ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 58 من 61
صور من حياة الصحابة - الحلقة (103) - معاذ بن عمرو بن الجموح وأخوه معوّذ رضي الله عنهما
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:26
معاذ بن عمر بن الجموح
0:31
وأخوه معوذ رضي الله عنه
0:53
بينما كان الفتى معاذ بن عمر بن الجموح
0:56
في جماعة من أترابه
0:58
يسرحون ويمرحون بين الماء والضلال والخضرة
1:02
طلع عليهم الداعية المككي الشاب
1:05
مصعب بن عمير رضوان الله عليه
1:09
فحياهم في رقة وأنس
1:11
وخاطبهم في حب وويداد وقال
1:15
ألا تجلسون إلي ساعة
1:17
فأحدثكم بما عندي
1:20
فإن سركم ما تسمعون أتممت
1:23
وإن أضجركم أمسكت
1:26
فنظر الفتية الأيفاع بعضهم
1:30
إلى بعض النظرات فيها
1:32
كثير من الرضا ولطمئنان
1:35
وقالوا بلى
1:37
ثم انتظموا حوله
1:39
كما تنتظم حبات العقد الأنيق
1:42
حول الجيد الأبلج
1:44
فاتجه مصعب إليهم بوجه الطلق المأنوس
1:48
وخاطبهم ببيانه العذب المشرق
1:51
وطفق يحدثهم عن مزايا الإسلام
1:55
ويزين في قلوبهم حلاوة الإيمان
1:58
ويكره إليهم الكفر وعبادة الأوثان
2:02
فما كاد يتم كلامه
2:05
حتى تألق وجه معاذ بن عمر بن الجموح
2:08
بنور الإيمان
2:10
ثم نظر إليه وقال
2:12
كيف أصنع إذا أردت الدخول في هذا الدين
2:16
فقال
2:17
تقوم إلى هذه البئر
2:20
فتتطهر بمائها
2:22
ثم تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
2:27
وأن محمدا عبده ورسوله
2:30
وخاتم أنبيائه
2:32
ثم توجه وجهك للذي فطر السماوات والأرض
2:36
وتصلي ركعتين
2:38
فقال معاذ
2:40
كأن أول هذا الدين طهارة للبدن بالوضو
2:44
ونهايته طهارة للروح بالصلاة
2:48
فتبسم مصعب بن عمير إعجابا به وقال
2:52
ما أسرع ما فقهت يا معاذ
2:55
ثم قام معاذ إلى الماء فتطهر
2:58
وشهد الشهادتين
3:00
وصلى ركعتين
3:02
فما إن رآه أخواه معوذ وخلاد
3:06
حتى أسلما بإسلامه
3:08
وفعلا فعله
3:10
ودخلا في دين الله معه
3:13
كان والد معاذ عمر بن الجموح إذاك
3:17
شيخا كبيرا طاعنا في السن
3:20
وكان له صنم يدعى مناه
3:23
اتخذه من نفيس الخشب
3:26
وأسبغ عليه كثيرا من الرواء والبهاء
3:29
ونافس فيه أمثاله من الأشراف
3:32
ونذر نفسه لسدانته
3:35
فكان يغدو عليه إذا أصبح
3:38
ويروح إليه إذا أمسى
3:40
وكان لا يفت أو يضمخه بأطيب الطيوب
3:44
ويقرب إليه أعز القرابين
3:47
فوجد معاذ أنه لا سبيل إلى إسلام أبيه
3:51
ما لم ينتزع هذا الصنم من حياته
3:54
وكان يعلم أن أباه الشيخ
3:57
لا يطيق أن يسمع كلمة في صنمه تسوءه
4:01
وأنه من المحال أن يتخلى عنه
4:04
بعد هذه الصحبة الطويلة
4:06
للم اللائمين أو حجاج المحاجين
4:10
فعزم على أن يسلك لغايته طريقا آخر
4:14
غير طريق الإقناع
4:16
مستعينا بإخوته وأترابه
4:19
ففي ذات ليلة عمده وأخواه معوذ وخلاد
4:24
وأتراب لهم من غلمان بني سلمة إلى مناه
4:28
فانتزعوه من مكانه في هدو
4:31
ومضوا به إلى حفرة خلف البيوت
4:34
ترما فيها الأقدار
4:36
وطرحوه في أعماقها أرضا
4:39
وعادوا أدراجهم
4:41
ثم ناموا مع النائمين
4:43
وكأن شيئا لم يقع
4:45
فلما أصبح الشيخ
4:47
مضى على عادته إلى صنمه
4:50
فلم يجده
4:51
فاستشاط غضبا
4:53
وطفق يبحث عنه في كل مكان
4:56
إلى أن وجده مكبا على وجهه في الحفرة
5:00
فاستخرجه منها
5:02
وغسله بالماء الطهور
5:04
وطيبه بأغلى الطيب
5:07
وبوأه مكانه الذي كان فيه
5:10
وكرر معاذ وصحبه صنيعهم بالصنم مثنى وثلاث
5:15
ودأب الشيخ على إخراجه من الحفرة في كل مرة
5:19
وغسله وتطيبه
5:21
فلما كانت الليلة الرابعة
5:24
أدركه الملل
5:26
فراح إلى الصنم قبل منامه
5:29
وأخذ سيفا مسنونا وعلقه برقبته
5:32
وقال له
5:34
يا مناه
5:35
إن كنت إلها حقا
5:37
فادفع عن نفسك أولئك الذين يبغون عليك
5:41
ويسيئون إليك
5:43
وهذا السيف معك
5:45
فافعل به ما تشاء
5:47
فلما أصبح
5:50
وجد صنمه في الحفرة نفسها
5:53
وقد قرن إلى كلب ميت
5:55
فلم يخرجه هذه المرة من مكانه
5:58
وإنما تركه حيثه
6:01
وشهد أن لا إله إلا الله
6:04
وأن محمدا رسول الله
6:07
طاب معاذ وأخواه بإسلام أبيهم نفسا
6:11
وقروا بإيمانه عينا
6:13
فقد تحول البيت المؤمن إلى معاقل من معاقل الإسلام في يثرب
6:18
بعد أن دان كل من فيه بدين الإسلام
6:22
واستضاء جميع سكانه بنبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:29
ولم يمضي غير قليل على إسلام معاذ بن عمر
6:33
حتى قدم الرسول صلوات الله وسلامه عليه المدينة مهاجرا
6:40
فأقبل عليه معاذ وإخوته إقبال الظامئ على الماء البرود
6:45
وتعلقوا به تعلق الأم بوحيدها
6:49
ولازموهم لازمة المحب لحبيبه
6:52
فكانوا يغدون معه إذا غدا
6:55
ويروحون معه إذا راح
6:58
ويصلون خلفه إذا حضرت الصلاة
7:01
ويشهدون موعظته وهديه
7:04
إذا جلس يعظ أصحابه ويفقههم بدين الله
7:08
حتى غدا معاذ وإخوته ريحانة من رياحين فتيان يثرب
7:14
وقرة عين الإسلام وأهله
7:17
ثم مرت الأيام على الفتية الصغار الأبرار
7:21
صراعا خفافا
7:23
ووقعت غزوة بدر العظم
7:26
فكان لمعاذ وآخه معوذ فيها موقف مشهود مشهور
7:31
دونه تاريخ الإسلام في أنصع صفحاته بأحرف من نور
7:37
فلنلق السمع إلى الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليه
7:43
ولنستمع إلى طرف من أخباره عنهما
7:47
فلقد رأى منهما ما أثار دهشته وإعجابه
7:51
قال عبد الرحمن بن عوف
7:54
بينا كنت واقفا يوم بدر بالصف نظرت حولي
7:59
فإذا عن يميني وشمالي
8:02
غلامان صغير السن من غلمان الأنصار
8:06
فغمزني أحدهما
8:08
فدنوت منه وقلت
8:10
أتغمزني أنا يا بني
8:13
قال نعم
8:14
قلت وما تريد
8:16
فقال
8:17
أتعرف أبا جهل يا عم
8:20
فقلت نعم
8:22
فقال
8:23
دلني عليه
8:25
فقلت
8:26
وما حاجتك به يا ابن أخي
8:29
فقال
8:30
أخبرت أنه يسب الرسول عليه الصلاة والسلام
8:34
ويأتمر بقتله
8:36
والذي نفسي بيده
8:38
لئن رأيته لو هاجمنه
8:41
ثم لا أكف عنه حتى يموت الأسبق منا أجلا
8:46
فنظرت إليه مبتسما متعجبا
8:49
وقلت من أنت
8:51
فقال
8:52
معاذ بن عمر بن الجموح
8:55
ثم اعتدلت في الصف
8:57
فدنى مني الآخر وغمزني
9:00
فملت إليه
9:01
فقال لي نحو من مقالة صاحبه
9:04
فقلت له من أنت
9:06
فقال
9:07
معاذ بن عمر
9:09
فقلت
9:10
ومن هذا الواقف عن يميني
9:13
فقال
9:14
هو أخي معاذ
9:16
فما سرني أنني كنت واقفا بين رجلين غيرهما كائنا من كان
9:22
غير الرسول عليه الصلاة والسلام
9:25
وما هو إلا قليل
9:28
حتى رأيت أبا جهل يجول في قريش
9:31
فالتفدت إليهما وقلت
9:34
يبني أخي
9:35
ألا تريان هذا الذي يجول في الناس
9:39
قال بلى
9:40
قلت
9:41
هذا صاحبكم الذي تسألان عنه
9:44
قال معاذ
9:46
فما إن عرفت أبا جهل
9:48
وتثبت منه
9:49
حتى قصدت جهته
9:51
وكان المشركون يلتفون حوله
9:54
كأنه في غابة من الرجال
9:57
فقال لي رجل من المسلمين كان يرمقني
10:00
إياك وأبا جهل يا غلام
10:03
فإن الوصول إليه مطلب عسير عليك
10:07
فوالله ما زادتني مقالته إلا إصرارا وعزما
10:12
ثم دفعت نحوه
10:14
فلما تمكنت منه
10:16
وثبت عليه وضربته بالسيف ضربة
10:19
أهوة بساقه على الأرض
10:22
وكان أخي معوذ يتبعني
10:25
فلما غدا فوق أبي جهل
10:27
أكب عليه بسيفه
10:29
وطفق يعمله فيه
10:31
ورماح المشركين تدفعه عنه
10:34
وتنوشه من كل جانب
10:36
حتى أثقنته الجراح
10:38
فسقط شهيدا إلى جانبه
10:41
أما أنا
10:42
فقد أهوى ابنه عكرمة ابن أبي جهل
10:45
على كتفي بسيفه
10:47
فطرح يدي اليسرى عن عاتقي
10:50
لكنها بقيت معلقة بجلدة في جنبي
10:54
فمضيت أقاتل سحابة النهار كله
10:57
وأنا أجرها خلفي جرا
11:00
فلما آذتني
11:02
وصارت تعوقني عن القتال
11:04
جعلت كفها على الأرض
11:07
ووضعت قدمي عليه
11:09
ثم ما زلت أتمطى
11:11
حتى فصلتها عن جسدي
11:13
وطرحتها أرضا
11:15
ولما وضعت المعركة أوزارها
11:19
جاء المبشر يبشر الرسول عليه الصلاة والسلام
11:22
بمصرع أبي جهل
11:24
فقال للمبشر
11:26
آه الله الذي لا إله غيره
11:29
تم ذلك
11:31
فقال نعم يا رسول الله
11:33
لقد لقي حتفة
11:35
فقال
11:36
الله أكبر الله أكبر
11:39
الحمد لله الذي صدق وعده
11:42
ونصر عبده
11:44
وبعد
11:45
فلقد ظل معاذ بن عمر بن الجموح
11:48
يناضل عن حياض الإسلام بيد واحدة
11:52
زمن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
11:56
وزمن صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
12:00
وفي خلافة ذي النورين عثمان بن عفان
12:04
لبى معاذ نداء ربه
12:07
وقد مضت يمناه معه
12:09
أما يده الأخرى
12:11
فكان يرجو أن تسبقه إلى جنات النعيم
12:16
ما سرني أنني كنت واقفا بين رجلين غيرهما
12:24
كائنا من كان
12:27
غير الرسول عليه الصلاة والسلام
12:31
عبد الرحمن بن عوف
12:45
المصدر