صور من حياة الصحابة - الحلقة (103) - معاذ بن عمرو بن الجموح وأخوه معوّذ رضي الله عنهما

◉ 0 مشاهدة ⏱ 12:54 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:15 يسر جمعية مودة
0:17 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21 لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:26 معاذ بن عمر بن الجموح
0:31 وأخوه معوذ رضي الله عنه
0:53 بينما كان الفتى معاذ بن عمر بن الجموح
0:56 في جماعة من أترابه
0:58 يسرحون ويمرحون بين الماء والضلال والخضرة
1:02 طلع عليهم الداعية المككي الشاب
1:05 مصعب بن عمير رضوان الله عليه
1:09 فحياهم في رقة وأنس
1:11 وخاطبهم في حب وويداد وقال
1:15 ألا تجلسون إلي ساعة
1:17 فأحدثكم بما عندي
1:20 فإن سركم ما تسمعون أتممت
1:23 وإن أضجركم أمسكت
1:26 فنظر الفتية الأيفاع بعضهم
1:30 إلى بعض النظرات فيها
1:32 كثير من الرضا ولطمئنان
1:35 وقالوا بلى
1:37 ثم انتظموا حوله
1:39 كما تنتظم حبات العقد الأنيق
1:42 حول الجيد الأبلج
1:44 فاتجه مصعب إليهم بوجه الطلق المأنوس
1:48 وخاطبهم ببيانه العذب المشرق
1:51 وطفق يحدثهم عن مزايا الإسلام
1:55 ويزين في قلوبهم حلاوة الإيمان
1:58 ويكره إليهم الكفر وعبادة الأوثان
2:02 فما كاد يتم كلامه
2:05 حتى تألق وجه معاذ بن عمر بن الجموح
2:08 بنور الإيمان
2:10 ثم نظر إليه وقال
2:12 كيف أصنع إذا أردت الدخول في هذا الدين
2:16 فقال
2:17 تقوم إلى هذه البئر
2:20 فتتطهر بمائها
2:22 ثم تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
2:27 وأن محمدا عبده ورسوله
2:30 وخاتم أنبيائه
2:32 ثم توجه وجهك للذي فطر السماوات والأرض
2:36 وتصلي ركعتين
2:38 فقال معاذ
2:40 كأن أول هذا الدين طهارة للبدن بالوضو
2:44 ونهايته طهارة للروح بالصلاة
2:48 فتبسم مصعب بن عمير إعجابا به وقال
2:52 ما أسرع ما فقهت يا معاذ
2:55 ثم قام معاذ إلى الماء فتطهر
2:58 وشهد الشهادتين
3:00 وصلى ركعتين
3:02 فما إن رآه أخواه معوذ وخلاد
3:06 حتى أسلما بإسلامه
3:08 وفعلا فعله
3:10 ودخلا في دين الله معه
3:13 كان والد معاذ عمر بن الجموح إذاك
3:17 شيخا كبيرا طاعنا في السن
3:20 وكان له صنم يدعى مناه
3:23 اتخذه من نفيس الخشب
3:26 وأسبغ عليه كثيرا من الرواء والبهاء
3:29 ونافس فيه أمثاله من الأشراف
3:32 ونذر نفسه لسدانته
3:35 فكان يغدو عليه إذا أصبح
3:38 ويروح إليه إذا أمسى
3:40 وكان لا يفت أو يضمخه بأطيب الطيوب
3:44 ويقرب إليه أعز القرابين
3:47 فوجد معاذ أنه لا سبيل إلى إسلام أبيه
3:51 ما لم ينتزع هذا الصنم من حياته
3:54 وكان يعلم أن أباه الشيخ
3:57 لا يطيق أن يسمع كلمة في صنمه تسوءه
4:01 وأنه من المحال أن يتخلى عنه
4:04 بعد هذه الصحبة الطويلة
4:06 للم اللائمين أو حجاج المحاجين
4:10 فعزم على أن يسلك لغايته طريقا آخر
4:14 غير طريق الإقناع
4:16 مستعينا بإخوته وأترابه
4:19 ففي ذات ليلة عمده وأخواه معوذ وخلاد
4:24 وأتراب لهم من غلمان بني سلمة إلى مناه
4:28 فانتزعوه من مكانه في هدو
4:31 ومضوا به إلى حفرة خلف البيوت
4:34 ترما فيها الأقدار
4:36 وطرحوه في أعماقها أرضا
4:39 وعادوا أدراجهم
4:41 ثم ناموا مع النائمين
4:43 وكأن شيئا لم يقع
4:45 فلما أصبح الشيخ
4:47 مضى على عادته إلى صنمه
4:50 فلم يجده
4:51 فاستشاط غضبا
4:53 وطفق يبحث عنه في كل مكان
4:56 إلى أن وجده مكبا على وجهه في الحفرة
5:00 فاستخرجه منها
5:02 وغسله بالماء الطهور
5:04 وطيبه بأغلى الطيب
5:07 وبوأه مكانه الذي كان فيه
5:10 وكرر معاذ وصحبه صنيعهم بالصنم مثنى وثلاث
5:15 ودأب الشيخ على إخراجه من الحفرة في كل مرة
5:19 وغسله وتطيبه
5:21 فلما كانت الليلة الرابعة
5:24 أدركه الملل
5:26 فراح إلى الصنم قبل منامه
5:29 وأخذ سيفا مسنونا وعلقه برقبته
5:32 وقال له
5:34 يا مناه
5:35 إن كنت إلها حقا
5:37 فادفع عن نفسك أولئك الذين يبغون عليك
5:41 ويسيئون إليك
5:43 وهذا السيف معك
5:45 فافعل به ما تشاء
5:47 فلما أصبح
5:50 وجد صنمه في الحفرة نفسها
5:53 وقد قرن إلى كلب ميت
5:55 فلم يخرجه هذه المرة من مكانه
5:58 وإنما تركه حيثه
6:01 وشهد أن لا إله إلا الله
6:04 وأن محمدا رسول الله
6:07 طاب معاذ وأخواه بإسلام أبيهم نفسا
6:11 وقروا بإيمانه عينا
6:13 فقد تحول البيت المؤمن إلى معاقل من معاقل الإسلام في يثرب
6:18 بعد أن دان كل من فيه بدين الإسلام
6:22 واستضاء جميع سكانه بنبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:29 ولم يمضي غير قليل على إسلام معاذ بن عمر
6:33 حتى قدم الرسول صلوات الله وسلامه عليه المدينة مهاجرا
6:40 فأقبل عليه معاذ وإخوته إقبال الظامئ على الماء البرود
6:45 وتعلقوا به تعلق الأم بوحيدها
6:49 ولازموهم لازمة المحب لحبيبه
6:52 فكانوا يغدون معه إذا غدا
6:55 ويروحون معه إذا راح
6:58 ويصلون خلفه إذا حضرت الصلاة
7:01 ويشهدون موعظته وهديه
7:04 إذا جلس يعظ أصحابه ويفقههم بدين الله
7:08 حتى غدا معاذ وإخوته ريحانة من رياحين فتيان يثرب
7:14 وقرة عين الإسلام وأهله
7:17 ثم مرت الأيام على الفتية الصغار الأبرار
7:21 صراعا خفافا
7:23 ووقعت غزوة بدر العظم
7:26 فكان لمعاذ وآخه معوذ فيها موقف مشهود مشهور
7:31 دونه تاريخ الإسلام في أنصع صفحاته بأحرف من نور
7:37 فلنلق السمع إلى الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليه
7:43 ولنستمع إلى طرف من أخباره عنهما
7:47 فلقد رأى منهما ما أثار دهشته وإعجابه
7:51 قال عبد الرحمن بن عوف
7:54 بينا كنت واقفا يوم بدر بالصف نظرت حولي
7:59 فإذا عن يميني وشمالي
8:02 غلامان صغير السن من غلمان الأنصار
8:06 فغمزني أحدهما
8:08 فدنوت منه وقلت
8:10 أتغمزني أنا يا بني
8:13 قال نعم
8:14 قلت وما تريد
8:16 فقال
8:17 أتعرف أبا جهل يا عم
8:20 فقلت نعم
8:22 فقال
8:23 دلني عليه
8:25 فقلت
8:26 وما حاجتك به يا ابن أخي
8:29 فقال
8:30 أخبرت أنه يسب الرسول عليه الصلاة والسلام
8:34 ويأتمر بقتله
8:36 والذي نفسي بيده
8:38 لئن رأيته لو هاجمنه
8:41 ثم لا أكف عنه حتى يموت الأسبق منا أجلا
8:46 فنظرت إليه مبتسما متعجبا
8:49 وقلت من أنت
8:51 فقال
8:52 معاذ بن عمر بن الجموح
8:55 ثم اعتدلت في الصف
8:57 فدنى مني الآخر وغمزني
9:00 فملت إليه
9:01 فقال لي نحو من مقالة صاحبه
9:04 فقلت له من أنت
9:06 فقال
9:07 معاذ بن عمر
9:09 فقلت
9:10 ومن هذا الواقف عن يميني
9:13 فقال
9:14 هو أخي معاذ
9:16 فما سرني أنني كنت واقفا بين رجلين غيرهما كائنا من كان
9:22 غير الرسول عليه الصلاة والسلام
9:25 وما هو إلا قليل
9:28 حتى رأيت أبا جهل يجول في قريش
9:31 فالتفدت إليهما وقلت
9:34 يبني أخي
9:35 ألا تريان هذا الذي يجول في الناس
9:39 قال بلى
9:40 قلت
9:41 هذا صاحبكم الذي تسألان عنه
9:44 قال معاذ
9:46 فما إن عرفت أبا جهل
9:48 وتثبت منه
9:49 حتى قصدت جهته
9:51 وكان المشركون يلتفون حوله
9:54 كأنه في غابة من الرجال
9:57 فقال لي رجل من المسلمين كان يرمقني
10:00 إياك وأبا جهل يا غلام
10:03 فإن الوصول إليه مطلب عسير عليك
10:07 فوالله ما زادتني مقالته إلا إصرارا وعزما
10:12 ثم دفعت نحوه
10:14 فلما تمكنت منه
10:16 وثبت عليه وضربته بالسيف ضربة
10:19 أهوة بساقه على الأرض
10:22 وكان أخي معوذ يتبعني
10:25 فلما غدا فوق أبي جهل
10:27 أكب عليه بسيفه
10:29 وطفق يعمله فيه
10:31 ورماح المشركين تدفعه عنه
10:34 وتنوشه من كل جانب
10:36 حتى أثقنته الجراح
10:38 فسقط شهيدا إلى جانبه
10:41 أما أنا
10:42 فقد أهوى ابنه عكرمة ابن أبي جهل
10:45 على كتفي بسيفه
10:47 فطرح يدي اليسرى عن عاتقي
10:50 لكنها بقيت معلقة بجلدة في جنبي
10:54 فمضيت أقاتل سحابة النهار كله
10:57 وأنا أجرها خلفي جرا
11:00 فلما آذتني
11:02 وصارت تعوقني عن القتال
11:04 جعلت كفها على الأرض
11:07 ووضعت قدمي عليه
11:09 ثم ما زلت أتمطى
11:11 حتى فصلتها عن جسدي
11:13 وطرحتها أرضا
11:15 ولما وضعت المعركة أوزارها
11:19 جاء المبشر يبشر الرسول عليه الصلاة والسلام
11:22 بمصرع أبي جهل
11:24 فقال للمبشر
11:26 آه الله الذي لا إله غيره
11:29 تم ذلك
11:31 فقال نعم يا رسول الله
11:33 لقد لقي حتفة
11:35 فقال
11:36 الله أكبر الله أكبر
11:39 الحمد لله الذي صدق وعده
11:42 ونصر عبده
11:44 وبعد
11:45 فلقد ظل معاذ بن عمر بن الجموح
11:48 يناضل عن حياض الإسلام بيد واحدة
11:52 زمن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
11:56 وزمن صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
12:00 وفي خلافة ذي النورين عثمان بن عفان
12:04 لبى معاذ نداء ربه
12:07 وقد مضت يمناه معه
12:09 أما يده الأخرى
12:11 فكان يرجو أن تسبقه إلى جنات النعيم
12:16 ما سرني أنني كنت واقفا بين رجلين غيرهما
12:24 كائنا من كان
12:27 غير الرسول عليه الصلاة والسلام
12:31 عبد الرحمن بن عوف
12:45 المصدر