ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 29 من 61
صور من حياة الصحابة - الحلقة (59) - معاذ بن جبل رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
معاذ بن جبل
0:32
رضي الله عنه
0:49
لما أشرقت جزيرة العرب بنور الهدى والحق
0:53
كان الغلام اليثريبي معاذ بن جبل فتنيافع
0:57
وكان يمتاز من أترابه بحدة الذكاء وقوة العالضة
1:02
وروعة البيان وعلو الهمة
1:05
وكان إلى ذلك قسيما وسيما
1:08
أكحل العين جعد الشعر براق الثنايا
1:12
يملأ عين مجتليه ويملك عليه فؤادة
1:16
أسلم الفتاة معاذ بن جبل على يدي الداعية المككي مصعب بن عمير
1:23
وفي ليلة العقبة
1:25
امتدت يده الفتية فصافحت يد النبي الكريم وبايعت
1:30
فقد كان معاذ مع الرهط الـ72 الذين قصدوا مكة
1:35
ليسعدوا بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
1:39
ويشرفوا ببيعته
1:41
وليخطوا في سفر التاريخ أروع صفحة وأزهاها
1:46
وما إن عاد الفتاة من مكة إلى المدينة
1:49
حتى كونه ونفر صغير من لداته جماعة لكسر الأوثان
1:55
وانتزاعها من بيوت المشركين في يثرب في السر أو في العلن
2:00
وكان من أثر حركة هؤلاء الفتيان الصغار
2:04
أن أسلم رجل كبير من رجالات يثرب
2:07
هو عمر بن الجموح
2:09
كان عمر بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة
2:13
وشريفا من أشرافهم
2:15
وكان قد اتخذ لنفسه صنما من نفيس الخشب
2:19
كما كان يصنع الأشراف
2:21
وكان شيخ بني سلمة يعنى بصنمه هذا أشد العناية
2:26
فيجلله بالحرير
2:28
ويضمخه كل صباح بالطيب
2:32
فقام الفتيان الصغار إلى صنمه تحت جنح الظلام
2:36
وحملوه من مكانه
2:38
وخرجوا به إلى خلف منازل بني سلمة
2:41
وألقوه في حفرة كانت تجمع فيها الأقدار
2:45
فلما أصبح الشيخ افتقد صنمه فلم يجد
2:50
وبحث عنه في كل مكان
2:52
حتى ألفاه مكبا على وجهه في الحفرة
2:56
غارقا في الأقدار
2:58
فقال
2:59
ويلكم من عدا على إلهنا في هذه الليلة
3:03
ثم أخرجه وغسله
3:05
وطهره وطيبه
3:07
وأعاده إلى مكانه وقال له
3:10
أيمناه
3:11
والله لو أني أعلم من صنع بك هذا لأخزيته
3:15
فلما أمس الشيخ ونام
3:18
تسلل الفتيات إلى صنمه
3:20
وفعلوا به ما فعلوه في الليلة السابقة
3:23
فما زال يبحث عنه حتى وجده في حفرة أخرى من تلك الحفر
3:28
فأخرجه وغسله
3:30
وطهره وعطره
3:32
وتوعد من عدو عليه أشد الوعيد
3:35
فلما تكرر ذلك منهم
3:38
استخرجه من حيث القوم
3:40
وغسله
3:41
ثم جاء بسيفه فعلقه عليه
3:44
وقال يخاطبه
3:46
والله إني ما أعلم من يفعل بك هذا الذي تراه
3:50
فإن كان فيك خير يامناه
3:53
فادفع عن نفسك
3:54
وهذا السيف معك
3:57
فلما أمس الشيخ ونام
3:59
عد الفتيات على الصنم
4:01
وأخذ السيف المعلق في رقبته
4:04
وربطوه بعنق كلب ميت
4:07
وألقوهما في حفرة من تلك الحفر
4:10
فلما أصبح الشيخ
4:12
جد في طلب صنمه
4:14
حتى وجده ملقا بين الأقدار
4:17
مقرونا بكلب ميت
4:19
منكسا على وجهه
4:21
عند ذلك نظر إليه وقال
4:24
تالله لو كنت إله لم تكن
4:27
أنت وكلب وسط بئر في قرن
4:30
ثم أسلم شيخ بني سلمة وحسن إسلامه
4:35
ولما قدم الرسول الكريم على المدينة مهاجرا
4:39
لزمه الفتا معاذ بن جبل
4:41
ملازمة الظل لصاحبه
4:43
فأخذ عنه القرآن
4:45
وتلقى عليه شرائع الإسلام
4:48
حتى غدا من أقرأ الصحابة لكتاب الله
4:52
وأعلمهم بشرعه
4:54
حدث يزيد بن قطيب قال
4:56
دخلت مسجد حمس
4:58
فإذا أناب فتن جعد الشعر
5:01
قد اجتمع حوله الناس
5:03
فإذا تكلم
5:05
كأن ما يخرج من فيه نور ولؤلو
5:08
فقلت من هذا
5:10
فقالوا معاذ بن جبل
5:13
وروا أبو مسلم الخولاني قال
5:16
أتيت مسجد دمشق
5:18
فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد
5:22
صلى الله عليه وسلم
5:24
وأيضا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا
5:28
كلما اختلفوا في شيئ ردوه إلى الفتاة
5:32
فقلت لجليس لي من هذا
5:35
فقال معاذ بن جبل
5:38
ولا غر
5:40
فمعاذ ربي في مدرسة الرسول صلوات الله وسلامه عليه منذ نعومة الأظفار
5:46
وتخرج على يديه
5:48
فنهل العلم من ينابيعه الغزيرة
5:51
وأخذ المعرفة من معينها الأصير
5:54
فكان خيرة الميذ لخير معلم
5:58
وحسب معاذ شهادة أن يقول عنه الرسول صلوات الله وسلامه عليه
6:04
أعلم أمته بالحلال والحرام معاذ بن جبل
6:09
وحسبه فضلا على أمة محمد
6:12
أنه كان أحد النفل الستة
6:14
الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
6:20
ولذا كان أصحاب الرسول إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل
6:26
نظروا إليه هيبة له وتعظيم لعلمه
6:30
وقد وضع الرسول الكريم وصاحباه من بعده هذه الطاقة العلمية الفريدة
6:36
في خدمة الإسلام والمسلمين
6:39
فهذا هو النبي عليه الصلاة والسلام
6:42
يرى جمع قريش تدخل في دين الله أفواجا
6:46
بعد فتح مكة
6:48
ويشعر بحاجة المسلمين الجدد إلى معلم كبير يعلمهم الإسلام
6:54
ويفقههم بشرائعه
6:56
فيعهد بخلافته على مكة لعتاب بن أوسيد
7:00
ويستبقي معه معاذ بن جبل ليعلم الناس القرآن
7:05
ويفقههم في دين الله
7:09
ولما جاءت رسل ملوك اليمن إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
7:14
تعلن إسلامها وإسلام من ورائها
7:17
وتسأله أن يبعث معها من يعلم الناس دينهم
7:21
انتدب لهذه المهمة نفرا من الدعاة الهدى من أصحابه
7:26
وأمر عليهم معاذ بن جبل رضي الله عنه
7:30
وقد خرج النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه
7:35
يودع بعثة الهدى والنور هذه
7:37
وطفق يمشي تحت راحلة معاذ
7:40
ومعاذ راكب
7:42
وآطال الرسول الكريم مشيه معه
7:45
حتى لك أنه كان يريد أن يتملا من معاذ
7:49
ثم أوصاه وقال له
7:51
يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا
7:57
ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري
8:00
فبكى معاذ جزعا لفراق نبيه وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه
8:08
وبكى معه المسلمون
8:10
وصدقت نبوأة الرسول الكريم
8:13
فمكتحلت عينا معاذ رضي الله عنه برؤية النبي عليه الصلاة والسلام
8:19
بعد تلك الساعة
8:21
فقد فارق الرسول الكريم الحياة قبل أن يعود معاذ من اليمن
8:27
ولا ريب في أن معاذا بكى لما عاد إلى يثرب
8:31
فألفاها قد أقفرت من أنس حبيبه رسول الله
8:36
ولما ولي الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
8:40
أرسل معاذا إلى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم
8:45
ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم
8:49
فقام بما عهد إليه من أمر
8:52
وعاد إلى زوجه بحلسه الذي خرج به يلفه على رقبته
8:58
فقالت له امرأته
9:00
أينما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهم
9:05
فقال لقد كان معي رقيب يقض يحصي علي
9:10
فقالت قد كنت أمينا عند رسول الله وأبي بكر
9:15
ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك
9:19
وأشاعت ذلك في نسوة عمر
9:22
واشتكته لهم
9:24
فبلغ ذلك عمر
9:26
فدعى معاذا وقال
9:28
أنا بعثت معك رقيبا يحصي عليك
9:31
فقال لا يا أمير المؤمنين
9:34
ولكنني لم أجد شيئا اعتذر به إليها إلا ذلك
9:39
فضحك عمر رضوان الله عليه
9:42
وأعطاه شيئا وقال له أرضها به
9:46
وفي أيام الفاروق
9:49
أرسل إليه واليه على الشام يزيد بن أبي سفيان يقول
9:54
يا أمير المؤمنين
9:56
إن أهل الشام قد كثروا وملأوا المداء
10:00
واحتاج إلى من يعلمهم القرآن
10:03
ويفقههم بالدين
10:05
فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم
10:09
فدعى عمر النفر الخمسة الذين جمعوا القرآن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام
10:15
وهم معاذ بن جبل
10:18
وعبادة بن الصامت
10:20
وأبو أيوب الأنصاري
10:22
وأبي بن كعب
10:24
وأبو الدرداء
10:26
وقال لهم
10:28
إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن
10:33
ويفقههم في الدين
10:35
فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم
10:39
فإن أحببتم فاقترعوا
10:41
وإن لن تدبت ثلاثة منكم
10:44
فقالوا
10:45
ولم نقترع
10:47
فأبو أيوب شيخ كبير
10:49
وأبي رجل مريض
10:51
وبقينا نحن الثلاثة
10:54
فقال عمر
10:55
إبدأوا بحمس
10:57
فإذا رضيتم حال أهلها
10:59
فخلفوا أحدكم فيها
11:01
وليخرج واحد منكم إلى دمشق
11:04
والآخر إلى فلسطين
11:06
فقام أصحاب رسول الله الثلاثة
11:09
بما أمرهم به الفاروق في حمس
11:12
ثم تركوا فيها عبادة بن الصامت
11:15
وذهب أبو الدرداء إلى دمشق
11:18
ومضى معاذ بن جبل إلى فلسطين
11:21
وهناك
11:23
أصيب معاذ بالوباء
11:25
فلما حضرته الوفاه
11:27
استقبل القبلة وجعل يردد هذا النشيد
11:31
مرحبا بالموت مرحبا
11:34
زائر جاء بعد غياب
11:36
وحبيب وفد على شوق
11:39
ثم جعل ينظر إلى السماء ويقول
11:43
اللهم إنك كنت تعلم
11:46
أني لم أكن أحب الدنيا
11:48
وطول البقاء فيها
11:50
لغرس الأشجار وجري الأنهار
11:52
ولكن لظمأ الهواجر
11:55
ومكابدة الساعات
11:57
ومزاحمة العلماء بالركب
12:00
عند حلق الذكر
12:02
اللهم فتقبل نفسي
12:04
بخير ما تتقبل به نفسا مؤمنة
12:07
ثم فاضت روحه الطاهرة
12:10
بعيدا عن الأهل والعشير
12:13
داعيا إلى الله مهاجرا في سبيله
12:16
أعلم أمتي بالحلال والحرام
12:23
معاذ بن جبل
12:25
محمد
12:27
رسول الله