صور من حياة الصحابة - الحلقة (32) - أبو سفيان بن الحارث رضي الله عنه

◉ 0 مشاهدة ⏱ 15:30 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:18 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22 لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 أبو سفيان بن الحارث رضي الله عنه
0:47 قال أن اتصلت الأسباب بين شخصين
0:50 وتوثقت العرى بين اثنين
0:52 كما اتصلت وتوثقت بين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه
0:58 وبين أبي سفيان بن الحارث
1:01 فقد كان أبو سفيان ردة من لدات رسول الله صلى الله عليه وسلم
1:06 وتربا من أترابه
1:08 فقد ورد في زمن متقارب
1:11 ونشأ في أسرة واحدة
1:13 وكان ابن عم من نبي اللصيق
1:16 فأبوه الحارث وعبد الله وارد الرسول صلوات الله وسلامه عليه
1:22 أخوانين حدران من صلب عبد المطلب
1:26 ثم إنه كان أخل للنبي من الرضاع
1:29 فقد غذتهم السيدة حليمة السعدية من ثديها معا
1:34 وكان بعد ذلك كله
1:36 صديقا حميما للرسول صلوات الله وسلامه عليه قبل النبوة
1:42 وأشد الناس شبها به
1:44 فهل رأيت أو سمعت قرابة أقرب
1:47 أو أواصر أمتن من هذا الذي كان بين محمد بن عبد الله وأبي سفيان بن الحارث
1:54 لذا فقد كان المظنون بأبي سفيان
1:58 أن يكون أسبق الناس إلى تلبية دعوة الرسول صلوات الله وسلامه عليه
2:04 وأسرعهم مبادرة إلى اتباعه
2:07 لكن الأمر جاء على خلاف كل ما يتوقعه المتوقعون
2:12 إذ ما كاد الرسول عليه الصلاة والسلام يظهر دعوته
2:16 وينذر عشيرته
2:18 حتى شبت نار الضغينة في نفس أبي سفيان على الرسول صلوات الله وسلامه عليه
2:25 فاستحالت الصداقة إلى عداوة
2:28 والرحم إلى قطيعة
2:30 والأخوة إلى صد وإعراض
2:33 ولقد كان أبو سفيان بن الحارث يوم صدع الرسول بأمر ربه
2:38 فارسا من أنبه فرسان قريش ذكرا
2:41 وشاعرا من أعلى شعرائهم كعبا
2:45 فوضع سنانه ولسانه في محاربة الرسول ومعادات دعوته
2:50 وجند طاقاته كلها للنكاية بالإسلام والمسلمين
2:55 فما خاضت قريش حربا ضد النبي
2:58 إلا كان مسعراها
3:00 ولا أوقعت بالمسلمين أذا
3:03 إلا كان له فيه نصيب كبير
3:06 ولقد أيقظ أبو سفيان شيطان شعره
3:09 وأطلق لسانه فيه جاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه
3:14 فقال فيه كلاما مقذعا فاحشا موجعا
3:18 وطالت عداوة أبي سفيان للنبي عليه الصلاة والسلام
3:23 حتى قاربت عشرين عاما
3:26 لم يترك خلالها ضربا من ضروب الكيد للرسول إلا فعله
3:31 ولا صنفا من صنوف الأذى للمسلمين
3:34 إلا اجترحه وباء بإثمه
3:37 وقبيل فتح مكة بقليل
3:41 كتب لأبي سفيان أن يسلم
3:43 وكان لإسلامه قصة مثيرة
3:46 وعدتها كتب السير وتناقلتها أسفار التاريخ
3:51 فلنترك للرجل نفسه الحديث عن قصة إسلامه
3:55 فشعوره بها أعمق
3:57 ووصفه لها أدق وأصدق
4:00 قال لما استقام أمر الإسلام وقر قراره
4:05 وشاعت أخبار توجه الرسول إلى مكة ليفتحها
4:09 ضاقت علي الأرض بما رحبت
4:12 وقلت إلى أين أذهب
4:15 ومن أصحب ومع من أكون
4:18 ثم جئت زوجتي وأولادي وقلت
4:21 تهيأوا للخروج من مكة
4:24 فقد أوشك وصول محمد
4:27 وإني لمقتول لا محالة إن أدركني المسلمون
4:31 فقالوا لي
4:33 أما آن لك أن تبصر أن العرب والعجم
4:36 قد دانت لمحمد بالطاعة
4:39 واعتنق الدينه
4:41 وأنت ما تزال مصرا على عداوته
4:44 وكنت أولى الناس بتأييده ونصره
4:47 وما زالوا بي يعطفونني على دين محمد
4:51 ويرغبونني فيه
4:53 حتى شرح الله صدري للإسلام
4:56 قمت من توي
4:58 وقلت لغلامي مذكور
5:00 هيئ لنا نوقا وثرسا
5:03 وأخذت مع ابني جعثرا
5:05 وجعلنا نغذ السير نحو الأبواب
5:08 بين مكة والمدينة
5:10 فقد بلغني أن محمدا نزل فيها
5:13 ولما اقتربت منها
5:15 تنكرت حتى لا يعرفني أحد
5:18 فأقتل قبل أن أصل إلى النبي
5:21 وأعلن إسلامي بين يديه
5:23 ومضيت أمشي على قدمي نحو من ميل
5:27 وطلائع المسلمين تمضي ميممة
5:30 شطر مكة جماعة إثر جماعة
5:33 فكنت أتنحها عن طريقهم فرقا منهم
5:37 وخوفا من أن يعرفني أحد
5:39 من أصحاب محمد
5:41 وفيما أنا كذلك
5:44 إذ طلع الرسول في موكبه
5:47 فتصديت له ووقفت تلقاء
5:50 وحسرت عن وجهي
5:52 فما إن ملأ عينيه مني وعرفني
5:55 حتى أعرض عني إلى الناحية الأخرى
5:58 فتحولت إلى ناحية وجهه
6:01 فأعرض عني وحول وجهه
6:04 فتحولت إلى ناحية وجهه
6:06 حتى فعل ذلك مرارا
6:09 كنت لا أشك وأنا مقبل على النبي
6:12 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:15 سيفرح بإسلامي
6:17 وأن أصحابه سيفرحون لفرحه
6:20 لكن المسلمين حين رأوا
6:22 إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:25 عني تجهموا لي
6:28 وأعرضوا عني جميعا
6:30 لقد لقيني أبو بكر
6:32 فأعرض عني أشد الإعراض
6:35 ونظرت إلى عمر بن الخطاب
6:37 نظرة أستلين بها قلبه
6:40 فوجدته أشد إعراضا من صاحبه
6:43 بل إنه أغرى بي أحد الأنصار
6:46 فقال لي الأنصاري
6:48 يا عدو الله
6:50 أنت الذي كنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:54 وتؤذي أصحابه
6:56 وقد بلغت في عداوة النبي
6:58 مشارق الأرض ومغاربها
7:01 وما زال الأنصاري يستطيل علي ويرفع صوته
7:05 والمسلمون يقتحمونني بعيونهم
7:08 ويسرون مما ألاقي
7:11 عند ذلك
7:12 أبصرت عمي العباس
7:14 فلذت به
7:15 وقلت يا عم
7:17 قد كنت أرجو أن يفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:21 بإسلامي لقرابتي منه
7:24 وشرفي في قومي
7:26 وقد كان منه ما تعلم
7:28 فكلمه في ليرضى عني
7:31 فقال لا والله
7:33 لا أكلمه كلمة أبدا
7:36 بعد الذي رأيته من إعراضه عنك
7:39 إلا إن سنحت فرصة
7:41 فإني أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهابه
7:46 فقلت يا عم
7:48 إلى من تكلني إذا
7:50 فقال
7:52 ليس لك عندي غير ما سمعت
7:54 فتملكني الهم وركبني الحزن
7:57 ولم ألبث أن رأيت ابن عمي
8:00 علي ابن أبي طالب
8:02 فكلمته في أمري
8:04 فقال لي مثل مقالة عمنا العباس
8:08 عند ذلك
8:09 رجعت إلى عمي العباس وقلت يا عم
8:13 إذا كنت لا تستطيع أن تعطف علي قلب الرسول
8:17 فكف عني ذلك الرجل الذي يشتمني ويغري الناس بشتمي
8:22 فقال
8:23 صفه لي
8:24 فوصفته له
8:26 فقال
8:27 ذلك نعيمان بن الحارث النجاري
8:31 وصل إليه وقال له
8:33 يا نعيمان
8:35 إن أبا سفيان
8:36 ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:40 وإن يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:43 ساخطا عليه اليوم
8:45 فسيرضى عنه يوما
8:47 فكف عنه
8:49 وما زال به حتى رضي بأن يكف عني
8:53 وقال
8:54 لا أعرض له بعد الساعة
8:57 ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة
9:01 جلست على باب منزله
9:03 ومع ابني جعفر قائما
9:06 فلما رآني وهو خارج من منزله
9:09 أشاح عني بوجه
9:11 فلم أي أسم استرضائه
9:13 وجعلت كل ما نزل في منزل أجلس على بابه
9:17 وأوقيم ابني جعفرا واقفا بإيزائي
9:21 فكان إذا أبصرني أعرض عني
9:24 وبقيت على ذلك زمانا
9:27 فلما اشتد علي الأمر وضاق
9:30 قلت لزوجتي
9:32 والله ليرضي أن عني رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:36 أو لآخذن بيدي ابني هذا
9:39 ثم لنذهب النهائمين على وجهينا في الأرض
9:43 حتى نموت جوعا وعطشا
9:46 فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:50 رق لي
9:52 ولما خرج من قبته
9:54 نظر إلي نظرا ألي أنا من النظر الأول
9:58 وكنت أرجو أن يبتسم
10:00 ثم دخل الرسول عليه الصلاة والسلام مكة
10:04 فدخلت في ركابه
10:06 وخرج إلى المسجد
10:08 فخرجت أسعى بين يديه لا أفارقه على حال
10:12 ولما كان يوم حنين
10:15 جمعت العرب لحرب النبي عليه الصلاة والسلام
10:19 ما لم تجمع قط
10:21 وأعدت للقائه ما لم تعد من قبل
10:25 وعزمت على أن تجعلها القاضية على الإسلام والمسلمين
10:30 وخرج الرسول صلوات الله وسلامه عليه
10:33 للقائهم في جموع من أصحابه
10:36 فخرجت معه
10:38 ولما رأيت جموع المشركين الكبيرة
10:41 قلت والله لأكفرنا اليوم
10:44 عن كل ما سلف مني من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم
10:49 وليرينا النبي من أثري ما يرضي الله ويرضيه
10:53 ولما التقى الجمعان
10:55 اشتدت وطأة المشركين على المسلمين
10:58 فدب فيهم الوهن والفشل
11:01 وجعل الناس يتفرقون عن النبي
11:04 وكادت تحل بنا الهزيمة المنكرة
11:08 فإذا بالرسول فداه أبي وأمي
11:11 يثبت في قلب المعركة على بغلته الشهباء
11:15 كأنه الطود الراسخ
11:18 ويجرد سيفة
11:20 ويجارد عن نفسه وعن من حوله كأنه الليث عاديا
11:25 عند ذلك
11:27 وثبت عن فرسي
11:29 وكسرت غمد سيفي
11:31 والله يعلم أني أريد الموت دون رسول الله
11:35 وأخذ عمي العباس بلجام بغلة النبي
11:39 ووقف بجانبه
11:41 وأخذت أنا مكاني من الجانب الآخر
11:44 وفي يميني سيفي أذود به عن رسول الله
11:47 أما شمالي فكانت ممسكة بركابه
11:50 فلما نظر النبي إلى حسن بلائي
11:53 قال لعم العباس من هذا
11:56 فقال هذا أخوك وبن عمك
11:59 أبو سفيان بن الحارث
12:01 فرض عنه أي رسول الله
12:04 فقال قد فعلت
12:06 وغفر الله له كل عداوة عادانيها
12:10 فاستطار فؤادي فرحا برضى رسول الله عني
12:15 وقبلت رجله في الركاب
12:18 ثم التفت إلي فقال
12:20 أخي لعمري تقدم فضارب
12:23 ألهبت كلمات الرسول صلوات الله وسلامه عليه حماستي
12:28 فحملت على المشركين حملة أزالتهم عن مواضعهم
12:32 وحمل مع المسلمون حتى طردناهم قدر فرسخ
12:36 وفرقناهم في كل وجه
12:39 ظل أبو سفيان بن الحارث منذ حنين
12:43 ينعم بجميل رضى النبي عنه
12:46 ويسعد بكريم صحبته
12:48 ولكنه لم يرفع نظره إليه أبدا
12:52 ولم يثبت بصره في وجهه حياء منه
12:56 وخجلا من ماضيه معه
12:58 وقد جعل أبو سفيان يعض بنانا ندم
13:02 على الأيام السود التي قضاها في الجاهلية محجوبا عن نور الله
13:07 محروما من كتابه
13:10 أكب على القرآن ليله ونهاره يتلو آياته
13:14 ويتفقه في أحكامه ويتملا من عضاته
13:19 وأعرض عن الدنيا وزهرتها
13:22 وأقبل على الله بكل جارحة من جوارحه
13:26 حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه رآه ذات مرة يدخل المسجد
13:32 فقال لعائشة رضي الله عنها
13:35 أتدرين من هذا يا عائشة
13:38 قالت لا يا رسول الله
13:40 قال إنه ابن عمي أبو سفيان ابن الحارث
13:45 انظري إنه أول من يدخل المسجد
13:48 وآخر من يخرج منه
13:50 ولا يفارق بصره شراك نعله
13:53 ولما لحق الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالرفيق الأعلى
13:59 حزن عليه أبو سفيان ابن الحارث حزن الأم على وحيدها
14:04 وبكاه بكاء الحبيب على حبيبه
14:07 ورثاه بقصيدة من غرل المراث
14:11 تفيض لوعة وشجون
14:13 وتذوب حسرة وأنينا
14:16 وفي خلافة الفاروق رضي الله عنه
14:19 أحس أبو سفيان بدنو أجله
14:22 فحفر لنفسه قبره بيديه
14:25 ولم يمضي على ذلك غير ثلاثة أيام
14:29 حتى حضرته الوفاه
14:31 كأنه مع الموت على ميعد
14:35 فالتفت إلى زوجته وأولاده وأهله
14:38 وقال لا تبكوا علي
14:41 فوالله ما تعلقت بخطيئة منذ أسلمت
14:45 ثم فاضت روحه الطاهرة
14:49 فصلى عليه الفاروق رضوان الله عليه
14:52 وحزن لفقده هو والصحابة الكرام
14:56 وعدوا موته رز أن جللا حل بالإسلام وأهله
15:01 أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان الجنة
15:07 محمد رسول الله