ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 28 من 81
صور من حياة الصحابة - الحلقة (48) - نعيم بن مسعود رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
نعيم بن مسعود رضي الله عنه
0:45
نعيم بن مسعود فتن يقض الفؤاد
0:51
المعي الذكاء
0:53
خراج واللاج
0:55
لا تعوقه معضلة ولا تعجزه مشكلة
0:58
يمثل بن الصحراء بكل ما حباه الله من صحة الحدس
1:03
وسرعة البديهة وشدة الدهاء
1:06
ولكنه كان صاحب صبوة وخدين متعة
1:10
كان يشدهما أكثر ما يشدهما عند يهود يثرب
1:14
فكان كلما تاقت نفسه لقينة أو هفا سمعه لوتر
1:20
شد رحاله من منازل قومه في نجد
1:23
ويمم وجهه شطر المدينة
1:26
حيث يبذل المال ليهودها بسخاء
1:29
ليبذلوا له المتعة بسخاء أكثر
1:32
ومن هنا فقد كان نعيم كثير التردد على يثرب
1:37
وثيق الصلة بمن فيها من اليهود
1:40
وخاصة بني قريضة
1:42
ولما أكرم الله الإنسانية بإرسال رسوله بدين الهدى والحق
1:48
وسطعت شعاب مكة بنور الإسلام
1:52
كان نعيم بن مسعود ما يزال مرخيا للنفس عنانها
1:56
فأعرض عن الدين الجديد أشد الإعراض
2:00
خوفا من أن يحول دونه ودون متعه ولذاته
2:04
ثم ما لبث أن وجد نفسه مسوقا إلى الانضمام إلى خصوم الإسلام الألدى
2:10
مدفوعا دفعا إلى إشهار السيف في وجهه
2:14
لكن نعيم بن مسعود
2:16
فتح لنفسه يوم غزوة الأحزاب صفحة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية
2:22
وخط في هذه الصفحة قصة من روائع قصص مكايد الحروب
2:28
قصة ما يزال يرويها التاريخ بكثير من الانبهار بفصولها المحكمة
2:34
والإعجاب ببطلها الأريب اللبيب
2:37
ولتقف على قصة نعيم بن مسعود
2:40
لا بد لك من الرجوع إلى الوراء قليلا
2:44
فقبيل غزوة الأحزاب بقليل
2:47
هب الطائفة من يهود بن النضيل في يثرب
2:51
وطفق زعماؤهم يحزبون الأحزاب لحرب الرسول عليه الصلاة والسلام والقضاء على دينه
2:58
فقدموا على قريش في مكة
3:01
وحرضوا على قتال المسلمين
3:04
وعاهدوهم على الانضمام إليهم عند وصولهم إلى المدينة
3:08
وضربوا لذلك موعدا لا يخلفون
3:12
ثم تركوهم وانطلقوا إلى غطفان في نجد
3:15
فأثاروهم ضد الإسلام ونبيه
3:18
ودعوهم إلى استئصال الدين الجديد من جذوره
3:22
وأسروا إليهم بما تم بينهم وبين قريش
3:26
وعاهدوهم على ما عاهدوها عليه
3:29
وأذنوهم بالموعد المتفق عليه
3:32
خرجت قريش من مكة بقضها وقضيضها
3:36
وخيلها ورجلها
3:38
بقيادة زعيمها أبي سفيان بن حرب
3:41
متجهة انشطر المدينة
3:43
كما خرجت غطفان من نجد بعدتها وعديدها
3:47
بقيادة عيينة بن حصل الغطفاني
3:51
وكان في طليعة رجال غطفان
3:54
بطل قصتنا نعيم بن مسعود
3:57
فلما بلغ الرسول صلوات الله وسلامه عليه
4:00
نبأ خروجهم
4:02
جمع أصحابه وشاورهم في الأمر
4:05
فقر قرارهم على أن يحفروا خندقا حول المدينة
4:09
ليصدوا عنها هذا الزحف الكبير
4:12
الذي لا طاقة لها به
4:14
وليقف الخندق في وجه الجيش الكثيف الغازي
4:18
ما كاد الجيشان الزاحفان من مكة ونجد
4:23
يقتربان من مشارف المدينة
4:25
حتى مضى زعماء يهود بن النضير
4:28
إلى زعماء يهود بني قريضة القاطنين في المدينة
4:33
وجعلوا يحرضونهم على الدخول في حرب النبي
4:36
ويحضونهم على مؤازرة الجيشين القادمين من مكة ونجد
4:41
فقال لهم زعماء بني قريضة
4:44
لقد دعوتمونا إلى ما نحب ونبغي
4:47
ولكنكم تعلمون أن بيننا وبين محمد
4:51
ميثاقا على أن نسالمه ونوادعه
4:54
لقاء نعيش في المدينة آمنين مطمئنين
4:58
وأنتم تدرون أن مداد ميثاقنا معه لم يجف بعد
5:03
ونحن نخشى إذا انتصر محمد في هذه الحرب
5:06
أن يبطش بنا بطشة جبارة
5:09
وأن يستأصلنا من المدينة استئصالا جزاء غدرنا به
5:14
لكن زعماء بن النضير ما زالوا يغرونهم بنقض العهد
5:19
ويزينون لهم الغدر بمحمد
5:22
ويؤكدون لهم بأن الدائرة ستدور عليه في هذه المرة لا محالة
5:28
ويشدون عزمهم بقدوم الجيشين الكبيرين
5:32
فما لبث يهود بني قريضة ألانوا لهم
5:36
ونقضوا عهدهم مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه
5:40
ومزقوا الصحيفة التي بينهم وبينه
5:43
وأعلنوا انضمامهم إلى الأحزاب في حربه
5:46
فوقع الخبر على المسلمين وقوع الصاعقة
5:50
حاصرت جيوش الأحزاب المدينة
5:53
وقطعت عن أهلها الميرة والقوت
5:56
وشعر الرسول صلوات الله وسلامه عليه
6:00
أنه وقع بين فكي العدو
6:03
فقريش وغطفان معسكرون قبالة المسلمين من خارج المدينة
6:08
وبنو قريضة متربصون متأهبون خلف المسلمين في داخل المدينة
6:14
ثم إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض
6:18
أخذوا يكشفون عن مخبأات نفوسهم ويقولون
6:22
كان محمد نعدنا بأن نملك كنوز كسرى وقيصر
6:26
وهنا نحن اليوم لا يأمن الواحد منا على نفسه
6:31
أن يذهب إلى بيت الخلاء لقضاء الحاجة
6:34
ثم طفقوا ينفضون عن النبي جماعة إثر جماعة
6:38
بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وبيوتهم
6:42
من هجمة يشنها عليهم بنو قريضة إذا نشب القتال
6:47
حتى لم يبق مع الرسول سوى بضع مئات من المؤمنين الصادقين
6:52
وفي ذات ليلة من ليال الحصار
6:55
الذي دام قريبا من عشرين يوما
6:58
لجأ الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى ربه
7:02
وجعل يدعوه دعاء المضطر
7:05
ويكرر في دعائه قولة
7:08
اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك
7:11
اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك
7:15
كان نعيم بن مسعود في تلك الليلة
7:18
يتقلب على مهاده أرقى
7:21
كأن ما سمر جفناه فما ينطبقان لنوم
7:25
فجعل يسرح ببصره وراء النجوم السابحة على صفحة السماء الصافية
7:31
ويطير التفكير
7:33
وفجأة وجد نفسه تسائله قائلة
7:37
ويحك يا نعيم
7:39
ما الذي جاء بك من تلك الأماكن البعيدة في نجد
7:43
لحرب هذا الرجل ومن معه
7:46
إنك لا تحاربه انتصارا لحق مسلوب
7:49
أو حمية لعرض مغصوب
7:52
وإنما جئت تحاربه لغير سبب معروف
7:56
أليق برجل له عقل مثل عقلك
7:59
أن يقاتل فيقتل أو يقتل لغير سبب
8:03
ويحك يا نعيم
8:05
ما الذي يجعلك تشهر سيفك في وجه هذا الرجل الصالح
8:09
الذي يأمر أتباعه بالعدل والإحسان
8:12
وإيتاء ذي القرب
8:14
وما الذي يحملك على أن تغمس رمحك في دماء أصحابه
8:18
الذين اتبعوا ما جاءهم به من الهداة والحق
8:22
ولم يحسم هذا الحوار العنيف بين نعيم ونفسه
8:26
إلا القرار الحازم الذي نهض من توه لتنفيذه
8:30
تسلل نعيم ابن مسعود من معسكر قومه تحت جنح الظلام
8:36
ومضى يحث الخطى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:41
فلما رأاه النبي عليه الصلاة والسلام ماثلا بين يديه قال
8:46
نعيم ابن مسعود
8:48
قال نعم يا رسول الله
8:50
قال
8:52
ما الذي جاء بك في هذه الساعة
8:55
قال
8:56
جئت لأشهد أن لا إله إلا الله
8:59
وأنك عبد الله ورسوله
9:02
وأن ما جئت به حق
9:04
ثم أرد فيقول
9:06
لقد اسلمت يا رسول الله
9:08
وإن قومي لم يعلموا بإسلامي
9:11
فمرني بما شئت
9:13
فقال عليه الصلاة والسلام
9:16
إنما أنت فينا رجل واحد
9:18
فاذهب إلى قومك وخذ العنا إن استطعت
9:22
فإن الحرب خدعة
9:24
فقال نعم يا رسول الله
9:27
وسترى ما يسرك إن شاء الله
9:30
مضى نعيم ابن مسعود من توه إلى بني قريضة
9:34
وكان لهم من قبل صاحبا ونديما
9:37
وقال لهم
9:38
يا بني قريضة
9:40
لقد عرفتم ودي لكم وصدق في نصحكم
9:44
فقالوا نعم
9:45
فما أنت عندنا بمتهم
9:48
فقال
9:49
إن قريشا وغطفان لهم في هذه الحرب شأن غير شأنكم
9:54
فقالوا وكيف
9:56
فقال
9:57
أنتم هذا البلد بلدكم
10:00
وفيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم
10:03
وليس بوسعكم أن تهجروه إلى غيره
10:06
أما قريش وغطفان
10:09
فبلدهم وأموالهم وأبناؤهم ونساؤهم في غير هذا البلد
10:14
وقد جاءوا لحرب محمد
10:17
ودعوكم لنقض عهده ومناصرتهم عليه
10:20
فأجبتموهم
10:22
فإن أصابوا نجاحا في قتاله اغتنموه
10:25
وإن أخفقوا في قهره
10:27
عادوا إلى بلادهم آمنين
10:30
وتركوكم له
10:31
فينتقم منكم شر انتقام
10:34
وأنتم تعلمون أنكم لا طاقة لكم به إذا خلا بكم
10:39
فقالوا صدقت
10:41
فمن رأي عندك
10:43
فقال
10:44
الرأي عندي
10:46
ألا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا طائفة من أشرافهم
10:50
وتجعلوهم رهائن عندكم
10:53
وبذلك تحملونهم على قتال محمد معكم
10:57
إلى أن تنتصروا عليه
10:59
أو يفنى آخر رجل منكم ومنهم
11:02
فقالوا أشرت ونصحت
11:05
ثم خرج من عندهم
11:07
وأتى أبا سفيان بن حرب قائد قريش
11:10
وقال له ولمن معه
11:12
يا معشر قريش
11:14
لقد عرفتم ودي لكم وعداوتي لمحمد
11:18
ولقد بلغني أمر
11:20
فرأيت حقا علي أن أفضي به إليكم
11:23
نصحا لكم
11:24
على أن تكتموه ولا تذيعوه عني
11:28
فقالوا لك علينا ذلك
11:31
فقال
11:32
إن بني قريظة قد ندموا على مخاصمتهم لمحمد
11:36
فأرسلوا إليه يقولون
11:38
إنا قد ندمنا على ما فعلنا
11:41
وعزمنا أن نعود إلى معاهدتك ومسالمتك
11:45
فهل يرضيك أن نأخذ لك من قريش
11:48
ثم غطفان رجالا كثيرا من أشرافهم
11:51
ونسلمهم إليك لتضرب أعناقهم
11:54
ثم ننضم إليك في محاربتهم حتى تقضي عليهم
11:59
فأرسل إليهم يقول
12:01
نعم
12:02
فإن بعثت اليهود تطلب منكم رهائنا من رجالكم
12:06
فلا تدفعوا إليهم أحدا
12:09
فقال أبو سفيان
12:10
نعم الحليف أنت
12:12
وجزيت خيرا
12:14
ثم خرج نعيم من عندي أبي سفيان
12:17
ومضى حتى أتى قومه غطفان
12:20
فحدثهم بمثل ما حدث به أبا سفيان
12:23
وحذرهم مما حذره منه
12:26
أراد أبو سفيان أن يختبر بني قريضة
12:29
فأرسل إليه مبنه فقال لهم
12:32
إن أبي يقرئكم السلام ويقول لكم
12:35
إنه قد طال حصارنا لمحمد وأصحابه حتى مللنا
12:40
وإننا قد عزمنا على أن نقاتل محمدا ونفرغ منه
12:45
وقد بعثني أبي إليكم ليدعوكم إلى منازلته غدا
12:50
فقالوا له إن اليوم يوم سبت
12:53
ونحن لا نعمل فيه شيئا
12:56
ثم إننا لا نقاتل معكم
12:58
حتى تعطونا سبعين من أشرافكم وأشراف غطفان
13:02
ليكونوا رهائن عندنا
13:05
فإننا نخشى إن اشتد عليكم القتال
13:08
أن تسرعوا إلى بلادكم وتتركونا لمحمد وحدنا
13:12
وأنتم تعلمون أنه لا طاقة لنا به
13:16
فلما عاد ابن أبي سفيان إلى قومه
13:19
وأخبرهم بما سمعه من بني قريضة
13:22
قالوا بلسال واحد
13:24
خسئ أبناء القردة والخنازير
13:27
والله لو طلبوا منا شاة رهينة
13:30
ما دفعناها إليهم
13:32
نجح نعيم بن مسعود في تمزيق صفوف الأحزاب
13:37
وتفريق كلمتهم
13:39
وأرسل الله على قريش وأحلافها
13:42
ريحا صرصرا عاتية
13:44
جعلت تقتلع خيامهم
13:46
وتكفأ قدورهم
13:48
وتطفئ نيرانهم
13:50
وتصفع وجوههم
13:52
وتملأ عيونهم ترابا
13:54
فلم يجدوا مثرا من الرحيل
13:57
فرحلوا تحت جنح الظلام
14:00
ولما أصبح المسلمون
14:02
ووجدوا أعداء الله قد ولوا مدبرين
14:05
جعلوا يهتفون
14:07
الحمد لله الذي نصر عبده
14:10
وأعز جنده
14:12
وهزم الأحزاب وحده
14:14
ظل نعيم بن مسعود
14:16
بعد ذلك اليوم
14:18
موضع ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:22
فولي له الأعمال
14:24
ونهض له بالأعباء
14:26
وحمل بين يديه الرايات
14:28
فلما كان يوم فتح مكة
14:31
وقف أبو سفيان بن حرب
14:33
يستعرض جيوش المسلمين
14:35
فرأى رجلا يحمل راية غطفان
14:38
فقال لمن معه من هذا
14:41
فقالوا نعيم بن مسعود
14:44
فقال بئس ما صنع بنا يوم الخندق
14:48
والله لقد كان من أشد الناس
14:51
عداوة لمحمد
14:53
وههذا يحمل راية قومه بين يديه
14:56
ويمضي لحربنا تحت لوائه
14:59
نعيم بن مسعود
15:04
رجل يعرف أن الحرب خدع
15:08
مدى وبصحبه
15:10
قد غوصس صرح المشيد
15:13
يا شعر أسعف
15:16
في مدحهم هل يمزين