ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 37 من 85
صور من حياة الصحابة - الحلقة (57) - أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:26
أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه
0:50
لا ريب في أنك تعرف هذا النجم المتألق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
0:56
وهل في أمة الإسلام أحد لا يعرف أبا هريرة
1:00
لقد كان الناس يدعونه في الجاهلية عبد شمس
1:04
فلما أكرمه الله بالإسلام وشرفه بلقاء النبي عليه الصلاة والسلام
1:10
قال له مسمك
1:12
فقال عبد شمس
1:14
فقال عليه الصلاة والسلام
1:17
بل عبد الرحمن
1:19
فقال نعم عبد الرحمن
1:21
بأبي أنت وأمي يا رسول الله
1:24
أما تكنيته بأبي هريرة
1:27
فسببها أنه كانت له في طفولته هرة صغيرة يلعب بها
1:33
فجعل لداته ينادونه أبا هريرة
1:36
وشاع ذلك وذاع حتى غلب على اسمه
1:40
فلما اتصلت أسبابه بأسباب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
1:46
جعل يناديه كثيرا بأبي هر
1:49
إيناسا له وتحببا
1:51
فصار يؤثر أبا هر على أبي هريرة
1:55
ويقول
1:56
ناداني بها حبيبي رسول الله
1:59
والهر ذكر
2:00
والهريرة أنثى
2:02
والذكر خير من الأنثى
2:05
أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمر الدوسي
2:09
وظل في أرض قومه دوس إلى ما بعد الهجرة بست سنين
2:14
حيث وفد مع جموع من قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة
2:20
وقد انقطع الفتى الدوسي لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته
2:26
فاتخذ المسجد مقاما
2:28
والنبي معلما وإماما
2:31
إذ لم يكن له في حياة النبي زوج ولا ولد
2:35
وإنما كانت له أم عجوز أصرت على الشرك
2:39
فكان لا يفت أو يدعوها إلى الإسلام
2:42
إشفاقا عليها وبالرنبها
2:44
فتنفر منه وتصده
2:47
فيتركها والحزن عليها يفري فؤاده فريا
2:51
وفي ذات يوم دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله
2:56
فقالت في النبي عليه الصلاة والسلام قولا أحزنه وأمضه
3:02
فمضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي
3:07
فقال له النبي عليه الصلاة والسلام
3:10
ما يبكيك يا أبا هريرة
3:13
قال إني كنت لا أفتر عن دعوة أمي إلى الإسلام فتأبى علي
3:19
وقد دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره
3:23
فادعو الله جل وعز أن يميل قلب أم أبي هريرة للإسلام
3:28
فدعا لها النبي صلوات الله وسلامه عليه
3:32
قال أبو هريرة فمضيت إلى البيت
3:35
فإذا الباب قد رد
3:37
وسمعت خض خضة الماء
3:40
فلما هممت بالدخول قالت أمي مكانك يا أبا هريرة
3:45
ثم لبست ثوبها وقالت أدخل
3:48
فدخلت فقالت أشهد أن لا إله إلا الله
3:53
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
3:57
فعدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي من الفرح
4:02
كما بكيت قبل ساعة من الحزن وقلت
4:06
أبشر يا رسول الله
4:08
فقد استجاب الله دعوتك
4:10
وهدا أم أبي هريرة إلى الإسلام
4:13
وقد أحب أبو هريرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبا
4:18
خالط لحمه ودمه
4:20
فكان لا يشبع من النظر إليه ويقول
4:23
ما رأيت شيئا أملح ولا أصبح من رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:29
حتى لك أن الشمس تجري في وجه
4:32
وكان يحمد الله تبارك وتعالى
4:35
على أن من عليه بصحبة نبيه واتباع دينه
4:39
فيقول الحمد لله الذي هدا أبا هريرة للإسلام
4:44
الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن
4:49
الحمد لله الذي من على أبي هريرة بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم
4:56
وكما أولع أبو هريرة برسول الله صلوات الله وسلامه عليه
5:01
فقد أولع بالعلم
5:03
وجعله ديدنه وغاية ما يتمناه
5:07
حدث زيد بن ثابت قال
5:09
بينما أنا وأبو هريرة وصاحب لي في المسجد
5:13
ندعو الله تعالى ونذكره
5:16
إذ طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
5:20
وأقبل نحونا حتى جلس بيننا
5:23
فسكتنا
5:25
فقال عودوا إلى ما كنتم عليه
5:28
فدعوت الله أنا وصاحبي قبل أبي هريرة
5:32
وجعل الرسول يؤمن على دعائنا
5:35
ثم دعى أبو هريرة فقال
5:38
اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي
5:41
وأسألك علما لا ينسى
5:44
فقال عليه الصلاة والسلام
5:47
آمين
5:49
فقلنا ونحن نسأل الله علما لا ينسى
5:52
فقال
5:54
سبقكم بها الغلام الدوسي
5:57
وكما أحب أبو هريرة العلم لنفسه
6:00
فقد أحبه لغيره
6:02
ومن ذلك أنه مر ذات يوم بسوق المدينة
6:06
فهاله انشغال الناس بالدنيا
6:09
واستغراقهم في البيع والشراء والأخذ والعطاء
6:13
فوقف عليهم وقال
6:15
ما أعجزكم يا أهل المدينة
6:18
فقالوا وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة
6:22
فقال ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:26
يقسم وأنتم ههنا
6:29
ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم
6:32
فقالوا وأين هو يا أبا هريرة
6:35
قال في المسجد
6:37
فخرجوا سراعا
6:39
ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا
6:42
فلما رأوه قالوا يا أبا هريرة
6:45
لقد أتينا المسجد فدخلنا فيه
6:48
فلم نر شيئا يقسم
6:50
فقال لهم
6:52
أو ما رأيتم في المسجد أحدا
6:54
قالوا بلى
6:56
رأينا قوما يصلون
6:58
وقوما يقرأون القرآن
7:00
وقوما يتذاكرون في الحلال والحرام
7:03
فقال ويحكم
7:05
ذلك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم
7:09
وقد عان أبو هريرة بسبب صرافه للعلم
7:14
وانقطاعه لمجالس رسول الله
7:17
ما لم يعانه أحد من الجوع وخشونة العيش
7:21
روا عن نفسه قال
7:23
إنه كان يشتد بي الجوع
7:26
حتى إني كنت أسأل الرجل من أصحاب رسول الله عن الآية من القرآن
7:31
وأنا أعلمها
7:33
كي يصحبني معه إلى بيته فيطعمني
7:36
وقد اشتد بي الجوع ذات يوم
7:39
حتى شددت على بطني حجرا
7:42
فقعدت في طريق الصحابة
7:44
فمر بأبو بكر
7:46
فسألته عن آية في كتاب الله
7:49
وما سألته إلا ليدعوني
7:51
فما دعاني
7:53
ثم مر بي عمر بن الخطاب
7:55
فسألته عن آية
7:57
فلم يدعني أيضا
7:59
حتى مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:03
فعرف ما بي من الجوع
8:05
فقال أبو هريرة
8:07
قلت لبيك يا رسول الله
8:09
وتبعته
8:11
فدخلت معه البيت
8:13
فوجد قدحن فيه لبن
8:15
فقال لأهله من أين لكم هذا
8:18
قال
8:19
أرسل به فلان إليك
8:22
فقال
8:23
يا أبا هريرة
8:25
انطلق إلى أهل الصفة فادعهم
8:28
فساءني إرساله إيايا لدعوتهم
8:31
وقلت في نفسي
8:33
ما يفعل هذا اللبن مع أهل الصفة
8:36
وكنت أرجو أن أنال منه شربة أتقوا بها
8:40
ثم أذهب إليهم
8:42
فأتيت أهل الصفة ودعوتهم
8:44
فأقبلوا
8:46
فلما جلسوا عند رسول الله قال
8:48
خذ يا أبا هريرة فأعطيهم
8:51
فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى
8:54
إلى أن شربوا جميعا
8:57
فناولت القدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم
9:01
فرفع رأسه إلي مبتسما وقال
9:04
بقيت أنا وأنت
9:06
قلت
9:07
صدقت يا رسول الله
9:09
قال فاشرب فشربت
9:12
ثم قال شرب فشربت
9:15
وما زال يقول شرب
9:17
فاشربوا حتى قلت
9:19
والذي بعثك بالحق
9:21
لا أجد له مساغا
9:24
فأخذ الإناء وشرب من الفضلة
9:27
لم يمضي زمن طويل على ذلك
9:30
حتى فاضت الخيرات على المسلمين
9:33
وتدفقت عليهم غنائم الفتح
9:36
فصار لأبي هريرة مال ومنزل ومتاع
9:40
وزوج وولد
9:42
غير أن ذلك كله لم يغير من نفسه الكريمة شيئا
9:46
ولم ينسه أيامه الخالية
9:49
فكثيرا ما كان يقول
9:51
نشأت يتيما
9:53
وهاجرت مسكينا
9:55
وكنت أجيرا لبسرة بنتي غزوان بطعام بطني
9:59
فكنت أخدم القوم إذا نزلوا
10:02
وأحدوا لهم إذا ركبوا
10:04
فزوجنيها الله
10:06
فالحمد لله الذي جعل الدين قواما
10:09
وصير أبا هريرة إماما
10:12
وقد ولي أبو هريرة المدينة
10:15
من قبل معاوية ابن أبي سفيان أكثر من مرة
10:19
فلم تبدل الولاية من سماحة طبعه وخفة ظله شيئا
10:24
فقد مر بأحد طرق المدينة وهو وال عليها
10:28
وكان يحمل الحطب على ظهره لأهل بيته
10:32
فمر بثعلبة ابن مالك
10:34
فقال له
10:35
أوسع الطريق للأميري ابن مالك
10:38
فقال له
10:39
يرحمك الله
10:41
أما يكفيك هذا المجال كله
10:44
فقال له
10:45
أوسع الطريق للأمير واللحزمة التي على ظهره
10:49
وقد جمع أبو هريرة إلى وفرة علمه وسماحة نفسه
10:54
التقى والورع
10:56
فكان يصوم النهار ويقوم ثلث الليل
10:59
ثم يوقض زوجته فتقوم ثلثه الثاني
11:03
ثم توقض هذه ابنتها فتقوم ثلثه الأخير
11:08
فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوال الليل
11:12
وقد كانت لأبي هريرة جارية زنجية
11:15
فأساءت إليه وغمت أهله
11:18
فرفع السوط عليها ليضربها به
11:21
ثم توقف وقال
11:23
لولا القصاص يوم القيامة
11:25
لأوجعتك كما آذيتنا
11:28
ولكن سأبيعك ممن يوفيني ثمنك
11:31
وأنا أحوج ما أكون إليه
11:33
اذهبي
11:34
فأنت حرة لله عز وجل
11:38
وكانت ابنته تقول له
11:41
يا أبتي إن البنات يعيرنني
11:44
فيقول
11:45
لما لا يحليك أبوك بالذهب
11:48
فيقول يا بنيه
11:50
قولي لهن
11:51
إن أبي يخشى علي حر اللهب
11:54
ولم يكن امتناع أبي هريرة عن تحلية ابنته
11:58
ضنا بالمال أو حرصا عليه
12:01
إذ كان جوادا سخيا اليد في سبيل الله
12:05
فقد بعث إليه مروال بن الحكم
12:07
مائة دينار ذهبا
12:09
فلما كان الغد أرسل إليه يقول
12:12
إن خادمي غلط فأعطاك الدنانير
12:15
وأنا لم أردك بها
12:17
وإنما أردت غيرك
12:19
فسقط في يد أبي هريرة وقال
12:22
أخرجتها في سبيل الله
12:24
ولم يبت عندي منها دينار
12:27
فإذا خرج عطائي فخذها منه
12:30
وإنما فعل ذلك مروان ليختبره
12:33
فلما تحر الأمر وجده صحيحا
12:37
وقد ظل أبو هريرة
12:39
ما امتدت به الحياة برا بأمه
12:42
فكان كلما أراد الخروج من البيت
12:45
وقف على باب حجرتها وقال
12:48
السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله وبركاته
12:52
فتقول
12:54
وعليك السلام يا بني ورحمة الله وبركاته
12:58
فيقول
13:00
رحمك الله كما ربيتني صغيرا
13:03
فتقول
13:05
رحمك الله كما بررتني كبيرا
13:08
ثم إذا عاد إلى بيته فعل مثل ذلك
13:12
وقد كان أبو هريرة يحرص أشد الحرص
13:15
على دعوة الناس إلى بر آبائهم
13:18
وصلت أرحامهم
13:20
فقد رأى ذات يوم رجلين
13:23
أحدهما أسن من الآخر يمشيان معا
13:26
فقال لأصغرهما
13:28
ما يكون هذا الرجل منك
13:30
قال أبي
13:32
فقال له
13:33
لا تسمه باسمه
13:35
ولا تمشي أمامه
13:37
ولا تجلس قبله
13:39
ولما مرض أبو هريرة مرض الموت بك
13:42
فقيل له
13:44
ما يبكيك يا أبا هريرة
13:46
فقال
13:48
أما إني لا أبكي على دنياكم هذه
13:51
ولكنني أبكي لبعد السفر وقلة الزاد
13:55
لقد وقفت في نهاية طريق
13:58
يفضي بي إلى الجنة أو النار
14:01
ولا أدري في أيهما أكون
14:04
وقد عاده مروان بن الحكم فقال له
14:07
شفاك الله يا أبا هريرة
14:10
فقال
14:11
اللهم إني أحب لقائك
14:14
فأحب لقائه وعجل لي فيه
14:17
فما كاد يغادر مروان داره
14:20
حتى فارق الحياة
14:23
رحم الله أبا هريرة رحمة واسعة
14:26
فقد حفظ للمسلمين ما يزيد
14:29
على 1609 من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:35
وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا
14:39
حفظ أبو هريرة لأمة الإسلام
14:45
ما يزيد على 1600 حديث
14:49
من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:55
المؤرخون
14:57
بمحمد وبصحبه
14:59
قد غوثس الصرح المشيد يا شيار
15:03
وأسحفني أفض في مدحهم هل من مزيد