صور من حياة الصحابة - الحلقة (81) - أبو عبيد بن مسعود الثقفي رضي الله عنه

◉ 0 مشاهدة ⏱ 13:51 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:17 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22 لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:30 ربيد بن مسعود الثقافي
0:33 رضي الله عنك
0:52 ها هو ذا خليفة رسول الله
0:54 أبو بكر الصديق
0:56 موسدا على فراشه
0:58 مترقبا قضاء الله فيه
1:00 بعد أن ثقلت عليه وطأة المرض
1:03 وها هم أولئ أهل المدينة
1:05 يترددون على بيت خليفة المسلمين
1:08 وجلين مشفقين
1:10 وفيما كان الصديق على حالته هذه
1:14 دعا خليفته من بعده وقال
1:17 يا عمر
1:18 إني لأرجو أن أموت في يومي هذا
1:22 فإذا أنا مت
1:24 فلا تصبحن حتى تندب الناس إلى قتال الفرس
1:29 ثم بعث من يستجيب لك منهم
1:31 مددا لجيش المسلمين المقاتل هناك
1:35 ولا تشغلنكم عن أمر دينكم مصيبة مهما جلت
1:40 ثم ما لبث أن أسلم الروح قبل مغيب شمس ذلك اليوم
1:45 وارى الفاروق صاحبه التراب ليلة
1:49 وما إن طلع الصباح
1:51 حتى كان أول عمر قام به
1:54 أنه ندب الناس لقتال الفرس
1:57 ورغبهم في ذلك أشد الترغيب
2:00 لكنه فوجئ بأنه لم يستجيب له منهم أحد
2:04 وذلك لشدة خشيتهم من الفرس
2:07 وكثرة ما سمعوه عن بأسهم وبطشهم
2:11 فلما كان اليوم التالي
2:13 دع الناس كرة أخرى
2:15 فلم يلبه منهم أحد
2:18 فلما كان اليوم الثالث
2:20 ندبهم مرة ثالثة
2:23 فلم ينتدب له منهم أحد
2:26 فلما كان اليوم الرابع
2:29 خرج إلى الناس ضيق الصدر كاسف البال
2:33 ودعاهم إلى قتال الفرس
2:36 فقام إليه أبو عبيد بن مسعود الثقافي
2:39 وقال
2:41 يا أمير المؤمنين
2:43 لقد سمعنا دعوتك
2:45 وأطعنا أمرك
2:47 وأنا أول من يستجيب لك
2:49 ومع أولادي وأهلي وعشيرتي
2:52 فانفرجت أسارير عمر رضي الله عنه
2:56 ودبت الحمية في صدور الرجال
2:59 فأقبلوا على الانضمام إلى الجيش الغازي
3:02 في سبيل الله
3:04 ولما اكتمل جمع المسلمين
3:06 قال قائل منهم لعمر بن الخطاب
3:09 ولي على الجيش أحد السابقين
3:12 إلى الإسلام من المهاجرين أو الأنصار
3:15 فهم أرفع الناس قدرة
3:17 وأعظمهم شأنا
3:19 فقال لا والله
3:21 إنما رفع قدرهم وعظم شأنهم
3:24 سبقهم إلى الصالحات
3:26 ومسارعتهم إلى لقاء أعداء الله
3:30 فإذا تثاقلوا عن الجهاد في سبيل الله
3:33 وخف إليه أحد غيرهم
3:36 كان هو السابق من دونهم
3:38 والأولى بالرياسة عليهم
3:41 والله لا أؤمر عليهم
3:43 إلا أول المسلمين استجابة لداعي الجهاد
3:47 ثم دعى أبا عبيد بن مسعود الثقفي
3:51 وعقد له الراية على جيش المسلمين
3:54 المتوجه لحرب الفرس
3:56 مضى أبو عبيد بجيشه البالغ
3:59 خمسة آلاف مجاهد
4:01 ومعه أخوه وأولاده الثلاثة وزوجته
4:05 وكان كلما مر بحي من أحياء العرب
4:09 حضهم على الجهاد
4:11 ورغبهم في الاستشهاد
4:13 فما زال الجيش ينمو ويكبر
4:16 حتى بلغ عشرة آلاف مجاهد
4:19 وصلت أنباء جيش المسلمين القادم
4:22 بقيادة أبي عبيد إلى مسامع الفرس
4:26 فحشدوا جنودهم وعبأوا قواهم
4:29 وعزموا على أن يضربوا المسلمين ضربة قاضية
4:33 لا تقوم لهم بعدها قائمة
4:36 وجعلوا على قيادة جيشهم عظيما من عظمائهم
4:41 يدعى جابان
4:43 وجعلوا على ميمنته فارسا من مشاهر فرسانهم
4:47 يقال له مردان
4:49 إلتقى الجمعان في النمارق
4:53 ودارت بينهما رحى معركة طحون
4:56 أبدى فيها جيش المسلمين
4:59 بقيادة أبي عبيد
5:01 من ضروب البسالة والبذل
5:03 ما زلزل أقدام الفرس
5:05 وألحق بهم الهزيمة المنكره
5:08 ومزقهم شر ممزق
5:11 فوقع جابان قائد الجيش
5:14 في أسر جندي من جنود المسلمين
5:17 يدعى مطر بن فضة التيمي
5:20 ووقع مردان في أسر جندي آخر
5:23 يدعى أكتل بن شماخ العكلي
5:26 فقتل أكتل أسيره
5:29 أما جابان
5:30 فقد أدرك أن آسره لم يعرف
5:33 فجعل يتذلل له
5:35 ويظهر له الضعف والعجز وتقدم السن
5:39 ويسأله أن يؤمنه على نفسه
5:42 ويمنيه بما يشاء من العطاء
5:45 فأشفق عليه مطر وأمنه وأطلق سراحة
5:49 لكن جابان ما كاد يتخلص من بين يدي آسره
5:54 حتى عرفه جند المسلمين وقبضوا عليه
5:58 وأتوا به إلى قائد الجيش أبي عبيد
6:01 وقالوا هذا جابان قائد جيش الفرس
6:05 ولقد أمنه أحد جنود المسلمين
6:08 وهو لا يعرفه
6:10 ثم أشاروا عليه بقتله
6:12 فقال والله لا أقتله بعد أن أمنه
6:16 فالمسلمون كالجسد الواحد
6:19 ما لزم بعضهم فقد لزمهم جميعا
6:23 وأطلق سراحة
6:25 استسلم الجند المنهزمون لأبي عبيد
6:28 وصالحوه على أن يدفعوا له الجزية
6:31 وجاءوا له بنفائس الطعام والأخبصة
6:35 والأخبصة هي نوع من الحلوى
6:38 فلما وضعوها بين يديه
6:41 أعرض عنها وقال
6:43 هل أكرمتم جند المسلمين جميعا
6:46 بمثل ما تكرمونني به
6:49 فقالوا إن ذلك لم يتيسر لنا اليوم
6:53 وسنفعله غدا
6:55 فقال ارفعوه فلا حاجة لنا به
6:59 ثم دمعت عيناه وقال
7:02 بئس المرء أبو عبيد
7:04 إن هو صحب جنود المسلمين من ديارهم
7:08 وانتزعهم من بين أهلهم وأولادهم
7:11 ثم استأثر من دونهم بشي
7:14 لا والله لا آكل شيئا مما أتيتم به
7:19 ولا مما أفاء الله به علينا من الغنائم
7:23 إلا ما يأكل أوسط جندي من جنود المسلمين
7:27 فرفعوه
7:29 جمع أبو عبيد الغنائم
7:32 وكان في جملة ما غنمه
7:34 نوع من فاخر التمر
7:36 يدعى النرسيان
7:38 وذلك نسبة إلى نرسي
7:40 ابن خالة الملك
7:42 وإنما نسب إليه
7:44 لأنه استأثر بزراعته
7:46 وحضرها على غيره من الناس
7:49 وكان ملك فارس
7:51 يخص نفسه بهذا النوع الفريد من التمر
7:55 فلا يأكله أحد إلا هو وأسرته
7:58 ومن شاء أن يكرمه بهدية منه
8:02 فوزعه أبو عبيد
8:04 على فلاح الفرس
8:06 الذين كانوا يغرسونه ويجنونه
8:09 ولا يذوقونه
8:11 وبعث بخمسه إلى بيت مار المسلمين في المدينة
8:15 وكتب إلى عمر بن الخطاب يقول
8:18 إن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة تحميها
8:23 وتختص بها من دون رعيتها
8:26 فأحببنا أن تروها يا أمير المؤمنين
8:30 لتشكر الله تعالى على إنعامه وإفضاله
8:33 بلغت أنباء الهزيمة المنكرة التي حلت بالفرس
8:38 مسامع كبيرهم رستم
8:40 وعرف ما حل بجابان وقائد ميمنته
8:44 فاستشاط غضبا
8:46 وكبر عليه أن تنهزم جيوش الفرس المظفرة
8:50 أمام هذه القلة القليلة من العرب الحفاة العراة
8:55 فجمع خاصته وقال لهم
8:58 أي العجم أشد بأسا على العرب فيما ترون
9:02 فقالوا إنه بهمن ذو الحاجب
9:06 فقال أصبتم
9:08 ثم استدعى بهمن
9:10 وعقد له اللواء على ثمانين ألفا من أشداء المقاتلين
9:15 وجعل في جيشه عشرين فيلا
9:18 لم تر العين أضحم منهم ولا أقوى
9:22 فسار بهمن بهذا الجيش اللجب
9:25 حتى نزل على شاطئ الفرات الشرقي
9:28 بالقرب من موقع الكوفة
9:31 أما أبو عبيد فقد توجه بجنده
9:34 وعسكر على ضفة النهر المقابلة لمعسكر الفرس
9:39 فكتب بهمن إلى أبي عبيد يقول
9:43 إما أن تعبروا إلينا
9:45 ولا نمد لكم يدا بسوء عند عبوركم
9:49 وإما أن نعبر إليكم كذلك
9:52 فقال أبو عبيد لمن حوله
9:55 لا يكون الفرس أجرأ منا على الموت
9:59 وعزم على العبور
10:01 على الرغم من معارضة كثير من رجاله
10:04 لما عزم عليه
10:06 وأعلم الفرس بذلك
10:08 وفي الليلة التي سبقت العبور
10:12 رأت زوجة أبي عبيد فيما يراه النائم
10:16 أن رجلا هبط من السماء
10:19 ومعه إبريق فيه شراب
10:22 فسقى منه زوجها وآخاه وأولاده الثلاثة
10:26 فلما قصت رؤياها على أبي عبيد
10:29 قال لها بشراكي
10:31 فقد كتبت لي الشهادة أنا وأخي وأولادي
10:35 ثم وقف في جنده وقال
10:38 أيها الناس
10:40 إن قتلت فأمروا عليكم أخي حكما
10:44 فإن قتل فأمروا ولدي وهبا
10:48 فإن قتل فأمروا أخاه مالكا
10:52 فإن قتل فأمروا أخاه جبرا
10:55 فإن قتل فأمروا المثنبن حارثة الشيباني
11:00 ثم أمر المسلمين بالعبور
11:03 فصدعوا بالأمر
11:05 وطفقوا يتدفقون نحو الشاطئ الشرقي من النهر كما يتدفق السيل
11:11 وعبروه فوق جسر نصبوه هناك
11:14 ولما التق الجيشان على أرض المعركة
11:18 فوجئ المسلمون بالفيلة التي تتقدم جيش الفرس
11:22 وقد ثبتت على ظهورها ورقابها أغصان كثيفة من سعف النخل
11:29 وعلقت عليها أجراس كبيرة مجلجلة
11:33 فبدى كل فيل منها كأنه جبل مشجر يمشي على الأرض
11:39 فهابها جنود المسلمين الذين لم يكن لهم عهد بها من قبل
11:44 وأجفلت منها خيولهم
11:47 فأيقن أبو عبيد بأنه لا بد له من أن يقضي على الفيلة وفرسانها
11:53 حتى يحقق لجيشه النصر
11:56 فنادى بجنود المسلمين أن أقبلوا على الفيلة وقطعوا أحزمتها
12:02 وقلبوا الرجال من فوقها وطعنوها في مقاتلها
12:07 وهنذا ماض أمامكم
12:10 وما إن أتم كلامه حتى أقبل على الفيل الأكبر
12:15 فقطع حزامه وأرض الفارس الذي على ظهره
12:19 لكن الفيل ما لبث أن ضربه بخرطومه ضربة ألقته على الأرض
12:25 ثم داس عليه بيديه وصرعه
12:29 توالى على القيادة من بعد أبي عبيد أخوه الحكم
12:33 فخر صريعا شهيدا
12:36 فتلاه ابنه الأكبر
12:38 فلحق بأبيه وعمه
12:40 فتلاه ابنه الثاني
12:42 فلحق بهم أيضا
12:44 فتلاه ابنه الثالث
12:46 فآل إلى ما آل إليه أبوه وأخواه وعمه
12:50 فتحققت رؤيا زوجة أبي عبيد
12:54 وصح تأويله لها
12:56 حيث كتبت الشهادة لهم جميعا
12:59 لم يحقق المسلمون في هذه الواقعة
13:03 التي دعيت بوقعة الجسر
13:05 ما كانوا يرجونه من نصر
13:08 غير أنهم ملأوا قلوب أعدائهم رعبا
13:12 وشحنوا أفئدتهم رهبة وخوفا
13:15 ولقد كانت وقعة الجسر
13:18 حدثا خطيرا كبيرا له ما بعده
13:21 ذلك أن يوم القادسية الأبلج الأغر
13:25 لم يكن عن يوم الجسر ببعيد