ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 69 من 86
صور من حياة الصحابة - الحلقة (90) - طليحة بن خويلد الأسدي رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
طليحة بن خويل دين الأسدي
0:33
رضي الله عنه
0:48
في السنة التاسعة للهجرة
0:53
قدم على المدينة المنورة وفد من بني أسد
0:57
وكان على رأسهم طليحة بن خويل دين الأسدي
1:01
فلما بلغوا المسجد النبوي
1:04
مثلوا بين يدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
1:08
ثم قام خطيبهم وقال
1:11
يا رسول الله
1:13
إنا نشهد أن الله وحده لا شريك له
1:16
ونشهد أنك عبده ورسوله
1:19
وأنه بعثك بدين الهدى والحق
1:23
ونحن إنما جئناك من عند أنفسنا
1:26
ولم تبعث إلينا أحدا
1:28
فتقبل إسلامنا يا رسول الله
1:31
فرحب بهم النبي صلى الله عليه وسلم أكرم ترحيب
1:36
وأنزلهم خير منزل
1:38
لكن طليحة بن خويل دين
1:41
ما لبث أن تغيرت نفسه على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم
1:46
ودب في قلبه الحسد له
1:49
وجعل ينظر في أمره
1:51
وكيف بدأ صغير
1:53
ثم ما زال ينمو ويكبر يوما بعد يوم
1:57
حتى دانت له جزيرة العرب من أقصاها إلى أقصاها بالولاء والطاعة
2:03
ثم أخذ شيطان طليحة يستدرجه ويمنيه الأمان
2:08
فيقول له
2:10
يا طليحة أين محمد منك
2:13
فما هو بأفصح منك لسانا
2:16
فأنت أديب لبيب شاعر
2:19
وما هو بأقوى منك جنانا
2:22
فأنت أشجع العرب شجاعة
2:24
وأشدهم بأسا
2:26
حتى إن الناس يعدونك بألف فارس إذا جد الجد
2:31
ثم إنه ليس بأعز منك نفرا
2:35
فأنت من بني أسد
2:37
وبن أسد مساعر حرب
2:40
لهم في ميادينها أيام مشهودات
2:43
ومواقف معدودات
2:45
فلما عاد الوفد إلى منازله
2:48
وقفط ليحة في بني أسد
2:51
يزعم لهم أنه نبي مرسل من عند الله
2:55
فتبعوه جميعا
2:57
إما إيمانا به
2:59
وإما عصبيا له
3:01
بعث الرسول صلوات الله وسلامه عليه جيشا
3:06
بقيادة ضرار بن الأزور
3:08
لقتال طليحة وقومه
3:11
فأبلى الجيش المؤمن في بني أسد
3:14
وأحلافهم أعظم البلاء
3:16
وأوشك أمر طليحة أن يضمحل
3:19
لولا أن ضرارا التقى به وجها لوجه
3:22
وضربه بسيفه
3:24
فشاء الله أن ينبو عنه السيف
3:27
وألا يؤثر فيه
3:29
فاغتنم طليحة ذلك
3:31
وجعل يشيع في قومه أن الله يحفظه ويدفع عنه
3:36
وأن السيوف القواطع لا تعمل في جسده
3:40
فاجتمع عليه من تفرق عنه
3:43
وتبعه خلق كثير
3:45
وقد زاده قوة على قوة
3:48
وفات الرسول صلوات الله وسلامه عليه
3:52
وارتداد كثير من العرب عن دين الله
3:55
وخروجهم من الإسلام أفواجا أفواجا
3:59
كما دخلوا فيه أفواجا أفواجا
4:02
ما كاد الصديق رضوان الله عليه يلي أمر المسلمين
4:07
حتى عقد أحد عشر لواء لأحد عشر قائدا
4:12
ووجههم جميعا لحرب المرتدين
4:15
وكان طليحة بن خويلد وقومه بن أسد
4:19
من حصة خالد بن الوليد
4:21
فتوجه سيف الله إلى مواطن بن أسد في نجد
4:26
وأرسل في مقدمة جيشه مغوارين اثنين من مغاوير المسلمين
4:32
هما عكاشة بن محصن وثابت بن سلمة
4:36
ليجوسى خلال الديار
4:38
ويتسقطا للمسلمين الأخبار
4:41
فظفر بهما طليحة وقتلهما شر قتله
4:45
فلما علم المسلمون بمصرعهما
4:48
حزنوا عليهما أشد الحزن وأمره
4:52
وألوا على أنفسهم أن يثأروا لهما
4:55
مهما كان الثمن غاليا
4:57
التق الجمعان على بئر بزاخة في أرض نجد
5:02
واقتتلا قتالا عنيفا ضاريا
5:05
تساوى الفريقان في أوله
5:07
وكان سيد بن فزارة
5:09
عيينة بن حصن
5:11
قد هب مع قومه لنجدة طليحة
5:14
وصد جيش المسلمين عنه
5:17
فلما أخذت كفة المسلمين ترجح على كفة المشركين
5:22
نظر عيينة إلى طليحة
5:24
فوجده قد انحاز إلى فستاطه
5:27
وتلفف بكسائه
5:29
وزعم لأتباعه بأن الوحي سينزل عليه
5:33
وأن الله سيمده بالملائكة
5:36
ولما حمي الوطيس
5:38
وثقلت وطأة المسلمين على أتباع طليحة
5:42
أقبل عليه سيد بن فزارة وقال
5:45
هل جاءك الملك يا طليحة
5:48
قال لا يا عيينة
5:50
فرجع وقاتل
5:52
حتى ازدادت الوطأة عليه وعلى قومه ثقلا
5:56
فكر على طليحة وقال
5:59
لا أبالك أجاءك جبريل
6:02
قال لا
6:03
فقال عيينة حتى متى
6:06
والله لقد بلغ الجهد منا كل مبلغ
6:10
ثم رجع فقاتل قتالا عنيفا
6:13
ثم كر على طليحة
6:15
فقال هل جاءك جبريل
6:18
قال نعم
6:19
قال فبماذا أوحى إليك
6:22
قال لقد قال لي
6:25
إن لك يوما ستلقاه
6:27
ليس لك أوله
6:29
ولكن لك أخراه
6:31
ثم إن لك بعد ذلك حديثا لا تنساه
6:35
فقال له عيينة
6:37
تبا لك
6:38
أرى والله لك حديثا لا تنساه
6:41
ثم التفت إلى قومه وقال
6:44
يا بني فزارة
6:46
إن هذا كذاب أشر
6:49
ثم انحاز عنه بمن معه
6:51
فظهر المسلمون على بني أسد
6:54
وولى طليحة هاربا
6:56
ونزل على الغساسنة في بلاد الشام
7:00
لم يمضي غير قليل على إقامة طليحة
7:04
عند الغساسنة
7:06
حتى ثاب إلى رشده
7:08
فجعل يعض بنانا الندم
7:10
على ما فرط من أمره ويقول
7:13
ثكلتك أمك يا طليحة
7:15
كم هو مريع
7:17
لو أن سيف ضرار بن الأزور
7:19
أطاح بهامتك
7:21
لقد كنت تقتل مرتدا عن دينك
7:24
مشركا بربك
7:26
ويكون مصيرك النار
7:28
ثكلتك أمك يا طليحة
7:30
إن لم تمضي هذه الساعة
7:32
إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:36
مسلما مستسلما
7:38
وليفعل بك ما يشاء
7:40
فإن ذلك أهون عليك من لحظة عذاب
7:44
تصلاها في جهنم يوم القيامة
7:47
عاهد الله يا طليحة
7:49
إن هو سلمك حتى تفد على المدينة
7:53
أن تجعل عنقك التي نجت من سيف ضرار بن الأزور
7:57
فداء لدين الله
7:59
وويقاء للمسلمين
8:01
ثم نزل إلى بئر
8:03
فاغتسل بمائها
8:05
وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
8:10
وأن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله
8:15
بلغ طليحة بن خويل دين الأسدي
8:18
المدينة المنورة
8:20
ودخل على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
8:23
معلنا إسلامه
8:25
فقال له الفاروق
8:27
ويحك
8:28
ألست الذي قتل الرجلين الصالحين
8:31
عكاشة وثابتا
8:33
ثم أردف قائلا
8:35
إن نفسي والله لا ترتاح إليك أبدا
8:39
فقال طليحة
8:41
يا أمير المؤمنين
8:43
ما يهمك من رجلين
8:45
هما أكرم بالشهادة على يدي
8:48
وأنا شقيت بهما
8:50
وإني لأستغفر الله العظيم وأتوب إليه
8:54
فاستجاب له عمر
8:56
وقبل إسلامه
8:58
تابة طليحة بن خويل دين من زلته الكبرى
9:02
توبة صادقة نصوحة
9:05
وعاهد الله على أن يجاهد في سبيله
9:08
ما بقي فيه عرق ينبض
9:11
وآلى على نفسه أن يوردها موارد ردا
9:15
عله يموت شهيدا في سبيل الله
9:18
فشاء الله عز وجل
9:21
ركب المسلمون البحر ذات مرة
9:24
لغزو بلاد الروم
9:26
وفيهم طليحة بن خويل دين
9:29
وبينما هم يمخرون العباب
9:31
برزت لهم سفينة كبيرة من سفن العدو
9:35
تحمل من الجند ما يفوقهم عدة وعددا
9:39
وجعلت تطاردهم في عرض البحر
9:42
فقال طليحة لأصحابه
9:44
قربونا منها
9:46
فقالوا له
9:48
إنه لا قبل لنا بها يا طليحة
9:51
فقال لهم
9:53
والله إما أن تقربوا سفينتنا من سفينتهم
9:57
وإما أن أعمل في رقابكم هذا السيف
10:01
فلم يجدوا مندوحة عن الإذعان له
10:04
ولما تحاذت السفينتان
10:07
قال طليحة لمن معه
10:09
ارفعوني على سواعدكم
10:11
واقذفوني على سفينة الروم
10:14
وسأريكم ما يقر عيونكم إن شاء الله
10:18
ففعلوا ما أمرهم به
10:20
وما هي إلا لحظات
10:22
حتى وثبت طليحة على سفينة الأعداء
10:25
وانقض على من فيها انقضاد الصاعقة
10:29
وأجال سيفه في رقابهم يمنة ويسرة
10:33
فذهلوا
10:34
وجعلوا يتطايرون تحت ضرباته
10:37
وما هو إلا قليل
10:39
حتى قتل منهم من قتل
10:42
وغرق منهم من غرق
10:44
واستسلم الباقون
10:46
وفي ليلة القادسية
10:49
أخرج سعد بن أبي وقاص
10:51
طليحة بن قويل دين الأسدي
10:53
في خمسة من رجاله
10:55
وأخرج عمر بن معدي كرب
10:58
في خمسة آخرين
11:00
وأمرهم أن يتسللوا تحت جنح الظلام
11:03
إلى معسكرات الفرس
11:05
ليأتوه بأخبارهم
11:07
فما إن دخلت السريتان المعسكر
11:10
حتى انخلعت قلوب رجالهما منها
11:13
ولما رأوا من العدد والعدة
11:15
وما وجدوا من اليقظة والأهبة
11:18
فرجع عمر بن معدي كرب وأصحابه
11:21
ولحق بهم رجال طليحة الخمسة
11:24
أما طليحة نفسه
11:26
فمضى إلى غايته غير هياب ولا وجل
11:30
وقضى ليلته يتنقل في أرجاء المعسكر
11:34
فلما أدبر الليل
11:36
لم يشأ أن يعود أدراجه
11:39
حاملا معه ما وقف عليه من أسرار
11:42
وإنما عمد إلى أعظم خيمة من خيام المعسكر
11:47
فإذا أمامها جواد لم ير مثله قط
11:51
فانتضى سيفه وقطع مقود الجواد
11:55
وامتطى ظهره وانطلق يعدو به بين الخيام
11:59
فلحق به فارس من فرسان القوم
12:03
ولما أدركه سدد رمحه ليطعنه به
12:07
فكر عليه طليحة
12:09
وطعنه طعنة أردته قتيلا
12:12
فهب له فارس آخر
12:15
ففعل به مثل ما فعل بصاحبه
12:18
فنهض له فارس ثالث
12:21
فكر عليه طليحة
12:23
فلما عرف الفارس أنه مقتول لا محالة
12:27
استسلم له
12:29
فأمره طليحة أن يركض بين يديه
12:32
ثم مضى يامعا حتى بلغا معسكر المسلمين
12:36
فلما رأاهم المسلمون
12:39
جعلوا يهللون ويكبرون
12:42
دعى سعد بن أبي وقاص ترجمانا
12:45
ثم سأل الأسير عن قومه وعسكرهم
12:48
فقال
12:50
أريد أن أخبركم عن صاحبكم هذا أولا
12:54
ثم سألوني عن ما شئتم
12:56
فقالوا هات ما عندك
12:59
فقال
13:00
لقد باشرت الحروب وغشيتها
13:03
ورأيت الأبطال ولقيتهم منذ كنت غلاما
13:07
إلى أن بلغت ما ترون
13:09
فلم أسمع برجل دخل معسكرا فيه
13:12
سبعون ألفا من المقاتلين
13:15
يخدم كل مقاتل منهم خمسة رجال أو أكثر
13:19
فلم يرضى أن يخرج من المعسكر
13:22
حتى أغار على فستاط القائد
13:25
وهتك أطناب خيمته
13:27
واستلب فرسه
13:29
فلحق به فارس يعدل ألفا من الفرسان
13:33
فقتله
13:34
ثم أدركه آخر لا يقل عنه شجاعة
13:38
فألحقه به
13:40
ثم أدركته أنا
13:42
ولا أظنني خلفت بعدي من يعدلني
13:45
وكنت أريد أن أثأر لهما
13:48
فهم ابناء عمي
13:50
فلما رأيت الموت أمام عيني
13:52
استسلمت له
13:54
لم تكن هذه جميع بطولات طليحة بن خويل دين الأسدي
14:00
ولم يكن هذا كل جهاده في سبيل الله
14:04
فقد ظل يناضل تحت رايات القرآن
14:08
حتى خر صريعا شهيدا في معركة نهاوند
14:13
طليحة بن خويل دين الأسدي
14:18
يعد بألف فارس المؤرخون