ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 56 من 82
صور من حياة الصحابة - الحلقة (81) - أبو عبيد بن مسعود الثقفي رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
ربيد بن مسعود الثقافي
0:33
رضي الله عنك
0:52
ها هو ذا خليفة رسول الله
0:54
أبو بكر الصديق
0:56
موسدا على فراشه
0:58
مترقبا قضاء الله فيه
1:00
بعد أن ثقلت عليه وطأة المرض
1:03
وها هم أولئ أهل المدينة
1:05
يترددون على بيت خليفة المسلمين
1:08
وجلين مشفقين
1:10
وفيما كان الصديق على حالته هذه
1:14
دعا خليفته من بعده وقال
1:17
يا عمر
1:18
إني لأرجو أن أموت في يومي هذا
1:22
فإذا أنا مت
1:24
فلا تصبحن حتى تندب الناس إلى قتال الفرس
1:29
ثم بعث من يستجيب لك منهم
1:31
مددا لجيش المسلمين المقاتل هناك
1:35
ولا تشغلنكم عن أمر دينكم مصيبة مهما جلت
1:40
ثم ما لبث أن أسلم الروح قبل مغيب شمس ذلك اليوم
1:45
وارى الفاروق صاحبه التراب ليلة
1:49
وما إن طلع الصباح
1:51
حتى كان أول عمر قام به
1:54
أنه ندب الناس لقتال الفرس
1:57
ورغبهم في ذلك أشد الترغيب
2:00
لكنه فوجئ بأنه لم يستجيب له منهم أحد
2:04
وذلك لشدة خشيتهم من الفرس
2:07
وكثرة ما سمعوه عن بأسهم وبطشهم
2:11
فلما كان اليوم التالي
2:13
دع الناس كرة أخرى
2:15
فلم يلبه منهم أحد
2:18
فلما كان اليوم الثالث
2:20
ندبهم مرة ثالثة
2:23
فلم ينتدب له منهم أحد
2:26
فلما كان اليوم الرابع
2:29
خرج إلى الناس ضيق الصدر كاسف البال
2:33
ودعاهم إلى قتال الفرس
2:36
فقام إليه أبو عبيد بن مسعود الثقافي
2:39
وقال
2:41
يا أمير المؤمنين
2:43
لقد سمعنا دعوتك
2:45
وأطعنا أمرك
2:47
وأنا أول من يستجيب لك
2:49
ومع أولادي وأهلي وعشيرتي
2:52
فانفرجت أسارير عمر رضي الله عنه
2:56
ودبت الحمية في صدور الرجال
2:59
فأقبلوا على الانضمام إلى الجيش الغازي
3:02
في سبيل الله
3:04
ولما اكتمل جمع المسلمين
3:06
قال قائل منهم لعمر بن الخطاب
3:09
ولي على الجيش أحد السابقين
3:12
إلى الإسلام من المهاجرين أو الأنصار
3:15
فهم أرفع الناس قدرة
3:17
وأعظمهم شأنا
3:19
فقال لا والله
3:21
إنما رفع قدرهم وعظم شأنهم
3:24
سبقهم إلى الصالحات
3:26
ومسارعتهم إلى لقاء أعداء الله
3:30
فإذا تثاقلوا عن الجهاد في سبيل الله
3:33
وخف إليه أحد غيرهم
3:36
كان هو السابق من دونهم
3:38
والأولى بالرياسة عليهم
3:41
والله لا أؤمر عليهم
3:43
إلا أول المسلمين استجابة لداعي الجهاد
3:47
ثم دعى أبا عبيد بن مسعود الثقفي
3:51
وعقد له الراية على جيش المسلمين
3:54
المتوجه لحرب الفرس
3:56
مضى أبو عبيد بجيشه البالغ
3:59
خمسة آلاف مجاهد
4:01
ومعه أخوه وأولاده الثلاثة وزوجته
4:05
وكان كلما مر بحي من أحياء العرب
4:09
حضهم على الجهاد
4:11
ورغبهم في الاستشهاد
4:13
فما زال الجيش ينمو ويكبر
4:16
حتى بلغ عشرة آلاف مجاهد
4:19
وصلت أنباء جيش المسلمين القادم
4:22
بقيادة أبي عبيد إلى مسامع الفرس
4:26
فحشدوا جنودهم وعبأوا قواهم
4:29
وعزموا على أن يضربوا المسلمين ضربة قاضية
4:33
لا تقوم لهم بعدها قائمة
4:36
وجعلوا على قيادة جيشهم عظيما من عظمائهم
4:41
يدعى جابان
4:43
وجعلوا على ميمنته فارسا من مشاهر فرسانهم
4:47
يقال له مردان
4:49
إلتقى الجمعان في النمارق
4:53
ودارت بينهما رحى معركة طحون
4:56
أبدى فيها جيش المسلمين
4:59
بقيادة أبي عبيد
5:01
من ضروب البسالة والبذل
5:03
ما زلزل أقدام الفرس
5:05
وألحق بهم الهزيمة المنكره
5:08
ومزقهم شر ممزق
5:11
فوقع جابان قائد الجيش
5:14
في أسر جندي من جنود المسلمين
5:17
يدعى مطر بن فضة التيمي
5:20
ووقع مردان في أسر جندي آخر
5:23
يدعى أكتل بن شماخ العكلي
5:26
فقتل أكتل أسيره
5:29
أما جابان
5:30
فقد أدرك أن آسره لم يعرف
5:33
فجعل يتذلل له
5:35
ويظهر له الضعف والعجز وتقدم السن
5:39
ويسأله أن يؤمنه على نفسه
5:42
ويمنيه بما يشاء من العطاء
5:45
فأشفق عليه مطر وأمنه وأطلق سراحة
5:49
لكن جابان ما كاد يتخلص من بين يدي آسره
5:54
حتى عرفه جند المسلمين وقبضوا عليه
5:58
وأتوا به إلى قائد الجيش أبي عبيد
6:01
وقالوا هذا جابان قائد جيش الفرس
6:05
ولقد أمنه أحد جنود المسلمين
6:08
وهو لا يعرفه
6:10
ثم أشاروا عليه بقتله
6:12
فقال والله لا أقتله بعد أن أمنه
6:16
فالمسلمون كالجسد الواحد
6:19
ما لزم بعضهم فقد لزمهم جميعا
6:23
وأطلق سراحة
6:25
استسلم الجند المنهزمون لأبي عبيد
6:28
وصالحوه على أن يدفعوا له الجزية
6:31
وجاءوا له بنفائس الطعام والأخبصة
6:35
والأخبصة هي نوع من الحلوى
6:38
فلما وضعوها بين يديه
6:41
أعرض عنها وقال
6:43
هل أكرمتم جند المسلمين جميعا
6:46
بمثل ما تكرمونني به
6:49
فقالوا إن ذلك لم يتيسر لنا اليوم
6:53
وسنفعله غدا
6:55
فقال ارفعوه فلا حاجة لنا به
6:59
ثم دمعت عيناه وقال
7:02
بئس المرء أبو عبيد
7:04
إن هو صحب جنود المسلمين من ديارهم
7:08
وانتزعهم من بين أهلهم وأولادهم
7:11
ثم استأثر من دونهم بشي
7:14
لا والله لا آكل شيئا مما أتيتم به
7:19
ولا مما أفاء الله به علينا من الغنائم
7:23
إلا ما يأكل أوسط جندي من جنود المسلمين
7:27
فرفعوه
7:29
جمع أبو عبيد الغنائم
7:32
وكان في جملة ما غنمه
7:34
نوع من فاخر التمر
7:36
يدعى النرسيان
7:38
وذلك نسبة إلى نرسي
7:40
ابن خالة الملك
7:42
وإنما نسب إليه
7:44
لأنه استأثر بزراعته
7:46
وحضرها على غيره من الناس
7:49
وكان ملك فارس
7:51
يخص نفسه بهذا النوع الفريد من التمر
7:55
فلا يأكله أحد إلا هو وأسرته
7:58
ومن شاء أن يكرمه بهدية منه
8:02
فوزعه أبو عبيد
8:04
على فلاح الفرس
8:06
الذين كانوا يغرسونه ويجنونه
8:09
ولا يذوقونه
8:11
وبعث بخمسه إلى بيت مار المسلمين في المدينة
8:15
وكتب إلى عمر بن الخطاب يقول
8:18
إن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة تحميها
8:23
وتختص بها من دون رعيتها
8:26
فأحببنا أن تروها يا أمير المؤمنين
8:30
لتشكر الله تعالى على إنعامه وإفضاله
8:33
بلغت أنباء الهزيمة المنكرة التي حلت بالفرس
8:38
مسامع كبيرهم رستم
8:40
وعرف ما حل بجابان وقائد ميمنته
8:44
فاستشاط غضبا
8:46
وكبر عليه أن تنهزم جيوش الفرس المظفرة
8:50
أمام هذه القلة القليلة من العرب الحفاة العراة
8:55
فجمع خاصته وقال لهم
8:58
أي العجم أشد بأسا على العرب فيما ترون
9:02
فقالوا إنه بهمن ذو الحاجب
9:06
فقال أصبتم
9:08
ثم استدعى بهمن
9:10
وعقد له اللواء على ثمانين ألفا من أشداء المقاتلين
9:15
وجعل في جيشه عشرين فيلا
9:18
لم تر العين أضحم منهم ولا أقوى
9:22
فسار بهمن بهذا الجيش اللجب
9:25
حتى نزل على شاطئ الفرات الشرقي
9:28
بالقرب من موقع الكوفة
9:31
أما أبو عبيد فقد توجه بجنده
9:34
وعسكر على ضفة النهر المقابلة لمعسكر الفرس
9:39
فكتب بهمن إلى أبي عبيد يقول
9:43
إما أن تعبروا إلينا
9:45
ولا نمد لكم يدا بسوء عند عبوركم
9:49
وإما أن نعبر إليكم كذلك
9:52
فقال أبو عبيد لمن حوله
9:55
لا يكون الفرس أجرأ منا على الموت
9:59
وعزم على العبور
10:01
على الرغم من معارضة كثير من رجاله
10:04
لما عزم عليه
10:06
وأعلم الفرس بذلك
10:08
وفي الليلة التي سبقت العبور
10:12
رأت زوجة أبي عبيد فيما يراه النائم
10:16
أن رجلا هبط من السماء
10:19
ومعه إبريق فيه شراب
10:22
فسقى منه زوجها وآخاه وأولاده الثلاثة
10:26
فلما قصت رؤياها على أبي عبيد
10:29
قال لها بشراكي
10:31
فقد كتبت لي الشهادة أنا وأخي وأولادي
10:35
ثم وقف في جنده وقال
10:38
أيها الناس
10:40
إن قتلت فأمروا عليكم أخي حكما
10:44
فإن قتل فأمروا ولدي وهبا
10:48
فإن قتل فأمروا أخاه مالكا
10:52
فإن قتل فأمروا أخاه جبرا
10:55
فإن قتل فأمروا المثنبن حارثة الشيباني
11:00
ثم أمر المسلمين بالعبور
11:03
فصدعوا بالأمر
11:05
وطفقوا يتدفقون نحو الشاطئ الشرقي من النهر كما يتدفق السيل
11:11
وعبروه فوق جسر نصبوه هناك
11:14
ولما التق الجيشان على أرض المعركة
11:18
فوجئ المسلمون بالفيلة التي تتقدم جيش الفرس
11:22
وقد ثبتت على ظهورها ورقابها أغصان كثيفة من سعف النخل
11:29
وعلقت عليها أجراس كبيرة مجلجلة
11:33
فبدى كل فيل منها كأنه جبل مشجر يمشي على الأرض
11:39
فهابها جنود المسلمين الذين لم يكن لهم عهد بها من قبل
11:44
وأجفلت منها خيولهم
11:47
فأيقن أبو عبيد بأنه لا بد له من أن يقضي على الفيلة وفرسانها
11:53
حتى يحقق لجيشه النصر
11:56
فنادى بجنود المسلمين أن أقبلوا على الفيلة وقطعوا أحزمتها
12:02
وقلبوا الرجال من فوقها وطعنوها في مقاتلها
12:07
وهنذا ماض أمامكم
12:10
وما إن أتم كلامه حتى أقبل على الفيل الأكبر
12:15
فقطع حزامه وأرض الفارس الذي على ظهره
12:19
لكن الفيل ما لبث أن ضربه بخرطومه ضربة ألقته على الأرض
12:25
ثم داس عليه بيديه وصرعه
12:29
توالى على القيادة من بعد أبي عبيد أخوه الحكم
12:33
فخر صريعا شهيدا
12:36
فتلاه ابنه الأكبر
12:38
فلحق بأبيه وعمه
12:40
فتلاه ابنه الثاني
12:42
فلحق بهم أيضا
12:44
فتلاه ابنه الثالث
12:46
فآل إلى ما آل إليه أبوه وأخواه وعمه
12:50
فتحققت رؤيا زوجة أبي عبيد
12:54
وصح تأويله لها
12:56
حيث كتبت الشهادة لهم جميعا
12:59
لم يحقق المسلمون في هذه الواقعة
13:03
التي دعيت بوقعة الجسر
13:05
ما كانوا يرجونه من نصر
13:08
غير أنهم ملأوا قلوب أعدائهم رعبا
13:12
وشحنوا أفئدتهم رهبة وخوفا
13:15
ولقد كانت وقعة الجسر
13:18
حدثا خطيرا كبيرا له ما بعده
13:21
ذلك أن يوم القادسية الأبلج الأغر
13:25
لم يكن عن يوم الجسر ببعيد