صور من حياة الصحابة - الحلقة (80) - القعقاع بن عمرو رضي الله عنه - الجزء الثالث

◉ 0 مشاهدة ⏱ 12:30 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:17 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21 لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:26 حعقاء بن عمر رضي الله عنه
0:48 ما كاد يقبل الليل ويلف بظلامه ساحة القادسية
0:55 حتى وضع الجند سلاحهم
0:57 وأسلموا جنوبهم للمضاجع
1:00 فقد كان اليوم الثاني من أيام المعركة كسابقه
1:04 ثقيل الوطأة شديدا البأس
1:07 لكن عين القعقاء بن عمر لم تنم
1:11 وأنا لها أن تنام
1:13 والمسلمون قد نفد صبرهم
1:15 وهم ينتظرون المدد القادم من الشام
1:18 بقيادة هاشي بن عتبة
1:20 حتى كاد يدركهم اليأس
1:23 وتذهب به مضنون كل مذهب
1:26 فعزم على أن يعيد في هذا اليوم ما فعله بالأمس
1:31 أخذ القعقاء يسرب فرسانه الألف
1:34 الذين جاءوا معه إلى المكان الذي وقفوا فيه صبيحة اليوم الماضي
1:40 بعيدا عن القادسية
1:42 وأمرهم إذا طلعت عليهم الشمس
1:45 أن يقبلوا على ميدان المعركة مئة إثر مئة
1:49 على أن يكون بين المئة وأختها مقدار مد البصر
1:54 وأن يشحن الجو بالغبار
1:56 وأن يملأ الأرض بالضجيج والعجيج
1:59 ليبثوا في صدور المسلمين الثقة والعزم
2:03 ويشيعوا في نفوس الفرس القلق والخوف
2:07 وما إن طلع الصباح
2:10 وأشرقت الأرض بنور ربها
2:13 حتى طفقت الكتائب تقبل من خلف الصحراء
2:16 على ساحة المعركة مكبرة مهللة
2:20 فيتلقاه القعقاع كتيبة إثر كتيبة
2:24 ويحدد لها مكانها بين الصفوف
2:27 لكن سيل الكتائب جاوز العشر
2:30 فنظر فإذا هاشم بن عتبة
2:33 قد وصل بجيشه إلى مشارف القادسية مع الصباح أيضا
2:38 ورأى هاشم فرسان القعقاع بن عمر وما يصنعون
2:43 فسر من صنيعهم
2:45 وقسمه والآخر جنده إلى مئات
2:48 وأمرهم أن يتلاحقوا تباعا إلى أرض المعركة
2:53 لم يفت هذا المدد الكبير في عضد الفرس كثيرا
2:58 ذلك لأنهم كانوا قد أصلحوا توابيت فيلتهم
3:02 وجددوا وضونها
3:04 وصفوها في طليعة الجيش
3:06 كأنها البنيان المرصوص
3:09 ولقد كانوا على ثقة بأنها ستفتك بالمسلمين اليوم
3:14 أكثر مما فتكت بهم في اليوم الأول
3:17 ذلك لأنهم احتاطوا لها هذه المرة
3:20 بما لم يحتاطوا لها من قبل
3:23 فآحاطوها بالفرسان من كل جانب
3:26 حتى لا يخلص إليها المسلمون
3:29 فيقطعوا وضونها
3:31 ويحطموا توابيتها
3:33 ويرموا فيالتها
3:35 فتولي مدبرة كما فعلت في اليوم الأول
3:39 وما إن دارت رحل معركة
3:42 حتى شد المسلمون على حماات الفيلة
3:45 وشد الفرس على المسلمين
3:47 الذين تصدوا لهؤلاء الحماة
3:50 فدارت حول هذه الحيوانات الرهيبة
3:53 معارك ضارية
3:55 أريق فيها الغزير من الدماء
3:57 وأزهق خلالها الكثير من الأنفس
4:00 فصبر المسلمون وصابروا
4:03 وتجلدوا لعدوهم وجلدوا
4:06 حتى أطاحوا بحماات الفيلة
4:09 واحدا بعد آخر
4:11 فإذا هم بين قتيل أو جريح
4:14 يناكص على الأعقاب
4:16 لكن هذه الحيوانات الشرسة
4:19 ما كادت ترى أن حماتها قد انفضوا عنها
4:23 حتى استوحشت وهاجت
4:25 وهجمت على صفوف المسلمين
4:27 كأنها الحصون المتحركة
4:30 وجعلت تضرب بخراطيمها الطويلة
4:33 ذات اليمين وذات الشمال
4:35 فلا تبقي أمامها أحدا ولا تذر
4:39 ولم تكن لتؤثر فيها ضربات السيوف
4:42 ولم تكن لتنال منها طعنات الرماح
4:45 وما كانت النبال إلا لتزيدها ثورة وهيجانا
4:50 شعر سعد بن وبي وقاص بالكارثة التي توشك أن تحيق بالمسلمين
4:57 بسبب هذه الفيلة
4:59 وأيقن أنه إذا لم يقضي عليها
5:02 فسيصاب المسلمون بهزيمة لا تقوم لهم بعدها قائمة
5:07 وكان أشد هذه الفيلة وطأة على المسلمين
5:12 الفيل الأبيض وهو فيل يزدجرد ملك الفرس
5:16 ثم الفيل الأجرب الذي لا يقل عنه هولا
5:21 وكانت الفيلة الأخرى تتبعهما كأنهما قائدان لها
5:26 استشار سعد بن وبي وقاص جماعة من الفرس الذين أسلموا في أمر هذه الفيلة
5:33 وسألهم عن مقاتلها
5:35 فقالوا افقوا عيونها وقطعوا خراطيمها
5:40 فتفشل وتذهب ريحها
5:43 فأرسل إلى القعقاع بن عمر وأخيه عاصم وقال
5:47 إكفي المسلمين الفيل الأبيض
5:50 وأرسل إلى اثنين جلدين من بني أسد وقال
5:54 عليكما بالفيل الأجرب
5:57 ترجل القعقاع وأخوه عاصم عن جواديهما
6:01 واندفع يشقان الصفوف في اتجاه الفيل الأبيض
6:05 حتى إذا أصبح قاب قوس منه أو أدنى
6:09 سدد القعقاع رمحه إلى عينه اليمنى
6:13 بينما تكفل أخوه بعينه اليسرى
6:16 وأهويا على عينيه برمحيهما في لحظة واحدة
6:20 فإذا بسنانيهما يغيبان في محجرين
6:24 فنفض الحيوان الرهيب رأسه من شدة الألم نفضة
6:28 حيوان ألقت بفياله على الأرض
6:31 وداس في بطنه فصرعه
6:34 ثم إن الفيل دلَّى خرطومه إلى الأرض
6:37 ليتحسس به طريقه بعد أن فقد بصره
6:41 فوثب عليه القعقاع وقطه بسيفه قطا
6:45 وحمل الفارسان الأسديان على الفيل الأجرب
6:49 ففقأ إحدى عينيه
6:52 وأصابى خرطومه إصابة بالغة
6:55 فدَّ على صفوف الفرس هائجا مائجا
6:58 ومضى يفتك فيهم فتكا ذريعا
7:01 فنخسوه فانقلب إلى صفوف المسلمين
7:05 فوخزه المسلمون فعاد من حيث أتى
7:09 ثم طفق يهرول جيئة وذهابا
7:12 ويصيح كالخنزير من شدة الألم
7:15 ثم اندفع نحو النهر ووثب فيه
7:18 فتبعته الفيلة الأخرى ووثبت وراءه
7:22 وصرحت فيالتها ذات اليمين وذات الشمال
7:26 كان للقضاء على الفيلة أثر كبير
7:29 لدى المسلمين وعدوهم على السواء
7:32 أما المسلمون فأيقنوا بعون الله
7:35 ووثقوا بنصره إذا هم صبروا وصابروا
7:39 وأرخصوا الدماء في سبيل الله
7:42 وأما الفرس فعوضوا عن الفيلة
7:45 بالامدادات الضخمة التي أمدهم
7:48 بها ملكهم يزدجرد
7:51 وشدت من عزائمهم شدا
7:54 أقبل الفريقان على القتال
7:57 إقبال العطاش على الماء
7:59 ودارت بينهما رحى معركة ضروس
8:02 تطحن الرجال والسلاح طحنا
8:05 ولما دجى الليل
8:07 ولف الكون بشملته السوداء
8:09 لم يضع أي من الفريقين سلاحه
8:12 كما كان يفعلان كل ليلة
8:15 وإنما وصلا قتال النهار بقتال الليل
8:19 كأن كل منهما قد عزم على
8:21 أن لا يلقي السلاح
8:23 إلا إذا دارت الدائرة على عدوه
8:26 وبسبب من هذا العزم
8:28 الذي عزم عليه المتقاتلون
8:31 وبسبب الظلام الذي خيم على الكون
8:34 وبسبب الغبار الذي غطى ساحة المعركة
8:38 خرج الأمر من يدي سعد بن أبي وقاص
8:41 قائد جيش المسلمين
8:43 كما خرج من يدي رستم
8:45 قائد جيش الفرس
8:47 وفقد سيطرتهما على جيشيهما
8:50 وقد عرف سعد أن القعقاع بن عمر
8:54 زحف على الفرس من غير إذنه
8:57 فتخوف على جند المسلمين
8:59 من أن تصيبهم كارثة
9:01 لكنه لم يملك سوى أن قال
9:04 اللهم اغفر للقعقاع بن عمر وانصر
9:08 اللهم إني قد أذنت له
9:10 وإن لم يستأذني
9:12 وقد زاده جزعا على جزعه
9:15 أنه رأى قبائل العرب تزحف وراء القعقاع
9:19 الواحدة والأخرى
9:21 فهذه أسد تندفع بقضها وقضيضها
9:25 وتلك بوجيلة تزحف بخيلها ورجلها
9:29 وهذه كندة تقبل
9:31 وتلك النخع تحمل
9:34 فلم يجد بد من أن كبر تكبيراته الثلاث
9:38 إذانا بالهجوم العام
9:40 فهجم المسلمون جميعا
9:43 أشعل الجيشان المتقابلان
9:46 لضى معركة مستطيرة الشرر
9:49 فكنت لا ترى في عتمة الليل
9:51 غير عيون كالجمر تدور في المحاجر
9:55 ولا تسمع غير همهمة
9:57 كالزئير تنبعث من الحناجر
10:00 ولا تبصر غير الشرر المتطاير
10:03 من وقع النصال على النصال
10:06 ولما تنفس الصبح عن تلك الليلة الليلاء
10:10 التي دعيت بليلة الهرير
10:13 كان الإعياء قد بلغ بكل من الفريقين غايته
10:17 فالسواعد قد كلت
10:19 والعزائم قد وهنت
10:21 والسيوف قد تثلمت
10:24 وتمنى كل من الفريقين
10:26 أن يضع السلاح طلبا للراحة
10:28 ولما يكتب له النصر
10:31 عند ذلك
10:33 وقف القعقاع بن عمر في صفوف المسلمين
10:36 وقال
10:37 يا معشر المسلمين
10:39 إن النصر سيكون بعد ساعة
10:42 لمن يثبت على القتال منكم أو من عدوكم
10:46 فكونوا أنتم الذين تصبرون هذه الساعة
10:50 ثم شد مع طائفة من خواص رجاله
10:53 على معسكر الفرص
10:55 فشد المسلمون لشدته
10:58 لم ترتفع شمس ذلك اليوم عالية
11:01 حتى كانت صفوف الفرص
11:03 تترنح تحت وطأة هجمات المسلمين
11:07 تهبت على ساحة المعركة ريح عاصفة
11:10 أطارت قبة سرير رستم من فوقه
11:13 وقذفت بها إلى النهر
11:16 فاندفع القعقاع ومن معه نحو السرير
11:19 ليفتكوا بصاحبه
11:21 فقفز رستم عنه
11:23 ولما رأى أن جند المسلمين
11:25 قد أوشكوا أن يطبقوا عليه
11:27 ألقى بنفسه في النهر
11:30 فانقض عليه أحد رجال القعقاع
11:33 وفلق جبينه بالسيف فلقتين
11:36 وصعد على سريره وجعل يصيح
11:39 قتلت رستم ورب محمد
11:42 قتلت رستم ورب الكعبة
11:45 لقد كان مصرع رستم
11:48 خاتمة لأعظم معركة
11:50 غيرت وجه التاريخ
11:52 وكان القعقاع بن عمر
11:54 هو بطل هذه المعركة الفذ
11:57 غير منازع
12:03 إن صوت القعقاع بن عمر في الجيش
12:06 لخير من ألف فارس
12:10 أبو بكر الصديق