنت الذي كنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:54
وتؤذي أصحابه
6:56
وقد بلغت في عداوة النبي
6:58
مشارق الأرض ومغاربها
7:01
وما زال الأنصاري يستطيل علي ويرفع صوته
7:05
والمسلمون يقتحمونني بعيونهم
7:08
ويسرون مما ألاقي
7:11
عند ذلك
7:12
أبصرت عمي العباس
7:14
فلذت به
7:15
وقلت يا عم
7:17
قد كنت أرجو أن يفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:21
بإسلامي لقرابتي منه
7:24
وشرفي في قومي
7:26
وقد كان منه ما تعلم
7:28
فكلمه في ليرضى عني
7:31
فقال لا والله
7:33
لا أكلمه كلمة أبدا
7:36
بعد الذي رأيته من إعراضه عنك
7:39
إلا إن سنحت فرصة
7:41
فإني أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهابه
7:46
فقلت يا عم
7:48
إلى من تكلني إذا
7:50
فقال
7:52
ليس لك عندي غير ما سمعت
7:54
فتملكني الهم وركبني الحزن
7:57
ولم ألبث أن رأيت ابن عمي
8:00
علي ابن أبي طالب
8:02
فكلمته في أمري
8:04
فقال لي مثل مقالة عمنا العباس
8:08
عند ذلك
8:09
رجعت إلى عمي العباس وقلت يا عم
8:13
إذا كنت لا تستطيع أن تعطف علي قلب الرسول
8:17
فكف عني ذلك الرجل الذي يشتمني ويغري الناس بشتمي
8:22
فقال
8:23
صفه لي
8:24
فوصفته له
8:26
فقال
8:27
ذلك نعيمان بن الحارث النجاري
8:31
وصل إليه وقال له
8:33
يا نعيمان
8:35
إن أبا سفيان
8:36
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:40
وإن يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:43
ساخطا عليه اليوم
8:45
فسيرضى عنه يوما
8:47
فكف عنه
8:49
وما زال به حتى رضي بأن يكف عني
8:53
وقال
8:54
لا أعرض له بعد الساعة
8:57
ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة
9:01
جلست على باب منزله
9:03
ومع ابني جعفر قائما
9:06
فلما رآني وهو خارج من منزله
9:09
أشاح عني بوجه
9:11
فلم أي أسم استرضائه
9:13
وجعلت كل ما نزل في منزل أجلس على بابه
9:17
وأوقيم ابني جعفرا واقفا بإيزائي
9:21
فكان إذا أبصرني أعرض عني
9:24
وبقيت على ذلك زمانا
9:27
فلما اشتد علي الأمر وضاق
9:30
قلت لزوجتي
9:32
والله ليرضي أن عني رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:36
أو لآخذن بيدي ابني هذا
9:39
ثم لنذهب النهائمين على وجهينا في الأرض
9:43
حتى نموت جوعا وعطشا
9:46
فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:50
رق لي
9:52
ولما خرج من قبته
9:54
نظر إلي نظرا ألي أنا من النظر الأول
9:58
وكنت أرجو أن يبتسم
10:00
ثم دخل الرسول عليه الصلاة والسلام مكة
10:04
فدخلت في ركابه
10:06
وخرج إلى المسجد
10:08
فخرجت أسعى بين يديه لا أفارقه على حال
10:12
ولما كان يوم حنين
10:15
جمعت العرب لحرب النبي عليه الصلاة والسلام
10:19
ما لم تجمع قط
10:21
وأعدت للقائه ما لم تعد من قبل
10:25
وعزمت على أن تجعلها القاضية على الإسلام والمسلمين
10:30
وخرج الرسول صلوات الله وسلامه عليه
10:33
للقائهم في جموع من أصحابه
10:36
فخرجت معه
10:38
ولما رأيت جموع المشركين الكبيرة
10:41
قلت والله لأكفرنا اليوم
10:44
عن كل ما سلف مني من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم
10:49
وليرينا النبي من أثري ما يرضي الله ويرضيه
10:53
ولما التقى الجمعان
10:55
اشتدت وطأة المشركين على المسلمين
10:58
فدب فيهم الوهن والفشل
11:01
وجعل الناس يتفرقون عن النبي
11:04
وكادت تحل بنا الهزيمة المنكرة
11:08
فإذا بالرسول فداه أبي وأمي
11:11
يثبت في قلب المعركة على بغلته الشهباء
11:15
كأنه الطود الراسخ
11:18
ويجرد سيفة
11:20
ويجارد عن نفسه وعن من حوله كأنه الليث عاديا
11:25
عند ذلك
11:27
وثبت عن فرسي
11:29
وكسرت غمد سيفي
11:31
والله يعلم أني أريد الموت دون رسول الله
11:35
وأخذ عمي العباس بلجام بغلة النبي
11:39
ووقف بجانبه
11:41
وأخذت أنا مكاني من الجانب الآخر
11:44
وفي يميني سيفي أذود به عن رسول الله
11:47
أما شمالي فكانت ممسكة بركابه
11:50
فلما نظر النبي إلى حسن بلائي
11:53
قال لعم العباس من هذا
11:56
فقال هذا أخوك وبن عمك
11:59
أبو سفيان بن الحارث
12:01
فرض عنه أي رسول الله
12:04
فقال قد فعلت
12:06
وغفر الله له كل عداوة عادانيها
12:10
فاستطار فؤادي فرحا برضى رسول الله عني
12:15
وقبلت رجله في الركاب
12:18
ثم التفت إلي فقال
12:20
أخي لعمري تقدم فضارب
12:23
ألهبت كلمات الرسول صلوات الله وسلامه عليه حماستي
12:28
فحملت على المشركين حملة أزالتهم عن مواضعهم
12:32
وحمل مع المسلمون حتى طردناهم قدر فرسخ
12:36
وفرقناهم في كل وجه
12:39
ظل أبو سفيان بن الحارث منذ حنين
12:43
ينعم بجميل رضى النبي عنه
12:46
ويسعد بكريم صحبته
12:48
ولكنه لم يرفع نظره إليه أبدا
12:52
ولم يثبت بصره في وجهه حياء منه
12:56
وخجلا من ماضيه معه
12:58
وقد جعل أبو سفيان يعض بنانا ندم
13:02
على الأيام السود التي قضاها في الجاهلية محجوبا عن نور الله
13:07
محروما من كتابه
13:10
أكب على القرآن ليله ونهاره يتلو آياته
13:14
ويتفقه في أحكامه ويتملا من عضاته
13:19
وأعرض عن الدنيا وزهرتها
13:22
وأقبل على الله بكل جارحة من جوارحه
13:26
حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه رآه ذات مرة يدخل المسجد
13:32
فقال لعائشة رضي الله عنها
13:35
أتدرين من هذا يا عائشة
13:38
قالت لا يا رسول الله
13:40
قال إنه ابن عمي أبو سفيان ابن الحارث
13:45
انظري إنه أول من يدخل المسجد
13:48
وآخر من يخرج منه
13:50
ولا يفارق بصره شراك نعله
13:53
ولما لحق الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالرفيق الأعلى
13:59
حزن عليه أبو سفيان ابن الحارث حزن الأم على وحيدها
14:04
وبكاه بكاء الحبيب على حبيبه
14:07
ورثاه بقصيدة من غرل المراث
14:11
تفيض لوعة وشجون
14:13
وتذوب حسرة وأنينا
14:16
وفي خلافة الفاروق رضي الله عنه
14:19
أحس أبو سفيان بدنو أجله
14:22
فحفر لنفسه قبره بيديه
14:25
ولم يمضي على ذلك غير ثلاثة أيام
14:29
حتى حضرته الوفاه
14:31
كأنه مع الموت على ميعد
14:35
فالتفت إلى زوجته وأولاده وأهله
14:38
وقال لا تبكوا علي
14:41
فوالله ما تعلقت بخطيئة منذ أسلمت
14:45
ثم فاضت روحه الطاهرة
14:49
فصلى عليه الفاروق رضوان الله عليه
14:52
وحزن لفقده هو والصحابة الكرام
14:56
وعدوا موته رز أن جللا حل بالإسلام وأهله
15:01
أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان الجنة
15:07
محمد رسول الله