ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 17 من 88
صور من حياة الصحابة - الحلقة (34) - حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
0:46
إن شئت كنت من المهاجرين
0:49
وإن شئت كنت من الأنصار
0:51
فاختر أحب الأمرين إلى نفسك
0:54
بهذه الكلمات خاطب الرسول عليه الصلاة والسلام
0:59
حين لقيه أول مرة في مكة
1:02
ولتخيير حذيفة بن اليمان
1:05
في الانتماء إلى أكرم فئتين
1:07
وأحبهما إلى المسلمين قصة
1:10
فاليمان أبو حذيفة مككي من بني عبس
1:14
لكنه أصاب دم في قومه
1:17
فاضطر إلى النزوح عن مكة إلى يثرب
1:20
وهناك حالف بني عبد الأشهل وصاهرهم
1:24
وورد له ابنه حذيفة
1:27
ثم زالت الموانع التي تحول دون اليمان ودون دخول مكة
1:33
فجعل يتردد بينها وبين يثرب
1:36
ولكن إقامته كانت في المدينة أكثر وألصق
1:40
ولما أهل الإسلام بنوره على جزيرة العرب
1:45
كان اليمان أبو حذيفة أحد عشرة من بني عبس
1:48
وفد على الرسول صلوات الله وسلامه عليه
1:52
وأعلنوا إسلامهم بين يديه
1:55
وذلك قبل أن يهاجر إلى المدينة
1:58
ومن هنا كان حذيفة مككية الأصل مدنيا نشأ
2:04
نشأ حذيفة ابن اليمان في بيت مسلم
2:08
وربية في كنف أبوين من السابقين إلى الدخول في دين الله
2:13
فأسلم قبل أن تكتحل عيناه بمرأى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
2:19
كان شوق حذيفة إلى لقاء الرسول يملأ جوانحه
2:24
فهو ما زال منذ أسلم يتسقط أخباره ويلح في السؤال عن أوصافه
2:30
فلا يزيده ذلك إلا ولعن به وحنينا إليه
2:35
فرحل إلى مكة ليلقاه فما إن رأى النبي حتى سأله
2:41
أم هاجر أنا أم أنصاري يا رسول الله
2:45
فقال عليه الصلاة والسلام إن شئت كنت من المهاجرين
2:50
وإن شئت كنت من الأنصار فاختر لنفسك ما تحب
2:55
فقال بل أنا أنصاري يا رسول الله
3:00
ولما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة
3:04
لازمه حذيفة ملازمة العين لأختها
3:08
وشهد معه المواقع كلها إلا بدرا
3:12
ولتخل في حذيفة عن بدر قصة رواها بنفسه فقال
3:17
ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني كنت خارج المدينة أنا وأبي
3:23
فأخذنا كفار قريش وقالوا أين تقصدون
3:29
فقلنا المدينة فقالوا إنكم تريدون محمدا
3:34
فقلنا ما نريد إلا المدينة
3:38
فأبوا أن يطلقونا إلا بعد أن أخذوا العهد علينا
3:42
ألا ننصر محمدا عليهم وألا نقاتل معه
3:46
ثم أطلقوا سراحنا
3:48
ولما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:52
أخبرناه بما قطعناه من عهد لقريش
3:56
وسألناه ماذا نصنع
3:58
فقال عليه الصلاة والسلام
4:01
نفي بعهدهم ونستعين عليهم بالله
4:05
ولما كانت أحد
4:07
خاضها حذيفة مع أبيه اليمان
4:10
أما حذيفة
4:12
فأبلى فيها أعظم البلاء وأكرمة
4:15
وخرج منها سالما
4:17
وأما أبوه فقد استشهد فيها
4:20
ولكن استشهاده كان بسيوف المسلمين
4:24
لا بسيوف المشركين
4:26
ولذلك قصة نوردها فيما يلي
4:30
لما كان يوم أحد
4:32
وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمان
4:36
وثابت ابن وقش
4:38
في الحصون مع النساء والصبيان
4:41
لأنهما كانا شيخين كبيرين طاعنين في السن
4:45
فلما حمي وطيس المعركة
4:48
قال اليمان لصاحبه
4:50
لا أبالك ما ننتظر
4:53
فوالله ما بقي لواحد منا من عمره
4:56
إلا بمقدار ما يظمأ الحمار
4:59
إنما نحن هامة اليوم أو غد
5:02
أفلا نأخذ سيفينا
5:04
ونلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم
5:08
لعل الله يرزقنا الشهادة مع نبيه
5:11
ثم أخذ سيفيهما ودخل في الناس
5:14
واقتحم المعركة
5:16
أما ثابت ابن وقش
5:18
فأكرمه الله بالشهادة على أيدي المشركين
5:22
وأما اليمان وارد حذيفة
5:25
فتعاورته سيوف المسلمين وهم لا يعرفونه
5:29
وجعل حذيفة ينادي
5:31
أبي أبي
5:33
فلا يسمعه أحد
5:35
وخر الشيخ صريعا بأسياف أصحابه
5:38
فما زاد حذيفة على أن قال لهم
5:41
يغفر الله لكم
5:43
وهو أرحم الراحمين
5:46
ثم أراد الرسول عليه الصلاة والسلام
5:49
أن يعطي لابن دية أبي
5:51
فقال حذيفة
5:53
إنما هو طالب شهادة وقد نالها
5:57
اللهم اشهد أني تصدقت بديته على المسلمين
6:03
فازداد بذلك منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:08
سبر الرسول صلوات الله وسلامه عليه غور حذيفة ابن اليمان
6:14
فتجلت له فيه خلال ثلاث
6:17
ذكاء فذ
6:19
يسعفه في حل المعضلات
6:22
وبديهة مطاوعة
6:24
تلبيه كل ما دعاها
6:26
وكتمان للسر
6:28
فلا ينفذ إلى غوره أحد
6:31
وكانت سياسة الرسول عليه الصلاة والسلام
6:35
تقوم على اكتشاف مزايا أصحابه
6:38
والإفادة من طاقاتهم الكامنة في ذواتهم
6:42
وذلك بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب
6:46
وكانت أكبر مشكلة تواجه المسلمين في المدينة
6:50
هي وجود المنافقين من اليهود وأشاعهم
6:54
وما يحيكونه للنبي عليه الصلاة والسلام
6:58
وأصحابه من مكائد ودسائس
7:01
فأفضى النبي صلوات الله وسلامه عليه
7:04
لحذيفة ابن اليمان بأسماء المنافقين
7:08
وهو سر لم يطلع عليه أحدا من أصحابه
7:12
وعهد إليه برصد حركاتهم
7:15
وتتبع نشاطهم
7:17
ودرع خطرهم عن الإسلام والمسلمين
7:20
ومنذ ذلك اليوم
7:22
دعي حذيفة ابن اليمان بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:28
وقد استعان الرسول عليه الصلاة والسلام
7:31
بمواهب حذيفة في موقف من أشد المواقف خطرا
7:36
وأحوجها إلى الذكاء الفذ والبديهة المطاوعة
7:41
وذلك في ذروة غزوة الخندق
7:44
حيث كان المسلمون قد أحاط بهم العدو من فوقهم ومن تحتهم
7:49
وطال عليهم الحصار
7:52
واشتد عليهم البلاء
7:54
وبلغ منهم الجهد والضنك كل مبلغ
7:58
حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر
8:02
وأخذ بعض المسلمين يظنون بالله الظنون
8:06
ولم تكن قريش وأحلافها من المشركين في هذه الساعات الحاسمات
8:12
بأحسن حالا من المسلمين
8:15
فقد صب عليها الله عز وجل من غضبه
8:18
ما أوهن قواها وزلزل عزائمها
8:22
فأرسل عليها ريحا صرصرا
8:24
تقلب خيامها وتكفأ قدورها
8:28
وتطفئ نيرانها وتقذف وجوهها بالحصباء
8:32
وتسد عيونها وخياشيمها بالتراب
8:36
في هذه المواقف الحاسمة من تاريخ الحروب
8:41
يكون الفريق الخاصر هو الذي يأن أولا
8:45
ويكون الفريق الرابح
8:47
هو الذي يضبط نفسه طرفة عين بعد صاحبه
8:51
وفي هذه اللحظات التي تكتب فيها مصائر المعارك
8:56
يكون الاستخبارات الجيوش الفضل الأول
9:00
في تقدير الموقف وإسداء المشورة
9:03
ومن هنا احتاج الرسول عليه الصلاة والسلام
9:07
لطاقات حذيفة بن اليمان وخبراته
9:10
وعزم على أن يبعث به إلى قلب جيش العدو تحت جنح الظلام
9:15
لأتيه بأخباره قبل أن يبرم أمرا
9:19
فلنترك لحذيفة الكلام ليحدثنا عن رحلة الموت هذه
9:24
قال حذيفة كنا في تلك الليلة صافين قعودا
9:29
وأبو سفيان ومن معه من مشرك مكة فوقنا
9:34
وبنو قريضة من اليهود أسفل منا
9:37
نخافهم على نسائنا وذرارينا
9:40
وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أقوى ريحا منها
9:47
فأصوات ريحها مثل الصواعق
9:50
وشدة ظلامها تجعل أحدنا ما يرى إصبعه
9:54
فأخذ المنافقون يستأذنون الرسول عليه الصلاة والسلام
9:59
ويقولون إن بيوتنا مكشوفة للعدو
10:03
وما هي بمكشوفة
10:05
فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له
10:09
وهم يتسللون حتى بقينا في ثلاثمائة أو نحو ذلك
10:15
عند ذلك قام النبي عليه الصلاة والسلام
10:19
وجعل يمر بنا واحدا واحدا حتى أتى إلي
10:24
وما علي شيء يقيني من البرد
10:27
إلا مرط لمرأتي ما يجاوز ركبتي
10:31
فاقترب مني وأنا جاث على الأرض
10:34
وقال من هذا
10:36
فقلت حذيفة
10:38
قال حذيفة
10:40
فتقاصرت إلى الأرض كراهية أن أقوم من شدة الجوع والبرد
10:45
وقلت نعم يا رسول الله
10:48
فقال إنه كائن في القوم خبر
10:53
فتسلل إلى عسكرهم وأتني بخبارهم
10:57
فخرجت وأنا من أشد الناس فزعا وأكثرهم بردا
11:02
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:06
اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه
11:10
وعن يمينه وعن شماله
11:12
ومن فوقه ومن تحته
11:15
فوالله ما تم الدعوة النبي عليه الصلاة والسلام
11:19
حتى انتزع الله من جوفي كلما أودعه فيه من خوف
11:24
وأزال عن جسدي كلما أصابه من برد
11:28
فلما وليت
11:30
ناداني عليه الصلاة والسلام وقال
11:33
يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني
11:38
فقلت نعم ومضيت أتسلل في جنح الظلام
11:43
حتى دخلت في جند المشركين وصرت كأني واحد منهم
11:49
وما هو إلا قليل
11:51
حتى قام أبو سفيان فيهم خطيبا وقال
11:56
يا معشر قريش
11:58
إني قائل لكم قولا أخشى أن يبلغ محمدا
12:02
فلينظر كل رجل منكم من جليسه
12:05
فما كان مني إلا أن أخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي
12:10
وقلت من أنت
12:12
فقال فلان ابن فلان
12:15
وهنا قال أبو سفيان
12:17
يا معشر قريش
12:19
إنكم والله ما أصبحتم بدار قرار
12:23
لقد هلكت رواحلنا
12:25
وتخلت عنا بنو قريضة
12:28
ولقينا من شدة الريح ما ترون
12:31
فارتحلوا فإني مرتحل
12:34
ثم قام إلى جمله ففكع قاله وجلس عليه
12:38
ثم ضربه فوثب قائما
12:41
ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
12:44
أمرني أن لا أحدث شيئا حتى آتيه
12:48
لقتلته بسهم
12:50
عند ذلك رجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام
12:55
فوجدته قائما يصلي في مرط لبعض نسائه
12:59
فلما رأاني أدناني إلى رجليه
13:03
وطرح علي طرف المرط
13:05
فأخبرته الخبر
13:07
فسر به سرورا شديدا
13:10
وحمد الله وأثنى عليه
13:13
ظل حذيفة ابن اليمان مؤتمنا على أسرار المنافقين
13:17
ما امتدت به الحياة
13:19
وظل الخلفاء يرجعون إليه في أمرهم
13:23
حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
13:26
كان إذا مات أحد المسلمين يسأل
13:30
أحضر حذيفة للصلاة عليه
13:33
فإن قالوا نعم صلى عليه
13:36
وإن قالوا لا شك فيه وأمسك عن الصلاة عليه
13:42
وقد سأله ذات مرة
13:44
أفي عمال أحد من المنافقين
13:47
فقال واحد
13:49
فقال دلني عليه
13:51
فقال لا أفعل
13:54
قال حذيفة
13:55
لكن عمر ما لبث أن عزله
13:58
كأنما هدى إليه
14:00
ولعل قليلا من الناس من يعلم أن حذيفة ابن اليمان
14:04
فتح للمسلمين نهاوند
14:07
والدي نور
14:08
وهمذان
14:09
والري
14:10
وكان سببا في جمع المسلمين على مصحف واحد
14:14
بعد أن كادوا يفترقون في كتاب الله
14:18
وعلى الرغم من ذلك كل
14:20
كان حذيفة ابن اليمان شديد الخوف على نفسه من الله
14:25
عظيم الخشية من عقابه
14:28
فهو حين ثقل عليه مرض الموت
14:31
جاءه بعض الصحابة في جوف الليل
14:34
فقال أي ساعة هذه
14:38
فقالوا نحن قريب من الصبح
14:41
فقال أعوذ بالله من صباح يفضي بي إلى النار
14:47
ثم قال أجئتم بكفن
14:51
قالوا نعم
14:53
قال لا تغالوا بالأكفام
14:56
فإن يكن لي عند الله خير
14:59
بدلت به خير
15:01
وإن كانت الأخرى سلب مني
15:04
ثم جعل يقول
15:06
اللهم إنك تعلم أني كنت أحب الفقر على الغنى
15:11
وأحب الذلة على العز
15:14
وأحب الموت على الحياة
15:17
ثم قال وروحه تفيض
15:20
حبيب جاء على شوق
15:23
لا أفلح من ندم
15:25
رحم الله حذيفة ابن اليمان
15:28
فقد كان طرازا فريدا من الناس
15:32
ما حدثكم حذيفة فصدقوا
15:35
وما أقرأكم عبد الله ابن مسعود فقرأوا
15:43
عبد الله ابن مسعود فقرأوا
15:46
حديث شريف