ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 71 من 85
صور من حياة الصحابة - الحلقة (93) - العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه
0:48
تناها إلى زعيم قريش عبد المطلب بن هاشم
0:54
أن هناك امرأة ذات عقل وجمال
0:57
من بنات ملوك ربيعة تدعى نتيلة
1:01
فسعى إليها وخطبها لنفسه وبنا بها
1:05
فولدت له طفلا قسيما وسيما
1:09
بهي الطلعة
1:11
ففرح به أشد الفرح ثم دعاه العباس
1:15
ولم يمضي على فرحة شيخ مكة غير سنتين اثنتين
1:21
حتى أتيح لبيته أن تغمره الفرحة من جديد
1:25
فقد ورد لابنه عبد الله
1:28
مولود يضارع العباس في إشراق الوجه وروعة المجتلى
1:33
فلما أبصره دمعت عيناه
1:36
فقد كان يتمنى أن يكون أبوه حيا
1:39
ليشاركه الفرحة به ثم دعاه محمدا
1:44
نشأ محمد والعباس في كنف عبد المطلب بن هاشم
1:49
وهما لا يعلمان إلا أنهما أخوان
1:52
يغدوان معا ويروحان معا
1:55
ويأكلان من جفنة واحدة
1:58
ويلعبان في ملعب واحد
2:01
ولما بلغ العباس العاشرة من عمره
2:04
توفي أبوه عبد المطلب
2:07
ففجعت به مكة كلها
2:09
وجزع عليه أهلها
2:12
لكن الغلامين العباس ومحمدا
2:15
كان أشد الناس جزعا عليه
2:18
لأنهما ذاقى طعم اليتم بفقده
2:22
ولما قسمت المناصب المنوطة
2:25
بعبد المطلب على أبنائه
2:27
جعلت قريش لابنه العباس
2:30
سقاية الحاج على الرغم من صغار سنه
2:33
وذلك لما كانوا يتوسمونه
2:36
فيه من النجابة
2:38
وما يتوقعونه له من السيادة
2:41
وطفق الفتيان العباس بن عبد المطلب
2:45
ومحمد بن عبد الله ينموان
2:48
فإذا هما شابان موفور الشباب
2:51
وإذا فوارق السن بينهما تزول
2:54
حتى إن الناظر إليهما كان يحسبهما توأمين
2:59
ولقد سأل أحدهم العباس ذات مرة بعد إسلامه
3:04
أأنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:08
فقال هو أكبر مني
3:11
ولكن سني تزيد على سنه سنتين
3:15
وعلى رأس الأربعين من العمر
3:18
أكرم الله سبحانه محمد بن عبد الله بالرسالة
3:22
وبعثه بدين الهدا والحق
3:25
وأمره بأن ينذر عشيرته الأقربين
3:29
ومن أقرب إليه من العباس
3:32
فهو تربه الأثير وصديقه الحميم
3:35
وعمه أخو أبيه
3:38
لكن العباس الذي ورث عن أبيه السيادة في قومه
3:42
وأونيطت به سقاية الحاج
3:45
وهو منصب يتنافس فيه المتنافسون
3:49
كان يكره أن يتنكر لقومه
3:52
ويحرص على أن يستبقي زعامته فيهم
3:55
فلم يستجب لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:00
لكنه مع ذلك ظل ينزل محمدا صلى الله عليه وسلم من نفسه
4:07
منزلة الأخي من أخيه
4:09
والحميم من حميمه
4:11
فيدفع عنه الأذى
4:13
ويحترس له أشد الاحتراس
4:16
من ذلك أنه لما التقى الرسول عليه الصلاة والسلام
4:21
مع وفوذ الأنصار ليلة العقبة
4:24
كان معه عمه العباس
4:26
وهو ما يزال على الشرك
4:28
وكان العباس أول من تكلم فقال
4:32
يا معشر الخزرج
4:34
إن محمدا منا حيث قد علمتم
4:37
وقد منعناه من قومنا
4:39
ممن هو على مثل رأينا فيه
4:42
فهو في عز من قومه ومنعة في بلده
4:46
وإنه قد أبى إلا أن ينحاز إليكم ويلحق بكم
4:51
فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه
4:56
فأنتم وما تحملتم
4:58
وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم
5:04
فمن الآن فدعوه
5:06
فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده
5:10
فقال الأنصار
5:12
قد سمعنا ما قلت يا أبى الفضل
5:15
ثم التفتوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا
5:19
يا رسول الله
5:21
خذ لنفسك ولربك من البيعة ما أحببت
5:25
ولما تمت البيعة
5:27
عاد الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس إلى مكة تحت جنح الظلام
5:34
ولما عزمت قريش على غزوة بدر
5:37
كره العباس أن يشاركها قتال ابن أخيه
5:41
لكن زعامته في قومه حملته على مشاركتها في ذلك حملا
5:47
وجعلته أحد الرجال الاثني عشر
5:50
الذين تكفلوا بإطعام جيش المشركين خلال الغزوة
5:55
لكن الرسول عليه الصلاة والسلام
5:58
لم ينس لعمه العباس نصرته له ومؤازرته إياه
6:03
فقال لأصحابه
6:05
من لقيا أبل بختري بن هشام فلا يقتله
6:08
ومن لقيا العباس بن عبد المطلب فلا يقتله
6:12
فإنهما قد خرجا مكرهين
6:15
ولما كتب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم النصر في بدر
6:20
وقتل من المشركين من قتل
6:23
وأسر منهم من أسر
6:25
كان العباس بن عبد المطلب في جملة الأسر الذين وقعوا في أيدي المسلمين
6:32
وكان الذي أسره رجلا ضئيل الجسم ضعيف البنية
6:37
يكنى بأبي اليسر
6:39
أما العباس فكان ضخما طوالا كالجمل الأورق
6:44
ولما عاد العباس إلى مكة عجب أولاده من أمر أسره
6:49
فاسألوه قائلين
6:51
يا أبانا كيف أسرك أبو اليسر
6:54
وأنت لو شئت لجعلته في كم قميصك
6:58
فقال والله يا بني إنه حين وثب علي كان في عيني أعظم من الفيل
7:06
ولما قبض على ذراعي بكفه الصغيرة المعروقة
7:10
ظننت أن الدم يوشك أن يقطر من أظفاري
7:14
ثم إنه لوى يدي فجعلها خلف ظهري
7:18
ثم أخذ الأخرى فضمها إلى أختها
7:21
وشدهما بحبل
7:23
وأنا مستخزن لا أمنع نفسي منه ولا أقاومه
7:28
بات العباس بن عبد المطلب ليلته الأولى في معسكر الأسرا
7:34
قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:38
فجعل يئن أنينا عميقا متواصلا
7:42
فلما بلغ أنينه مسامع النبي عليه الصلاة والسلام أرق
7:48
وبدت على وجهه ملامح الحزن
7:51
فقال له أصحابه
7:53
وما يحزنك يا رسول الله جعلنا في ذاك
7:57
فقال أنين العباس بن عبد المطلب
8:01
عند إذ قام رجل من المسلمين إليه
8:05
فوجد أن وثاقه قد شد عليه شدا قاسيا
8:10
فأرخاه له فسكت
8:13
فأثار سكوته مخاوف الرسول عليه الصلاة والسلام
8:17
وقال ما لي لا أسمع أنين العباس
8:21
فقال الرجل أنا أرخيت وثاقه
8:25
فقال النبي عليه الصلاة والسلام
8:28
ففعل مثل ذلك في الأسرا كلهم
8:31
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام
8:34
جعل يأخذ من الأسر الفدا
8:37
فلما أتي له بعمه
8:39
جعل العباس يعتذر له بأنه لا مال عنده
8:44
فقال النبي عليه الصلاة والسلام
8:47
أين المال الذي وضعته عند زوجتك أم الفضل
8:51
وقلت لها إن أصبت فلي الفضل كذا
8:55
ولي عبد الله كذا
8:57
ولي عبيد الله كذا
8:59
فبهت العباس لأن ذلك أمر لم يطلع عليه أحد أبدا إلا الله
9:06
وفي يوم أحد
9:08
أبى العباس بن عبد المطلب أن يخرج مع المشركين
9:11
لقتال النبي عليه الصلاة والسلام
9:15
إنه أرسل يخبره بعزم قريش على الخروج إليه
9:19
فكان لذلك أثر كبير في استعداد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
9:25
وتأهبهم للقاء العدو
9:28
مضت عشرون سنة على دعوة الرسول صلوات الله وسلامه عليه
9:34
وعمه العباس لا يزال على الشرك
9:37
وفي ذات يوم جلس العباس مع زوجه أم الفضل
9:42
يعددان شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم الكريمة
9:47
ويذكران صفاته النبيلة
9:49
ويستعيدان قصة معرفته للمال الذي أودعه معها
9:54
في نجوة من الناس جميعا
9:57
فما لبث أن وجد نفسه يقول لزوجه
10:00
ما بالنا يا أم الفضل
10:03
ما لنا لا نسلم
10:05
فهشت أم الفضل لكلمته هذه وبشت
10:09
وكأنما كانت تنتظر منه أن يقول ذلك
10:13
وفي ساعات معدودات
10:15
كان العباس بن عبد المطلب قد أعد راحلتين له ولزوجه
10:20
ومضى يامعا نحو المدينة
10:23
مهاجرين إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
10:28
ولما بلغ العباس وزوجه الجحفة
10:31
فوجئا برسول الله صلوات الله وسلامه عليه
10:35
يقود جيشا جرارا لفتح مكة
10:38
وفوجئا بهما الرسول عليه الصلاة والسلام أيضا
10:42
فقد كان لقاء على غير ميعاد
10:45
وبادر الرسول صلى الله عليه وسلم عمه قائلا
10:50
ما الذي أقدمك يا عم
10:53
فقال الرغبة في الله ورسوله
10:56
وأعلن هو وزوجته كلمة الحق
11:00
ودخل في دين الله بعد طول جموح
11:03
فما إن سمع الرسول صلى الله عليه وسلم
11:07
عمه يشهد أن لا إله إلا الله
11:10
وأن محمد رسول الله
11:13
حتى فاضت دموع الفرح من عينيه وقال
11:17
هجرتك يا عم آخر هجرة
11:20
كما أن نبوتي آخر نبوة
11:23
منذ تلك اللحظة عزم العباس بن عبد المطلب
11:28
على أن يستدرك ما فاته من الخير والأجر
11:32
فوضع نفسه وما له في طاعة الله
11:35
ومرضات رسوله صلى الله عليه وسلم
11:39
ففي يوم حنين لما انهزم المسلمون
11:43
وتخلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:47
وقف إلى جانبه وقفة الأسد الهصور
11:50
فامتشق السيف بيمينه
11:53
وأمسك بزمام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيساره
11:58
وظل ينافح عنه مع نفر قليل من أصحابه
12:02
حتى كتب الله على أيديهم النصر
12:06
ويوم عزم الرسول صلوات الله وسلامه عليه
12:10
على انفاذ جيش العسرة دعى أصحابه للعطاء والبذل
12:15
فجاءه العباس وصب المال بين يديه صبا
12:20
ولما لحق النبي عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى
12:25
وآل الأمر إلى خليفتيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
12:30
ظل العباس لهما نعم المشير والنصير
12:34
وظلهما يجلانه ويعظمانه
12:38
إقرارا بفضله ووفاءا للنبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام
12:44
من ذلك أنه حين اشتد القحط على المسلمين في عام الرمادة
12:49
فجف الضرع ويبس الزرع
12:52
وغدت السماء وكأنها بنيت من نحاس
12:56
خرج عمر بن الخطاب بالمسلمين
12:59
فاستسقى لهم فلم يسقوا
13:02
وكرر ذلك مرات فلم يستجب لهم
13:06
فقال لجمع من أصحابه
13:08
لأستسقينا غدا بمن يسقينا الله به إذا شاء
13:13
فلما كان الصباح مضائر العباس بن عبد المطلب
13:18
وقد غدا شيخا كبيرا فقال له
13:21
يا عم أخرج معنا لعل الله أن يسقينا على يديك
13:27
خرج العباس بن عبد المطلب في جمهور المسلمين
13:31
خاشعا خاضعا مخبطا لله
13:34
وكان أمامه علي بن أبي طالب
13:37
وعن يمينه الحسن وعن شماله الحسين
13:41
ومن خلفه جموع المسلمين
13:44
فصلوا ركعتين
13:46
ثم أخذ عمر بيدي عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
13:51
ودموعه تبلل لحيته وقال
13:54
أدعو لنا يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
13:59
فرفع العباس كفيه إلى السماء
14:02
وعيناه تفيضان من خشية الله
14:05
وأخذ يجأر إلى الله بصالح الدعاء وخالص الرجاء
14:10
والناس يؤمنون من ورائه ضارعين منتحبين
14:15
فما كاد يتم دعاءه
14:18
حتى تلبدت الأجواء بالغيوم الدكن
14:22
وأرسلت السماء غيثا على الأرض مدرارا
14:26
وأزال الله عن المسلمين الغمة
14:29
وكشف عنهم الكرب
14:31
وسقي الناس على يدي ساق الحجيج
14:34
رضي الله عنه وأرضاه
14:37
هذا العباس بن عبد المطالب
14:43
أجود قريش كفا
14:45
وأوصلها رحما
14:48
محمد بن عبد الله
14:51
بمحمد وبصحبه
14:53
قد غوثس الصرح المشيد
14:56
يا شيار أسعفني أفض
14:59
في مدحهم هل هم أسعفني