ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 41 من 42
صور من حياة الصحابة - الحلقة (105) - عبدالله بن عتيك رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
عبد الله بن عتيق
0:32
رضي الله عنه
0:48
لم يكابد الرسول والذين آمنوا معه من أحد
0:54
كما كابدوا من اليهود
0:56
ولم يكن في اليهود أحد أنكى على دين الله
1:00
وأشد أذن لمحمد الرسول الله صلى الله عليه وسلم
1:04
من كعب ابن الأشرف وسلام ابن أبي الحقيق
1:08
فقد اجتمع في هذه الطاغيتين من الشر ما تفرق في جميع الأشرار
1:14
والتقى عندهما من الخبث ما غزع على سائر الأخباث
1:19
وقد جعل شغلهما الشاغل الكيد لدين الله
1:24
ونصب العداوة لمحمد الرسول الله صلى الله عليه وسلم
1:29
فما عقد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه مع أحد عهدا
1:36
إلا قام يحرضانه على نقضه
1:39
ويحضانه على نبعه
1:42
ولا وجد للإسلام عدوًا ساكنا
1:45
إلا هبى يثيرانه لحربه
1:48
وكان أولهما شاعرا
1:51
فأطلق لسانه في أعراض المحصنات القانتات من نساء المسلمين
1:57
وجعل يشهر بهن كاذبا مفتريا
2:01
وكان ثانيهما مفسدا
2:04
فهب يحزب الأحزاب ضد المسلمين
2:07
ويثير عليهم مشاعر المشركين
2:10
ويعد الخطط للغدر بالرسول الكريم
2:13
عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم
2:16
حتى كاد يقتله بإلقاء صخرة عليه
2:20
لولا أن نبهه جبريل عليه السلام
2:23
إلى ما يحيق به من خطر
2:26
فأيقن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومن معه
2:30
أن جرثومة الشر لا يمكن أن تستأصل
2:34
إلا باستأصال هذه الطاغوتين
2:37
وأن دماء الناس لا يمكن أن تحصل
2:40
إلا بإراقة دمائهما
2:43
وكان مما أمد الله به نبيه عليه الصلاة والسلام
2:48
أن أيده بقبيلتي الأوس والخزرج
2:51
فكان هاذان الحيان من الأنصار
2:54
يتنافسان في الخير ويفعلانه
2:57
ويتسابقان في البر ويؤديانه
3:00
ويتصاولان تصاول القرنين
3:03
في المآثر والمفاخر
3:06
فلا تصنع الأوس شيئا فيه رضا لله
3:09
ورسوله صلى الله عليه وسلم
3:12
إلا قالت الخزرج
3:14
لا والله لا ندعهم يتفوقون علينا بهذا الفضل
3:19
ويتقدمون علينا بهذا الخير
3:22
فما يزالون يتحينون الفرص حتى يأتوا بمثله
3:26
أو ربما يربوا عليه
3:29
ولا يصنع الخزرج شيئا فيه بر بالإسلام وأهله
3:33
إلا قالت الأوس مثل قولهم
3:36
وفعلت مثل فعلهم
3:38
فكان في تنافسهم هذا بركة على الإسلام وخير للمسلمين
3:45
وقد أكرم الله الأوس
3:47
فجعل مصر عدو الله كعب بن الأشرف على أيدي طائفة من فتيانها
3:54
فقالت الخزرج
3:56
لا والله لا ندعهم يرجحون علينا بهذا الفضل
4:00
ويزيدون علينا به
4:03
وإذا كانوا قد قضوا على كعب بن الأشرف
4:06
أحد عدوة الإسلام اللدودين
4:09
فإن عدو الإسلام الآخر سلام بن أبي الحقيق
4:13
ما يزال حيا
4:15
وسيكون القضاء عليه من نصيبنا إن شاء الله وأعان
4:20
استأذنت الخزرج الرسول عليه الصلاة والسلام
4:24
بأن تندب خمسة من فتيانها لقتل عدو الله سلام بن أبي الحقيق
4:30
فأذن لها
4:32
ثم أمر على الفتيات الأخيار الأبرار واحدا منهم
4:36
هو عبد الله بن عتيك
4:39
وأوصاهم ألا يقتل امرأة ولا وليدا
4:42
وألا يلحقوا أذن بهما
4:45
فودعوا الرسول عليه الصلاة والسلام
4:48
ومضوا ليقوموا بأجرأ مغامرة عرفها تاريخ الفدا
4:53
فلنترك لأمير الفرقة الكلام
4:56
ليروي لنا قصتهم المثيرة
4:59
قال عبد الله بن عتيك
5:02
ما إن أذن لنا الرسول عليه الصلاة والسلام
5:06
بالمضي إلى ما ندبنا أنفسنا له
5:09
حتى يممنا وجوهنا شطر أواسط الحجاز
5:13
حيث كان يقيم سلام بن أبي الحقيق وقومه في حصن لهم
5:18
فلما صرنا قريبا من الحصن
5:21
ركنا في مكاننا حتى دنت الشمس من مغربها
5:27
وطفق أهل الحصن يعودون بمواشيهم من المراعي
5:31
فقلت لأصحابي
5:33
إجلسوا في مكانكم
5:35
فإني منطلق نحو باب الحصن
5:38
لعلي أستطيع الدخول فيه مع الداخلين
5:42
ثم صاففت الناس
5:44
ومشيت معهم كأني واحد منهم
5:47
فلم يفطل لي أحد
5:49
فلما دنوت من الباب
5:51
تقنعت بثوبي
5:53
لأن لا يتنبه لي بواب الحصن
5:56
وجلست كأني أقضي الحاجة
5:59
فلما دخل الناس ولم يبق أحد غيري
6:02
هتف بي البواب وقال
6:04
يا عبدالله
6:06
إن كنت تبغي الدخول فدخل
6:08
فإني أريد أن أغلق الباب
6:11
فدخلت وكمنت غير بعيد منه
6:14
مستترا بجنح الظلام
6:16
فلما استيقن أنه لم يبق أحد خارج الحصن
6:20
أغلق الباب
6:22
وعلق قلادة المفاتيح على ود ومضاء لا سكنه
6:27
أما أنا
6:28
فمكثت في مكمني
6:30
وطفقت أتفحص الحصن
6:33
وأتعرف على مسالكه
6:35
وأوجيل بصري فيه بحثا عن علية الرجل
6:39
واهتداء إلى الطريق المؤدية إليها
6:43
فما لبثت أن أثبت مكانه
6:46
وعرفت من خلال ضوء المصباح الخافت
6:50
أن فئة من أصحابه تسمر عنده
6:53
فلما انفض السمار وأطفئ المصباح
6:57
وأيقنت أنه أواء إلى فراشه ودخل في النوم
7:01
أخذت المفاتيح من الود
7:04
ومضيت في عتمة الليل إلى باب قصره الخارجي
7:08
ففتحته في رفقة
7:11
فلما صرت داخل القصر
7:13
أغلقته علي من الداخل بالقفل
7:16
حتى لا يدخله أحد
7:18
ثم مضيت إلى الباب الثاني
7:21
ففعلت به مثل ما فعلته بالباب الأول
7:25
ثم جريت على ذلك
7:27
فكنت كلما دخلت بابا أغلقته علي
7:31
وقد حملني على ذلك
7:33
تقديري بأن القوم إذا تنبه لي
7:36
أو صرخ فيهم صارخ
7:38
فإنهم لا يستطيعون الوصول إلي
7:41
إلا بعد أن أكون قد قتلته
7:44
فلما بلغت علية القصر
7:47
ألفيتها مظلمة
7:49
ووجدته مضطجعا بين أهله وأولاده
7:52
فلم أعلم أين مكانه بينهم
7:55
فخشيت إن ضربته على الظنة أن أصيب غيره
7:59
فأوخالف وصية الرسول عليه الصلاة والسلام
8:03
بأن لا نقتل امرأة ولا وليدا
8:06
وأعرض نفسي للهلاك دون طائل
8:10
فبادرت وناديته بكنيته التي كان يناديه بها خواصه
8:16
فقلت أبا رافع
8:19
فقال من هذا
8:21
فعرفت مكانه وأهويت بسيفي على موضع الصوت
8:25
وكنت مضطربا
8:27
فلم تثعل ضربتي فيه شيئا
8:30
فصاح بأعلى صوته
8:32
فخرجت من الحجرة وعثرت بالمصباح
8:35
فآخذته بيدي وطرحته بعيدا عن موضعه
8:39
حتى لا يقوم إليه أحد فيضيئه
8:43
ثم عدت إليه وغيرت صوتي وقلت
8:46
ما هذا صياح يا أبا رافع
8:49
فقال لأمك الويل
8:51
إن في البيت رجلا ضربني بالسيف والتوارى
8:55
فاقتربت منه
8:57
وأهويت عليه بضربة أثبت من تلك وأحكم
9:01
فأثرت فيه أثرا بليغا
9:03
ولكنه لم يمت
9:05
فأغمدت سيفي في بطنه
9:08
وضغطت عليه بثقلي كله
9:11
فصرخ صرخة أيقظت زوجته
9:14
فانتزعت سيفي من جسده ولم يكن به حراك
9:18
استيقظت المرأة على صوت زوجها
9:21
وهبت مذعورة وجعلت تستصرخ
9:25
فهممت أن أهوي عليها بالسيف
9:28
لولا أني تذكرت أن الرسول عليه الصلاة والسلام
9:32
قد نهانا عن قتل النساء والأطفال
9:35
فكففت عنها
9:37
وما هي إلا لحظات
9:39
حتى استفاق الناس على صراخها
9:42
ودبت الحركة في الحصن
9:44
فما كان مني إلا أن مضيت أستصرخ الناس
9:48
وأقول الغوث الغوث
9:50
النجدة النجدة
9:52
فجعلوا يتدفقون نحو العلية
9:55
وأنا أمضي خارجا
9:57
حتى انتهيت إلى آخر درجة من درجات الحصن
10:01
وكنت ضعيف البصر
10:03
فظننت أني بلغت الأرض
10:05
فوقعت فانكسرت ساقي
10:08
فعصبت الساق المكسورة بعمامتي
10:11
ومضيت أجرها جرا حتى صرت عند رفاقي خارج الحصن
10:17
أو قد أهل الحصن النيران من كل جهة
10:20
وهبوا جميعا من مراقدهم
10:23
وانطلقوا يعدون خارج الحصن بحثا عن الذين أغاروا عليهم
10:28
أما نحن
10:30
فكنا كامنين في قناة ماء أسفل الحصن
10:34
فلما يأس القوم من العثور علينا
10:37
عادوا إلى صاحبهم ينظرون ما حل به
10:41
فقال أصحابي أن نجاء أن نجاء
10:44
فإن القوم قد كفوا عن طلبنا
10:47
وانشغلوا بصاحبهم عنا
10:50
فقلت لا والله
10:52
لا أبرح هذا المكان حتى أعلم أني قتلته
10:56
فقال أحد أصحابي
10:58
أنا أذهب فآتيكم بخبره
11:01
ثم مضى حتى دخل في الناس ودنا من الرجل
11:05
فرأ أمرأته تمضي نحوه وبيدها المصباح
11:09
وكبار اليهود وراءها يسألونها عما حدث
11:13
وعن الرجل الغريب الذي اقتحم حصنهم وما فعل
11:17
فقالت والله لا أدري
11:20
ولكني سمعت صوتا غير غريب عني
11:24
فلما أصغيت إليه قلت
11:26
هذا صوت ابن عتيك
11:28
غير أني كذبت نفسي وقلت
11:31
أين ابن عتيك من هذه الأرض
11:34
ثم أقبلت على زوجها ورفعت المصباح
11:38
وحدقت في وجهه
11:40
ثم ارتدت عنه وهي تقول
11:43
مات وإلهي يهود مات
11:47
فلما سمع ذلك منها قرت عينه
11:50
وعاد إلينا وبشرنا
11:53
عند ذلك احتملني أصحابي
11:56
ومضوا بي حتى قدمنا على الرسول صلوات الله وسلامه عليه
12:02
فوجدناه على المنبر يخطب الناس
12:06
فلما رآنا قال أفلحت الوجوه
12:10
أفلحت الوجوه
12:12
فقلنا أفلح وجهك يا رسول الله
12:16
وبشرناه بقتل عدو الله
12:19
فلما نزل عن المنبر رآ ما بي
12:22
فقال لا بأس عليك يا ابن عتيك
12:25
ثم قال أبسط رجلك
12:28
فبسطتها فمسحها
12:30
فوقفت عليها
12:32
كأنني لم أشك منها قط
12:35
ظل عبد الله ابن عتيك
12:41
مجاهد في سبيل الله
12:43
حتى مضى إلى ربه شهيدا يوم اليمامة
12:48
ابن عبد البر