ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 5 من 72
صور من حياة الصحابة - الحلقة (22) - النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
النعمان بن مقرن المزني
0:32
رضي الله عنه
0:46
كانت قبيلة مزينة
0:48
تتخذ منازلها قريبا من يثرب
0:51
على طريق الممتدة بين المدينة و مكة
0:54
وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه
0:57
قد هاجر إلى المدينة
0:59
وجعلت أخباره تصل تباعا إلى مزينة مع الغادين والرائحين
1:04
فلا تسمع عنه إلا خيرا
1:07
وفي ذات عشية جلس سيد القوم
1:10
النعمان بن مقرن المزني
1:13
في ناديه مع إخوته ومشيخة قبيلته
1:17
فقال لهم يا قوم
1:20
والله ما علمنا عن محمد إلا خيرا
1:23
ولا سمعنا من دعوته إلا مرحمة وإحسان وعدلا
1:28
فما بالنا نبطئ عنه
1:31
والناس إليه يسرعون
1:33
ثم أتبع يقول
1:35
أما أنا
1:37
فقد عزمت على أن أغدو عليه إذا أصبحت
1:40
فمن شاء منكم أن يكون معي فليتجهز
1:44
وكأنما مست كلمات النعمان
1:47
وترى مرهفا في نفوس القوم
1:50
فما ان طلع الصباح
1:52
حتى وجد إخوته العشرة
1:55
و أربعمائة فارس من فرسان مزينة
1:58
قد جهزوا أنفسهم للمضي معه إلى يثرب
2:02
للقاء النبي صلوات الله وسلامه عليه
2:05
والدخول في دين الله
2:08
بيد أن النعمان استحى أن يفد مع هذا الجمع الحاشد
2:11
على النبي صلى الله عليه وسلم
2:14
دون أن يحمل له وللمسلمين شيئا في يده
2:18
لكن سنة الشهباء المجدبة
2:21
التي مرت بها مزينة
2:23
لم تترك لها ضرع ولا زرع
2:26
فطاف النعمان ببيته وبيوت إخوته
2:29
وجمع كل ما أبقاه لهم القحط من غنيمات
2:33
وساقها أمامه
2:35
وقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم
2:39
وأعلن هو ومن معه إسلامهم بين يديه
2:43
اهتزت يثرب من أقصاها إلى أقصاها
2:47
فرحا بالنعمان ابن مقرن وصحبه
2:50
إذ لم يسبق لبيت من بيوت العرب
2:52
أن أسلم منه أحد عشر أخا من أب واحد
2:55
ومعهم أربعمائة فارس
2:58
وسر الرسول الكريم بإسلام النعمان
3:01
أبلغ السرور
3:03
وتقبل الله جل وعز غنيماته
3:06
وأنزل فيه قرآنا فقال
3:09
إن ضو النعمان ابن مقرن تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:14
وشهد معه غزواته كلها
3:17
غير وان ولا مقصر
3:20
ولما آلت الخلافة إلى الصديق
3:23
وقف معه هو وقومه من بني مزينة وقفة حازمة
3:27
كان لها أثر كبير في القضاء على فتنة الردة
3:32
ولما صارت الخلافة إلى الفاروق
3:35
كان للنعمان ابن مقرن في عهده شأن
3:39
ما يزال التاريخ يذكره بلسان ندي بالحمد
3:43
رطيب بالثناء
3:45
فقبيل القادسية
3:47
أرسل سعد بن أبي وقاص
3:49
قائد جيوش المسلمين
3:51
وفدا إلى كسرا يزدجرد
3:54
برئاسة النعمان ابن مقرن
3:56
ليدعوه إلى الإسلام
3:59
ولما بلغوا عاصمة كسرا في المداء
4:02
استأذنوا بالدخول عليه
4:04
فأذن لهم ثم دعت ترجمان فقال له
4:08
سلهم
4:09
ما الذي جاء بكم إلى ديارنا
4:11
وأغراكم بغزونا
4:13
لعلكم طمعتم بنا واجترعتم علينا
4:16
لأننا تشغلنا عنكم
4:18
ولم نشأ أن نبطش بكم
4:21
فالتفت النعمان ابن مقرن إلى من معه
4:24
وقال إن شئتم أجبته عنكم
4:27
وإن شاء أحد منكم أن يتكلم
4:30
آثرته بالكلام
4:32
فقالوا بل تكلم
4:34
ثم التفت إلى كسرا وقالوا
4:37
هذا الرجل يتكلم بلساننا
4:40
فاستمع إلى ما يقول
4:42
فحمد النعمان الله وأثنى عليه
4:45
وصلى على نبيه وسلم
4:48
ثم قال إن الله رحمنا
4:51
فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير
4:54
ويأمرنا به
4:55
ويعرفنا الشر وينهانا عنه
4:58
ووعدنا إن أجبناه إلى ما دعانا إليه
5:01
أن يعطينا الله خير الدنيا والآخرة
5:05
فما هو إلا قليل
5:07
حتى بدل الله ضيقنا سعه
5:10
وذلتنا عزة
5:12
وعداواتنا إخاء ومرحمة
5:15
وقد أمرنا أن ندعو الناس إلى ما فيه خيرهم
5:19
وأن نبدأ بمن يجاورنا
5:21
فنحن ندعوكم إلى الدخول في ديننا
5:24
وهو دين حسن الحسن كله
5:27
وحض عليه وقبح القبيح كله
5:30
وحذر منه
5:32
وهو ينقل معتنقيه من ظلام الكفر وجوره
5:35
إلى نور الإيمان وعدله
5:38
فإن أجبتمونا إلى الإسلام
5:40
خلفنا فيكم كتاب الله
5:42
وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه
5:46
ورجعنا عنكم وتركناكم وشأنكم
5:49
فإن أبيتم الدخول في دين الله
5:52
أخذنا منكم الجزية وحميناكم
5:55
فإن أبيتم إعطاء الجزية حاربناكم
5:59
فاستشاط يزدجرد غضبا وغيظا مما سمع
6:03
وقال
6:04
إني لا أعلم أمة في الأرض
6:06
كانت أشقى منكم ولأقل عددا
6:09
ولا أشد فرقة ولا أسوأ حالا
6:12
وقد كنا نكل أمركم إلى ولاة الضواح
6:15
فيأخذون لنا الطاعة منكم
6:18
ثم خفف شيئا من حدته وقال
6:21
فإن كانت الحاجة هي التي دعتكم
6:24
إلى المجيء إلينا
6:26
أمرنا لكم بقوت إلى أن تخصب دياركم
6:30
وكسونا سادتكم ووجوه قومكم
6:33
وملكنا عليكم ملكا من قبلنا يرفق بكم
6:37
فرد عليه رجل من الوفد ردا
6:40
أشعل نار غضبه من جديد
6:42
فقال
6:43
لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم
6:47
قوموا فليس لكم شيء عندي
6:50
وأخبروا قائدكم أني مرسل إليه رستم
6:54
حتى يدفنه ويدفنكم معا في خندق القادسية
6:58
ثم أمر فأتي له بحمل تراب
7:01
وقال لرجاله
7:03
حملوه على أشرف هؤلاء
7:05
وسوقوه أمامكم على مرأة من الناس
7:08
حتى يخرج من أبواب عاصمة ملكنا
7:12
فقالوا للوفد من أشرفكم
7:15
فبادر إليهم عاصم بن عمر
7:17
وقال أنا
7:19
فحملوه عليه حتى خرج من المدائن
7:23
ثم حمله على ناقته
7:25
وأخذه معه لسعد بن أبي وقاص
7:28
وبشره بأن الله سيفتح على المسلمين ديار الفرس
7:33
ويملكهم تراب أرضهم
7:36
ثم وقعت معركة القادسية
7:39
واكتض خندقها بجثث آلاف القتلى
7:42
ولكنهم لم يكونوا من جند المسلمين
7:46
وإنما كانوا من جنود كسرى
7:49
لم يستكن الفرص لهزيمة القادسية
7:52
فجمعوا جموعهم
7:54
وجيشوا جيوشهم
7:56
حتى اكتمل لهم مئة وخمسون ألف
7:59
من أشداء المقاتلين
8:02
وقف الفاروق على أخبار هذا الحشد العظيم
8:05
عزم على أن يمضي إلى مواجهة هذا الخطر الكبير بنفسه
8:10
ولكن وجوه المسلمين ثنوه عن ذلك
8:13
وأشاروا عليه أن يرسل قائدا
8:16
يعتمد عليه في مثل هذا الأمر الجليل
8:19
فقال عمر
8:21
أشيروا علي برجل لأوليه ذلك الثغر
8:25
فقالوا أنت أعلم بجندك يا أمير المؤمنين
8:29
فقال والله الأول ين على جند المسلمين رجلا
8:34
يكون إذا التق الجمعان أسبق من الأسنة
8:38
هو النعمان بن مقرن المزني
8:41
فقالوا هو لها
8:44
فكتب إليه يقول
8:46
من عبد الله عمر بن الخطاب
8:49
إلى النعمان بن مقرن
8:51
أما بعد
8:53
فإنه بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة
8:56
قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند
8:59
فإذا أتاك كتابي هذا
9:01
فسر بأمر الله
9:03
وبعون الله
9:04
وبنصر الله
9:06
بمن معك من المسلمين
9:08
ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم
9:11
فإن رجلا واحدا من المسلمين
9:13
أحب إلي من مئة ألف دينار
9:16
والسلام عليك
9:18
هب النعمان بجيشه للقاء العدو
9:21
وأرسل أمامه طلائع من فرسانه
9:24
لتكشف له الطريق
9:26
فلما اقترب الفرسان من نهاوند
9:28
توقفت خيولهم
9:30
فدفعوها فلم تندفع
9:32
فنزلوا عن ظهورها ليعرفوا الخبر
9:35
فوجدوا في حوافر الخيل شضايا من الحديد
9:38
تشبه رؤوس المسامير
9:40
فنظروا في الأرض
9:42
فإذا العجم قد نثروا في الدروب المؤدية إلى نهاوند
9:46
حسك الحديد
9:48
ليعوق الفرسان والمشات عن الوصول إليها
9:51
أخبر الفرسان النعمان بما رأوا
9:54
وطلبوا منه أن يمدهم برأيه
9:57
فأمرهم بأن يقفوا في أماكنهم
10:00
وأن يوقدوا النيران في الليل ليراهم العدو
10:03
وعند ذلك
10:05
يتظاهرون بالخوف منه والهزيمة أمامه
10:08
ليغروه باللحاق بهم
10:10
وإزالة ما زرعه من حسك الحديد
10:13
وجازت الحيلة على الفرس
10:16
فما إن رأوا طليعة جيش المسلمين
10:19
تمضي منهزمة أمامهم
10:21
حتى أرسلوا عمالهم
10:24
فكنسوا الطرق من الحسك
10:26
فكر عليهم المسلمون
10:28
واحتلوا تلك الدروب
10:30
عسكر النعمان بن مقرن بجيشه
10:33
على مشارف نهاوند
10:35
وعزم على أن يباغت عدوه بالهجوم
10:38
فقال لجنوده
10:40
إني مكبر ثلاثة
10:42
فإذا كبرت الأولى
10:44
فليتهيأ من لم يكن قد تهيأ
10:47
وإذا كبرت الثانية
10:49
فليشدد كل رجل منكم سلاحه على نفسه
10:53
فإذا كبرت الثالثة
10:55
فإني حامل على أعداء الله
10:58
فحملوا معي
11:00
كبر النعمان بن مقرن تكبيراته الثلاث
11:03
واندفع في صفوف العدو
11:05
كأنه الليث عاديا
11:07
وتدفق وراءه جنود المسلمين
11:10
تدفق السيل
11:12
ودارت بين الفريقين
11:14
رحى معركة ضروس
11:16
قل ما شهد تاريخ الحروب لها نظيرا
11:19
فتمزق جيش الفرس شر ممزق
11:22
وملأت قتلاه السهل والجبل
11:25
وسالت دماؤه في الممرات والدروب
11:28
فزرق جواد النعمان بن مقرن
11:31
بالدماء فصرع
11:33
وأصيب النعمان نفسه
11:35
إصابة قاتلة
11:37
فأخذ أخوه اللواء من يده
11:39
وسجاه ببردة كانت معه
11:42
وكتم أمر مصرعه عن المسلمين
11:45
ولما تم النصر الكبير
11:48
الذي سماه المسلمون فتح الفتوح
11:51
سأل الجنود المنتصرون عن قائدهم الباسر
11:54
النعمان بن مقرن
11:57
فرفع أخوه البردة عنه وقال
12:00
هذا أميركم
12:02
قد أقر الله عينه بالفتح
12:05
وختم له بالشهادة
12:07
إن للإيمان بيوتا
12:11
وللنفاق بيوتا
12:14
وإن بيت بني مقرن
12:18
من بيوت الإيمان
12:21
عبد الله ابن مسؤول