ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 8 من 88
صور من حياة الصحابة - الحلقة (24) - أبو الدرداء رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
ان تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
أبو الدردا رضي الله عنه
0:45
نهض عويمر بن مالك الخزرجي
0:48
المكناب أبو الدردا من نومه مبكرا
0:52
ومضى إلى صنمه الذين صبه في أشرف مكان من بيته
0:57
فحياه وضمخه بأنفس ما حواه متجره الكبير من الطيب
1:03
ثم ألقى عليه ثوبا جديدا من فاخر الحرير
1:07
أهداه إليه بالأمس أحد التجار القادمين عليه من اليمن
1:12
ولما ارتفعت الشمس
1:14
غادر أبو الدردا منزله متوجها إلى متجره
1:18
فإذا شوارع يثرب وطرقاتها تضيق بأتباع محمد
1:23
وهم عائدون من بدر
1:26
وأمامهم أفواج الأسرى من قريش
1:29
فزور عنهم
1:30
لكنه ما لبث أن أقبل على فتا منهم ينتمي إلى الخزرج
1:35
وأسأله عن عبد الله بن رواحة
1:38
فقال له الفتا الخزرجي
1:40
لقد أبلى في المعركة أكرم البلاء
1:43
وعاد سالما غانما وطمأنه عليه
1:47
ولم يستغرب الفتا سؤال أبو الدردا عن عبد الله بن رواحة
1:52
لما كان يعلم الناس جميعا من أواصل الأخوة التي كانت تربط بينهما
1:58
ذلك لأن أبو الدردا وعبد الله بن رواحة
2:02
كانا متآخيين في الجاهلية
2:05
فلما جاء الإسلام اعتنقه بن رواحة
2:09
وأعرض عنه أبو الدردا
2:11
لكن ذلك لم يقطع ما بين الرجلين من وثيق الأواصر
2:16
إذ ظل عبد الله بن رواحة يتعهد أبو الدردا بالزيارة
2:21
ويدعوه إلى الإسلام ويرغبه فيه
2:25
ويأسف على كل يوم يمضي من عمره وهو مشرك
2:29
وصل أبو الدردا إلى متجره
2:32
وتربع على كرسيه العالي
2:35
وجعل يبيع ويشتري
2:37
ويأمر غلمانه وينهاهم
2:40
وهو لا يعلم شيئا مما يجري في منزله
2:43
ففي ذلك الوقت
2:45
كان عبد الله بن رواحة يمضي إلى بيت صاحبه أبو الدردا
2:49
وقد عزم على أمر
2:51
فلما بلغ البيت
2:53
رأى بابه مفتوحا
2:55
وأبصر أم الدردا في فنائه
2:58
فقال السلام عليك يا أمة الله
3:02
فقالت وعليك السلام يا أخا أبو الدردا
3:06
فقال أين أبو الدردا
3:09
فقالت ذهب إلى متجره
3:12
ولا يلبث أن يعود
3:14
فقال أتأذنين
3:17
فقالت على الرحب والسعه
3:20
وأفسحت له الطريق
3:22
ومضت إلى حجرتها
3:24
وانشغلت عنه بإصلاح شأن بيتها
3:27
ورعاية أطفالها
3:29
دخل عبد الله بن رواحة إلى الحجرة التي وضع فيها أبو الدردا يصنمه
3:34
وأخرج قدوما أحضره معه
3:37
ومال على الصنم
3:39
وجعل يقطعه وهو يقول
3:42
ألا كل ما يدعى مع الله باطل
3:45
ألا كل ما يدعى مع الله باطل
3:48
فلما فرغ من تقطيعه غادر البيت
3:52
دخلت أم الدردا إلى الحجرة التي فيها الصنم
3:56
فصعقت حين رأته قد غدا أجذاذا
3:59
ووجدت أشلاءه مبعثرة على الأرض
4:03
وجعلت تلط مخديها وهي تقول
4:06
أهلكتني يا بن رواحة
4:08
أهلكتني يا بن رواحة
4:12
لم يمضي غير قليل
4:14
حتى عاد أبو الدردا إلى منزله
4:17
فرأى مرآته جارسة عند باب الحجرة التي فيها الصنم
4:21
وهي تبكي وتنشج
4:24
وعلامات الخوف منه بادية على وجهها
4:27
فقال ما شأنك
4:30
قالت أخوك عبد الله بن رواحة جاءنا في غيبتك
4:34
وصنع بصنمك ما ترى
4:37
فنظر إلى الصنم
4:39
فوجده حطاما
4:41
استشاط غضبا
4:43
وهم أن يثأر له
4:45
لكنه ما لبث قليلا حتى هدأت ثائرته
4:49
وسكت عنه غضبه
4:51
ففكر فيما حدث
4:53
ثم قال
4:54
لو كان في هذا الصنم خير لدفع الأذى عن نفسه
4:58
ثم انطلق من توه إلى عبد الله بن رواحة
5:02
ومضى ياما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
5:06
وأعلن دخوله في دين الله
5:09
كان آخر أهل حيه إسلاما
5:12
آمن أبو الدرداء منذ اللحظة الأولى
5:15
بالله ورسوله
5:17
إيمانا خالط كل ذرة في كيانه
5:20
وندم ندما كبيرا على ما فاته من خير
5:24
وأدرك إدراكا عميقا
5:26
ما سبقه إليه أصحابه من فقه لدين الله
5:30
وحفظ لكتاب الله
5:32
وعبادة وتقوى
5:34
ادخروهما لأنفسهم عند الله
5:37
وزم على أن يستدرك ما فاته بالجهد الجاهد
5:40
وأن يواصل كلال الليل بكلال النهار
5:44
حتى يلحق بالركب ويتقدم عليه
5:47
فانصرف إلى العبادة صرافة متبتل
5:51
وأقبل على العلم إقبال ضمآن
5:54
وأكب على كتاب الله يحفظ كريماته
5:58
ويتعمق فهم آياته
6:00
ولما رأى التجارة تنغص عليه لذة العبادة
6:04
وتفوت عليه مجالس العلم
6:06
تركها غير متردد ولا آسف
6:09
وقد سأله في ذلك سائل
6:12
فأجاب لقد كنت تاجرا قبل عهدي
6:15
برسول الله صلى الله عليه وسلم
6:18
فلما أسلمت
6:20
أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة
6:23
فلم يستقم لي ما أرد
6:25
فتركت التجارة وأقبلت على العبادة
6:28
والذي نفس أبي الدرداء بيده
6:31
ما أحب أن يكون لي اليوم حانوت
6:35
على باب المسجد
6:36
فلا تفوتني صلاة مع الجماعة
6:39
ثم أبيع وأشتري
6:41
فأربح كل يوم ثلاثمائة دينار
6:44
ثم نظر إلى سائله وقال
6:47
إني لا أقول
6:49
إن الله عز وجل حرم البيع
6:52
ولكني أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم
6:55
تجارة ولا بيع عن ذكر الله
6:58
لم يترك ابو الدرداء التجارة فحسب
7:01
وإنما ترك الدنيا
7:03
وأعرض عن زينتها وزخرفها
7:06
واكتفى منها بلقمة خشنة تقيم صلبة
7:10
وثوب صفيق يستر جسده
7:13
فقد نزل به جماعة في ليلة شديدة القر
7:17
قاسية البرد
7:19
فأرسل إليهم طعاما ساخنا
7:22
ولم يبعث إليهم باللحف
7:24
فلما هموا بالنوم
7:26
جعلوا يتشاورون في أمر اللحف
7:30
فقال واحد منهم
7:32
أنا أذهب إليه وأوكلمه
7:34
فقال له آخر
7:36
دعه
7:37
فأبى
7:38
ومضى حتى وقف على باب حجرته
7:41
فرآه قد اضطجع
7:43
وامرأته جالسة قريبا منه
7:46
ليس عليها وعليه إلا ثوب خفيف
7:49
لا يقي من حر ولا يصون من برد
7:53
فقال الرجل لابو الدرداء
7:56
لا راك بتة إلا كما نبيت نحن
7:59
أين متاعكم
8:01
فقال لنا دار هناك
8:04
نرسل إليها تباعا كل ما نحصل عليه من متاع
8:08
ولو كن استبقينا في هذه الدار شيئا منه
8:12
لبعثنا به إليكم
8:14
ثم إن في طريقنا الذي سنسلكه إلى تلك الدار
8:18
عقبة كأودة
8:20
المخف فيها خير من المثقل
8:23
فأردنا أن نتخفف من أثقالنا
8:26
علنا نجتاز
8:28
ثم قال للرجل
8:30
أفهمت
8:31
فقال
8:32
نعم فهمت
8:34
وجزيت خيرا
8:36
وفي خلافة الفاروق رضوان الله عليه
8:39
أراد من أبو الدرداء أن يلي له عملا في الشام
8:43
فأبى
8:44
فآصر عليه
8:45
فقال
8:46
إذا رضيت مني أن أذهب إليهم لأعلمهم كتاب ربهم
8:51
وسنة نبيهم
8:53
وأصلي بهم ذهبت
8:55
فرضي منه عمر بذلك
8:58
ومضاه إلى دمشق
9:00
فلما بلغها وجد الناس قد أولعوا بالترف
9:04
وانغمسوا في النعيم
9:06
فهاله ذلك
9:07
ودع الناس إلى المسجد
9:09
فاجتمعوا عليه
9:11
فوقف فيهم وقال
9:13
يا أهل دمشق
9:15
أنتم الإخوان في الدين
9:17
والجيران في الدار
9:19
والأنصار على الأعداء
9:21
يا أهل دمشق
9:23
ما الذي يمنعكم من مودتي
9:25
والاستجابة لنصيحتي
9:27
وأنا لا أبتغي منكم شيئا
9:30
فنصيحتي لكم
9:32
ومؤنتي على غيركم
9:34
ما لأرى علماءكم يذهبون
9:37
وجهالكم لا يتعلمون
9:39
وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به الله عز وجل
9:44
وتركتم ما أمرتم به
9:47
ما لأراكم تجمعون ما لا تأكلون
9:50
وتبنون ما لا تسكنون
9:52
وتؤملون ما لا تبلغون
9:55
لقد جمعت الأقوام التي قبلكم مؤملت
9:59
فما هو إلا قليل
10:01
حتى أصبح جمعهم بورا
10:03
وأملهم غرورا
10:05
وبيوتهم قبورا
10:07
هذه عاد يا أهل دمشق
10:10
قد ملأت الأرض مالا وولدا
10:13
فمن يشتري مني تركة عادني اليوم بدرهمين
10:17
فجعل الناس يبكون
10:19
حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد
10:23
ومنذ ذلك اليوم
10:25
طفق أبو الدردائي أم مجالس الناس في دمشق
10:29
ويطوف بأسواقهم
10:31
فيجيب السائل
10:33
ويعلم الجاهل
10:35
وينبه الغافل
10:37
مغتنما كل فرصة
10:39
مستفيدا من كل مناسبة
10:41
فها هو ذا يمر بجماعة
10:44
قد تجمهروا على رجل
10:46
وجعلوا يضربونه ويشتمونه
10:48
فأقبل عليهم وقال
10:50
مالخبر
10:52
قالوا رجل وقع في ذنب كبير
10:55
قال أرأيتم لو وقع في بئر
10:58
أفلم تكونوا تستخرجونه منه
11:01
قالوا بلى
11:03
قال لا تسبوه ولا تضربوه
11:07
وإنما عضوه وبصروه
11:09
واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في ذنبه
11:13
قالوا أفلا نبغضه
11:16
قال إنما أبغض فعله
11:19
فإذا تركه فهو أخي
11:21
فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته
11:25
وهذا شاب يقبل على أبي الدرداء
11:28
ويقول
11:30
أوصني يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:34
فيقول له
11:35
يا بني
11:37
اذكر الله في السراء
11:39
يذكرك في الضراء
11:41
يا بني
11:43
كن عالما أو متعلما
11:45
أو مستمعا
11:47
ولا تكن الرابع فتهلك
11:49
أي الجاهل
11:51
يا بني
11:53
ليكن المسجد بيتك
11:55
فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
11:59
المساجد بيت كل تقي
12:02
وقد ضمن الله عز وجل
12:04
لمن كانت المساجد بيوتهم
12:07
الروح والرحمة
12:09
والجواز على الصراط إلى رضوان الله عز وجل
12:13
وهؤلاء جماعة من الشبان
12:16
جلسوا على الطريق يتحدثون وينظرون إلى المارين
12:21
فيقبل عليهم ويقول
12:23
يا بني
12:25
صومعة الرجل المسلم بيته
12:27
يكف فيه نفسه وبصره
12:30
وإياكم والجلوس في الأسواق
12:32
فإنه يلهي ويلغي
12:35
وفي أثناء إيقامة أبي الدرداء بذمشق
12:38
بعث إليه واليها معاوية بن أبي سفيان
12:41
يخطب ابنته الدرداء لابنه يزيد
12:45
فأبى أن يزوي جهاله
12:47
وأعطاها لشاب من عامة المسلمين
12:50
رضي دينه وخلقه
12:52
فسار ذلك في الناس
12:54
وجعلوا يقولون
12:56
خطب يزيد بن معاوية
12:58
بنت أبي الدرداء
13:00
فرده أبوها
13:02
وزوجها لرجل من عامة المسلمين
13:05
فسأله سائل عن سبب ذلك
13:08
فقال إنما تحريت فيما صنعته
13:12
صلاح أمر الدرداء
13:14
فقال وكيف
13:16
فقال ما ظنكم بالدرداء
13:19
إذا قام بين يديها العبيد يخدمونها
13:22
ووجدت نفسها في قصور
13:25
يخطف لألاؤها البصر
13:27
أين يصبح دينها يومئذ
13:30
وفي خلال وجود أبي الدرداء في بلاد الشام
13:33
قدم عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
13:37
متفقدا أحوالها
13:39
فزار صاحبه أبو الدرداء في منزله ليلة
13:43
فدفع الباب فإذا هو بغير غلق
13:46
فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه
13:50
فلما سمع أبو الدرداء حسه
13:53
قام إليه ورحب به وأجلسه
13:56
وأخذ الرجلان يتفاوضان الأحاديث
13:59
والظلام يحجب كل منهما عن عيني صاحبه
14:03
فجس عمر اساد أبي الدرداء
14:06
فإذا هو برذعه
14:08
أي كساء يلقى على ظهر الداب
14:11
وجس فراشة فإذا هو حصى
14:14
وجس دثارة فإذا هو كساء رقيق
14:18
لا يفعل شيئا في برد دمشق
14:21
فقال له رحمك الله
14:24
ألم أوسع عليك ألم أبعث إليك
14:27
فقال له أبو الدرداء
14:30
أتذكر يا عمر حديثا حدثناه
14:33
رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:36
قال وما هو
14:39
قال ألم يقل ليكن بلاغ أحدكم
14:42
من الدنيا كزاد راكب
14:45
قال بلى قال
14:48
فماذا فعلنا بعده يا عمر
14:51
فبكى عمر وبكى أبو الدرداء
14:54
وما زال يتجاوبان بالبكاء
14:57
حتى طلع عليهم الصبح
15:00
ظل أبو الدرداء في دمشق
15:03
يعيض أهلها ويذكرهم
15:06
ويعلمهم الكتاب والحكمة
15:09
حتى أتاه اليقين
15:13
فلما مرض الموت دخل عليه أصحابه
15:16
فقالوا ما تشتكي
15:19
ذنوبي
15:22
قالوا وما تشتهي
15:25
قال عفو ربي
15:28
ثم قال لمن حوله
15:31
لقنوني لا إله إلا الله
15:34
محمد رسول الله
15:37
فما زال يرددها حتى فارق الحياة
15:40
ولما لحق أبو الدرداء بجوار ربه
15:43
رأى عوف بن مالك الأشجعي
15:47
فسيح الأرجاء وارف الأفياء
15:50
فيه قبة عظيمة من أدم
15:53
حولها غلم رابضة
15:56
لم ترى العين مثلها قط
15:59
فقال لمن هذا
16:02
فقيل له لعبد الرحمن بن عوف
16:05
فطلع عليه عبد الرحمن من القبة
16:08
وقال له يبن مالك
16:11
هذا ما أعطان الله عز وجل
16:14
ولو أشرفت على هذه الثنية
16:17
لرأيت ما لم تر عينك
16:20
وسمعت ما لم تسمع أذنك
16:23
ووجدت ما لم يخطر على قلبك
16:26
فقال ابن مالك
16:29
ولمن ذلك كله يا أبا محمد
16:32
فقال أعده الله عز وجل لأبو الدرداء
16:35
لأنه كان يدفع عنه الدنيا
16:38
بالراحتين والصدر
16:43
عبد الرحمن بن عوف