ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 25 من 36
صور من حياة الصحابة - الحلقة (80) - القعقاع بن عمرو رضي الله عنه - الجزء الثالث
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:26
حعقاء بن عمر رضي الله عنه
0:48
ما كاد يقبل الليل ويلف بظلامه ساحة القادسية
0:55
حتى وضع الجند سلاحهم
0:57
وأسلموا جنوبهم للمضاجع
1:00
فقد كان اليوم الثاني من أيام المعركة كسابقه
1:04
ثقيل الوطأة شديدا البأس
1:07
لكن عين القعقاء بن عمر لم تنم
1:11
وأنا لها أن تنام
1:13
والمسلمون قد نفد صبرهم
1:15
وهم ينتظرون المدد القادم من الشام
1:18
بقيادة هاشي بن عتبة
1:20
حتى كاد يدركهم اليأس
1:23
وتذهب به مضنون كل مذهب
1:26
فعزم على أن يعيد في هذا اليوم ما فعله بالأمس
1:31
أخذ القعقاء يسرب فرسانه الألف
1:34
الذين جاءوا معه إلى المكان الذي وقفوا فيه صبيحة اليوم الماضي
1:40
بعيدا عن القادسية
1:42
وأمرهم إذا طلعت عليهم الشمس
1:45
أن يقبلوا على ميدان المعركة مئة إثر مئة
1:49
على أن يكون بين المئة وأختها مقدار مد البصر
1:54
وأن يشحن الجو بالغبار
1:56
وأن يملأ الأرض بالضجيج والعجيج
1:59
ليبثوا في صدور المسلمين الثقة والعزم
2:03
ويشيعوا في نفوس الفرس القلق والخوف
2:07
وما إن طلع الصباح
2:10
وأشرقت الأرض بنور ربها
2:13
حتى طفقت الكتائب تقبل من خلف الصحراء
2:16
على ساحة المعركة مكبرة مهللة
2:20
فيتلقاه القعقاع كتيبة إثر كتيبة
2:24
ويحدد لها مكانها بين الصفوف
2:27
لكن سيل الكتائب جاوز العشر
2:30
فنظر فإذا هاشم بن عتبة
2:33
قد وصل بجيشه إلى مشارف القادسية مع الصباح أيضا
2:38
ورأى هاشم فرسان القعقاع بن عمر وما يصنعون
2:43
فسر من صنيعهم
2:45
وقسمه والآخر جنده إلى مئات
2:48
وأمرهم أن يتلاحقوا تباعا إلى أرض المعركة
2:53
لم يفت هذا المدد الكبير في عضد الفرس كثيرا
2:58
ذلك لأنهم كانوا قد أصلحوا توابيت فيلتهم
3:02
وجددوا وضونها
3:04
وصفوها في طليعة الجيش
3:06
كأنها البنيان المرصوص
3:09
ولقد كانوا على ثقة بأنها ستفتك بالمسلمين اليوم
3:14
أكثر مما فتكت بهم في اليوم الأول
3:17
ذلك لأنهم احتاطوا لها هذه المرة
3:20
بما لم يحتاطوا لها من قبل
3:23
فآحاطوها بالفرسان من كل جانب
3:26
حتى لا يخلص إليها المسلمون
3:29
فيقطعوا وضونها
3:31
ويحطموا توابيتها
3:33
ويرموا فيالتها
3:35
فتولي مدبرة كما فعلت في اليوم الأول
3:39
وما إن دارت رحل معركة
3:42
حتى شد المسلمون على حماات الفيلة
3:45
وشد الفرس على المسلمين
3:47
الذين تصدوا لهؤلاء الحماة
3:50
فدارت حول هذه الحيوانات الرهيبة
3:53
معارك ضارية
3:55
أريق فيها الغزير من الدماء
3:57
وأزهق خلالها الكثير من الأنفس
4:00
فصبر المسلمون وصابروا
4:03
وتجلدوا لعدوهم وجلدوا
4:06
حتى أطاحوا بحماات الفيلة
4:09
واحدا بعد آخر
4:11
فإذا هم بين قتيل أو جريح
4:14
يناكص على الأعقاب
4:16
لكن هذه الحيوانات الشرسة
4:19
ما كادت ترى أن حماتها قد انفضوا عنها
4:23
حتى استوحشت وهاجت
4:25
وهجمت على صفوف المسلمين
4:27
كأنها الحصون المتحركة
4:30
وجعلت تضرب بخراطيمها الطويلة
4:33
ذات اليمين وذات الشمال
4:35
فلا تبقي أمامها أحدا ولا تذر
4:39
ولم تكن لتؤثر فيها ضربات السيوف
4:42
ولم تكن لتنال منها طعنات الرماح
4:45
وما كانت النبال إلا لتزيدها ثورة وهيجانا
4:50
شعر سعد بن وبي وقاص بالكارثة التي توشك أن تحيق بالمسلمين
4:57
بسبب هذه الفيلة
4:59
وأيقن أنه إذا لم يقضي عليها
5:02
فسيصاب المسلمون بهزيمة لا تقوم لهم بعدها قائمة
5:07
وكان أشد هذه الفيلة وطأة على المسلمين
5:12
الفيل الأبيض وهو فيل يزدجرد ملك الفرس
5:16
ثم الفيل الأجرب الذي لا يقل عنه هولا
5:21
وكانت الفيلة الأخرى تتبعهما كأنهما قائدان لها
5:26
استشار سعد بن وبي وقاص جماعة من الفرس الذين أسلموا في أمر هذه الفيلة
5:33
وسألهم عن مقاتلها
5:35
فقالوا افقوا عيونها وقطعوا خراطيمها
5:40
فتفشل وتذهب ريحها
5:43
فأرسل إلى القعقاع بن عمر وأخيه عاصم وقال
5:47
إكفي المسلمين الفيل الأبيض
5:50
وأرسل إلى اثنين جلدين من بني أسد وقال
5:54
عليكما بالفيل الأجرب
5:57
ترجل القعقاع وأخوه عاصم عن جواديهما
6:01
واندفع يشقان الصفوف في اتجاه الفيل الأبيض
6:05
حتى إذا أصبح قاب قوس منه أو أدنى
6:09
سدد القعقاع رمحه إلى عينه اليمنى
6:13
بينما تكفل أخوه بعينه اليسرى
6:16
وأهويا على عينيه برمحيهما في لحظة واحدة
6:20
فإذا بسنانيهما يغيبان في محجرين
6:24
فنفض الحيوان الرهيب رأسه من شدة الألم نفضة
6:28
حيوان ألقت بفياله على الأرض
6:31
وداس في بطنه فصرعه
6:34
ثم إن الفيل دلَّى خرطومه إلى الأرض
6:37
ليتحسس به طريقه بعد أن فقد بصره
6:41
فوثب عليه القعقاع وقطه بسيفه قطا
6:45
وحمل الفارسان الأسديان على الفيل الأجرب
6:49
ففقأ إحدى عينيه
6:52
وأصابى خرطومه إصابة بالغة
6:55
فدَّ على صفوف الفرس هائجا مائجا
6:58
ومضى يفتك فيهم فتكا ذريعا
7:01
فنخسوه فانقلب إلى صفوف المسلمين
7:05
فوخزه المسلمون فعاد من حيث أتى
7:09
ثم طفق يهرول جيئة وذهابا
7:12
ويصيح كالخنزير من شدة الألم
7:15
ثم اندفع نحو النهر ووثب فيه
7:18
فتبعته الفيلة الأخرى ووثبت وراءه
7:22
وصرحت فيالتها ذات اليمين وذات الشمال
7:26
كان للقضاء على الفيلة أثر كبير
7:29
لدى المسلمين وعدوهم على السواء
7:32
أما المسلمون فأيقنوا بعون الله
7:35
ووثقوا بنصره إذا هم صبروا وصابروا
7:39
وأرخصوا الدماء في سبيل الله
7:42
وأما الفرس فعوضوا عن الفيلة
7:45
بالامدادات الضخمة التي أمدهم
7:48
بها ملكهم يزدجرد
7:51
وشدت من عزائمهم شدا
7:54
أقبل الفريقان على القتال
7:57
إقبال العطاش على الماء
7:59
ودارت بينهما رحى معركة ضروس
8:02
تطحن الرجال والسلاح طحنا
8:05
ولما دجى الليل
8:07
ولف الكون بشملته السوداء
8:09
لم يضع أي من الفريقين سلاحه
8:12
كما كان يفعلان كل ليلة
8:15
وإنما وصلا قتال النهار بقتال الليل
8:19
كأن كل منهما قد عزم على
8:21
أن لا يلقي السلاح
8:23
إلا إذا دارت الدائرة على عدوه
8:26
وبسبب من هذا العزم
8:28
الذي عزم عليه المتقاتلون
8:31
وبسبب الظلام الذي خيم على الكون
8:34
وبسبب الغبار الذي غطى ساحة المعركة
8:38
خرج الأمر من يدي سعد بن أبي وقاص
8:41
قائد جيش المسلمين
8:43
كما خرج من يدي رستم
8:45
قائد جيش الفرس
8:47
وفقد سيطرتهما على جيشيهما
8:50
وقد عرف سعد أن القعقاع بن عمر
8:54
زحف على الفرس من غير إذنه
8:57
فتخوف على جند المسلمين
8:59
من أن تصيبهم كارثة
9:01
لكنه لم يملك سوى أن قال
9:04
اللهم اغفر للقعقاع بن عمر وانصر
9:08
اللهم إني قد أذنت له
9:10
وإن لم يستأذني
9:12
وقد زاده جزعا على جزعه
9:15
أنه رأى قبائل العرب تزحف وراء القعقاع
9:19
الواحدة والأخرى
9:21
فهذه أسد تندفع بقضها وقضيضها
9:25
وتلك بوجيلة تزحف بخيلها ورجلها
9:29
وهذه كندة تقبل
9:31
وتلك النخع تحمل
9:34
فلم يجد بد من أن كبر تكبيراته الثلاث
9:38
إذانا بالهجوم العام
9:40
فهجم المسلمون جميعا
9:43
أشعل الجيشان المتقابلان
9:46
لضى معركة مستطيرة الشرر
9:49
فكنت لا ترى في عتمة الليل
9:51
غير عيون كالجمر تدور في المحاجر
9:55
ولا تسمع غير همهمة
9:57
كالزئير تنبعث من الحناجر
10:00
ولا تبصر غير الشرر المتطاير
10:03
من وقع النصال على النصال
10:06
ولما تنفس الصبح عن تلك الليلة الليلاء
10:10
التي دعيت بليلة الهرير
10:13
كان الإعياء قد بلغ بكل من الفريقين غايته
10:17
فالسواعد قد كلت
10:19
والعزائم قد وهنت
10:21
والسيوف قد تثلمت
10:24
وتمنى كل من الفريقين
10:26
أن يضع السلاح طلبا للراحة
10:28
ولما يكتب له النصر
10:31
عند ذلك
10:33
وقف القعقاع بن عمر في صفوف المسلمين
10:36
وقال
10:37
يا معشر المسلمين
10:39
إن النصر سيكون بعد ساعة
10:42
لمن يثبت على القتال منكم أو من عدوكم
10:46
فكونوا أنتم الذين تصبرون هذه الساعة
10:50
ثم شد مع طائفة من خواص رجاله
10:53
على معسكر الفرص
10:55
فشد المسلمون لشدته
10:58
لم ترتفع شمس ذلك اليوم عالية
11:01
حتى كانت صفوف الفرص
11:03
تترنح تحت وطأة هجمات المسلمين
11:07
تهبت على ساحة المعركة ريح عاصفة
11:10
أطارت قبة سرير رستم من فوقه
11:13
وقذفت بها إلى النهر
11:16
فاندفع القعقاع ومن معه نحو السرير
11:19
ليفتكوا بصاحبه
11:21
فقفز رستم عنه
11:23
ولما رأى أن جند المسلمين
11:25
قد أوشكوا أن يطبقوا عليه
11:27
ألقى بنفسه في النهر
11:30
فانقض عليه أحد رجال القعقاع
11:33
وفلق جبينه بالسيف فلقتين
11:36
وصعد على سريره وجعل يصيح
11:39
قتلت رستم ورب محمد
11:42
قتلت رستم ورب الكعبة
11:45
لقد كان مصرع رستم
11:48
خاتمة لأعظم معركة
11:50
غيرت وجه التاريخ
11:52
وكان القعقاع بن عمر
11:54
هو بطل هذه المعركة الفذ
11:57
غير منازع
12:03
إن صوت القعقاع بن عمر في الجيش
12:06
لخير من ألف فارس
12:10
أبو بكر الصديق