ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 34 من 72
صور من حياة الصحابة - الحلقة (60) - آل ياسر رضي الله عنهم
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
آل ياسر
0:32
رطوان الله عليهم
0:47
في ذات صباح رطيب الأنداء
0:53
معطر الأجواء
0:55
بلغت إحدى القوافل القادمة من اليمن
0:58
مشارف مكة
1:00
فلما أطل ياسر بن عامر
1:02
الكناني على الكعبة المعظمة
1:05
بهره سناها
1:07
وصفق قلبه فرحا برؤياها
1:10
إذ لم تكن عيناه قد سعدت بمشاهدتها من قبل
1:15
لم يكن قدوم ياسر إلى مكة للتجارة
1:19
كما كان شأن رجال القافلة
1:22
وإنما قدم إليها هو وأخواه الحارث ومالك
1:26
ليبحثوا عن أخ لهم فقدوه منذ سنوات
1:30
ولم يقفوا له على أثر
1:33
انطلق الفتية الثلاثة يبحثون عن أخيهم في كل مكان
1:38
ويسألون عنه كل جماعة
1:41
حتى إذا يأسوا من لقائه
1:44
اختلفت وجهاتهم
1:46
أما الحارث ومالك
1:48
فعاد إلى مراتع الطفولة
1:50
ومرابع الصبا في اليمن السعيد
1:53
وأما ياسر
1:55
فجذبته مكة إليها
1:57
وأغرته بأن يتخذ لنفسه منها مقاما ووطنا
2:03
لم يكن يعلم ياسر بن عامر الكناني
2:06
حين اتخذ قراره هذا
2:09
أي مجد كتب له
2:11
ولم يكن يدري أنه دخل التاريخ من أوسع أبوابه
2:16
وأنه سيأتي من صلبه فتا يزدان به مفرق الدنيا
2:21
كل ما أحبت أن تتزين للناس
2:25
غير أن ياسر لم تكن له في مكة عصبية تحميه
2:30
ولا أسرة تمنعه
2:32
فكان لا بد لغريب مثله من أن يحالف سيدا من سادات القوم
2:38
ليتمكن من الحياة آمنا مطمئنا في ذلك المجتمع الذي لا مكان فيه للضعفاء
2:45
فما كان منه إلا أن حالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي
2:51
رأى أبو حذيفة في ياسر من كريم الشمائل ونبيل الخصائل ما حببه إليه
2:58
فزوجه من أمة له تدعى سمية بنت خباط
3:03
فكان أول ثمرات هذا الزواج غلام فرح به الأبوان أعظم الفرح
3:09
ودعواه عمارا
3:12
وقد تضاعفت فرحتهم به حين حرره أبو حذيفة وأعتق رقبته
3:18
عاشت الأسرة في كنف بني مخزوم عيشة هانئة راضية
3:24
وجعلت الأيام تمضي والسنون تمر
3:28
فأيذاب ياسر وسمية يغدوان شيخين معمرين
3:33
وأيذاب عمار يصبح شابا ملأ السمع والبصر
3:39
ثم أشرقت الأرض بنور ربها
3:42
وانبثق من بطاح مكة ضياء غمر الكون بالخير والبر
3:48
وملأه بالعدل والإحسان
3:51
فلقد قام النبي الأمي يصدع برسالة ربه
3:56
وينذر قومه ويبشرهم
3:59
ويدعوهم إلى ما فيه عز الدنيا وسعادة الآخرة
4:04
سمع عمار بن ياسر أخبار الدعوة الجديدة من أفواه الناس
4:09
ففتح لها سمعه وقلبه وعقله
4:13
لكنه حين وجد أن ما يصله عنها قليل ضئيل
4:18
وضارب لا يروي له غلة
4:21
قال في نفسه ويحك يا عمار
4:24
ما الذي يجعلك تظمأ والمورد منك قريب
4:29
هيا إلى صاحب الرسالة
4:31
هيا إلى محمد بن عبد الله
4:34
فعنده وعند أصحابه النبأ اليقين
4:38
مضى عمار بن ياسر من ساعته إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم
4:44
وهناك سعد بلقاء النبي صلوات الله وسلامه عليه
4:50
وسمع من قوله ما هز فؤاده هز
4:54
ووعى من هديه ما أترع قلبه حكمة ونورا
4:59
فبسط يده له وقال
5:02
أشهد أن لا إله إلا الله
5:05
وأشهد أنك عبده ورسوله
5:08
توجه عمار بن ياسر إلى أمه سمية
5:13
فدعاها إلى الإسلام
5:15
فما أسرع أن استجابت لدعوته
5:18
حتى لك أنها معه على موعد
5:21
ثم اتجه إلى أبيه ياسر
5:25
فدعاه إلى ما دعا إليه أمه
5:28
فلم يكن أبوه أقل استجابة من أمه
5:32
فانضم إلى موكب النور بإسلام هذه الأسرة المباركة
5:37
ثلاثة كواكب
5:39
ما يزال ضياؤها يغمر قلوب المؤمنين إلى يومنا هذا
5:44
وسيظل كذلك بإذن الله
5:47
حتى يرث الله الأرض ومن عليها
5:51
طار خبر إسلام النفر الثلاثة إلى بني مخزوم
5:55
فاستشاطوا غضبا وتميزوا غيضا
5:59
وأقسموا ليردنهم عن إسلامهم
6:02
أو ليوردنهم موارد الهلكة
6:06
فجعلوا يأخذون الأبوين وفتاهما إلى بطحاء مكة
6:10
ويلبسونهم دروع الحديد
6:13
ويصهرونهم بأشعة الشمس
6:16
ويمنعون عنهم الماء
6:18
ويتعاقبون عليهم بالضرب
6:21
حتى إذا جفت منهم الحلوق ويبست العروق
6:25
وتشققت الجلود وسالت الدماء
6:29
تركوهم في ذلك اليوم
6:31
ليعيدوا معهم الكرة في غداة اليوم التالي
6:35
ولقد مر بهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه ذات يوم
6:40
وهم يعذبونهم ذلك العذاب
6:43
فحز في نفسه أنه لا يملك لهم قوة ولا نصرا
6:48
ووقف عليهم وقال
6:51
صبرا أهل ياسر
6:53
فإن موعدكم الجنة
6:56
فهدأت النفوس المعذبة
6:58
وقرت العيون الشاخصة
7:01
وعلى الوجوه المكدودة ابتسامة راضية
7:05
لم يطل الأمر بالشيخين الكبيرين
7:10
أما سمية
7:12
فمر بها أبو جهل وهي تعذب
7:15
فشتمها أقذع الشتم
7:17
وأسمعها قوارص الكلام
7:20
فلم تأبه له
7:22
فجرد رمحة
7:23
وطعنها به في أسفل بطنها
7:26
فخرجت حربة الرمح من ظهرها
7:29
فكانت أول من استشهد في الإسلام
7:33
وحسبها بذلك رفعة ومجدى
7:36
وأما ياسر
7:38
فمات تحت التعذيب
7:40
وهو يشهد أن لا إله إلا الله
7:43
وأن محمد رسول الله
7:46
اشتد الأذى على عمار بعد استشهاد أبويه
7:51
ولقد جاوز جلادوه في تعذيبه كل حد
7:55
وفي ذات يوم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:02
كاسفا حزينا خجلا
8:04
وقد حاول أن ينظر إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه
8:09
وأن يملأ عينه منه
8:11
فلم يستطع أن يرفع بصره إليه
8:15
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام
8:18
ما وراءك يا عمار
8:21
فقال عمار
8:23
شر مستطير يا رسول الله
8:26
فقال وماذاك
8:29
فقال عذبت أمس
8:32
حتى نالني من الجهد والضر
8:35
ما لو نزل بجبل لصدعه
8:38
ثم إن أعداء الله لم يكتف بما عرضوني له من حر الهواجر
8:43
فأحرقوا جسدي بالنار
8:46
وما زالوا يرغمونني على النيل منك
8:49
وذكر آلهتهم بخير حتى فعلت
8:52
ثم أخذ ينشج نشيجا يقطع القلوب
8:56
فقال له النبي صلوات الله وسلامه عليه
9:00
وكيف تجد قلبك يا عمار
9:03
فقال أجده مطمئنا يا رسول الله
9:08
فقال لا عليك
9:12
وإن عادوا إلى مثلها فعد إلى مثل ما قلت
9:16
ثم أكرم الله عز وجل عمار
9:19
وأنزل فيه قرآنا
9:21
فقال تعالى
9:23
رسول صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه بالهجرة إلى المدينة
9:28
كان عمار بن ياسر في طليعة من هاجر إليها فرارا بدينه
9:34
فما إن بلغ قباء حيث ينزل المهاجرون
9:38
حتى دعاهم إلى بناء مسجد يقيمون فيه الصلاة
9:43
فاستجابوا لطلبه
9:45
فكان المسجد الذي أقامه عمار بن ياسر
9:49
أول مسجد بني في الإسلام
9:52
وحسبه بذلك سابقة وفضلا
9:56
ولما هاجر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى المدينة
10:01
قرت به عين عمار
10:03
وفرح به فرح الحبيب بحبيبه
10:06
ولازمه ملازمة الخدين لخدينه
10:10
حتى كاد لا يفارقه في ليل أو نهار
10:14
وكان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يبادله حبا بحب
10:20
فكان إذا أقبل عليه قال
10:23
جاء الطيب المطيب
10:26
وفي يوم بدر
10:28
قاتل عمار تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم
10:32
قتال الشجعان
10:34
وكان المسلم الوحيد الذي خاض هذه المعركة
10:38
وأبواه مؤمنان شهيدان
10:41
ولما لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بجوار ربه
10:47
وارتد أكثر العرب عن الإسلام
10:50
كان له في يوم اليمامة موقف مشهور مبرور
10:55
ذلك أنه حين استحر القتل في صحابة الرسول صلوات الله وسلامه عليه
11:01
وجعلت المنون تتخطف حفظة القرآن
11:05
وزلزلت الأرض تحت أقدام المسلمين
11:09
عند ذلك
11:11
وقف عمار بن ياسر على صخرة مشرفة
11:14
وقد قطعت أذنه
11:16
وبقيت عالقة برأسه
11:18
وقال
11:20
يا معشر المسلمين
11:22
أمن الجنة تفرون
11:24
إلي إلي يا معشر المسلمين
11:28
ثم مضى أمامهم
11:30
وأذنه تتذبذب على صفحة خده
11:33
فحملوا بحملته
11:35
حتى قتل مسيلمة الكذاب
11:38
وطفق الناس يعودون إلى دين الله أفواجا
11:42
بعد أن خرجوا منه أفواجا
11:45
ولما آلت الخلافة إلى الفاروق
11:48
والله الكوفة
11:50
وجعل معه عبدالله بن مسعود
11:53
وكتب إلى أهلها يقول
11:56
أما بعد
11:58
فإني قد بعثت إليكم عمارا أميرا
12:01
وعبدالله بن مسعود معلما ووزيرا
12:05
وهما من نجباء أصحاب نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم
12:11
فاسمعوا لهما
12:13
واقتدوا بهما
12:15
ثم إن عمر بدى له
12:17
فأقصاه عن الإمارة
12:19
فلما لقيه قال له
12:22
أساء كما فعلته معك يا عمار
12:25
فقال
12:27
والله لقد ساءتني الإمارة
12:29
أكثر مما ساءني الإقصاء عنها
12:33
رضي الله عن عمار بن ياسر
12:36
فقد امتلأ إيمانا من قمة رأسه إلى أخمص قدميه
12:41
ورضي الله عن أبيه ياسر
12:44
وأمه سمية
12:46
فقد كان بيتهم بيت إيمان
12:50
صبرا آل ياسر
12:56
فإن موعدكم الجنة
12:59
محمد رسول الله
13:07
حلمشد يا شعر
13:09
واسعفني أفض
13:11
في مدحهم هل من مزيد