ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 35 من 88
صور من حياة الصحابة - الحلقة (52) - خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه
0:51
في ذات مساء من أماسي مكة الهادئة الهانئة الوادعة
0:56
خرج سعيد بن العاص بن أمية
0:59
المكنى بأبي أحيحة
1:01
من دارته في أعلى الحجون يريد الحرم
1:05
وقد اعتم بعمامته الحمراء الثمينة الزاهية
1:09
وخلع على منكبيه بردا من حلل ملوك اليمن
1:13
موشى بخيوط الذهب
1:16
ومشى بين يديه طائفة من غلمانه المقلدين بالسيوف
1:21
وكان عن يمينه بعض أولاده
1:24
وعلى رأسهم ابنه خالد
1:27
وكان عن شماله طائفة من رجال قومه بني عبد شمس
1:32
وهم يخطرون في حلل الديباج والسندس
1:36
فلما أطل أبو أحيحة على الحرم قال الناس
1:41
لقد أقبل ذتاج
1:43
وكانوا يلقبونه بذلك
1:46
لأنه كان إذا توج رأسه بعمامة
1:49
فلا يعتم أحد من قريش بعمامة من لونها حتى ينزعها
1:55
فأوسع الناس الطريق له ولمن معه
1:58
حتى أخذ مجلسه تحت الكعبة
2:01
وهنا أقبل عليه أبو سفيان بن حرب
2:05
وعطبة بن ربيعة
2:07
وأبو جهل بن هشام
2:09
وغيرهم من سادة قريش يحيونه
2:12
فقال لهم
2:14
ما خبر سمعته
2:16
أن سعد بن أبي وقاص تبع محمد
2:20
وأنه اجترأ على رجل من قريش
2:23
فشجر أسه وأسال دمه
2:26
لأنه نهاه عن الصلاة لغير آلهتنا
2:30
ثم قال
2:31
واللات والعزة
2:33
إن ظللتم على تهاونكم هذا مع محمد بن عبد الله
2:37
مداراة لبني هاشم
2:40
لأن هضن له وحدي
2:42
والأمن عن إله بن أبي كبشة أن يعبد في مكة
2:46
ثم عاد في مثل الموكب الذي جاء به
2:50
فلم يتخلف عنه أحد غير ابنه خالد
2:54
لقد ظل خالد بن سعيد بن العاص في الحرم
2:58
يتنقل بين مجالس القوم
3:01
ليتنسم أخبار محمد
3:03
ويتسمع لما يقال عن دعوته
3:07
فلم يجد في كل ما سمعه عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه
3:12
ما يبرر ذلك الحقد الذي رآه من أبيه على محمد وأصحابه
3:18
أو ما يسوغ تلك الضغينة التي كانت تتنزى في نفسه ونفوس سادة قريش
3:25
ولما أقبل الليل عاد خالد بن سعيد إلى دارتهم
3:32
ومضى إلى مخدعه دون أن يمر بحجرة أبيه
3:36
ليلقي عليه تحية المساء
3:39
كما كان يفعل كل يوم
3:42
ثم استلقى على فراشه الوثير يريد النوم
3:46
لكن النوم لم يواتي خالدا
3:49
ولم تكتحل به عيناه
3:52
فقد استبد به أرق أطار الرقاد من عينيه
3:56
وكان الذي يشغل باله أمر محمد وما يدعو إليه
4:01
وخوفه من أن يبطش أبوه به بطشة الجبارين
4:06
وفي الهزيع الأخير من الليل
4:09
نهاكه النعاس
4:11
فأسلم جفنيه للكرى
4:14
وما هو إلا قليل
4:16
حتى هب مذعورا ممتقع الوجه
4:20
يرتجف من هول ما رأى
4:22
ويهتز من فرط ما عانى
4:24
وهو يقول
4:26
أحلف بالله إن هذه الرؤيا لرؤيا حق
4:30
وإني ما رأيت كذبا
4:33
لقد رأى خالد النفسه
4:35
واقفا على شفير واد سحيق من أودية جهنم
4:40
لا يدرك الطرف مداه
4:42
ولا يعرف المرء قراره
4:45
وكانت تتلضى في هذا الوادي نار لها شهيق وزفير
4:50
يخلعان القلوب خلعا
4:53
ويهصران النفوس هصرا
4:56
فلما هم بالابتعاد عن شفير الوادي
4:59
برز له أبوه
5:01
وأخذ يشده إلى النار بعنف
5:04
فجعل يقاوم أباه أشد المقاومة
5:08
ويصارعه أقسى المصارعة
5:11
حتى إذا فل عزمه
5:13
وأوشك أنه يألى شفير جهنم
5:16
فإذا محمد بن عبد الله يقبل عليه
5:20
ويأخذ بحزامه بكلتى يديه
5:23
ويجذبه إليه جذبا
5:25
وينقذه من السقوط في شفير وادي جهنم
5:31
ما كاد ينبرج الصبح
5:33
حتى مضى خالد بن سعيد إلى منزل أبي بكر الصديق رضوان الله عليه
5:40
ذلك لأنه كان يأنس به ويطمئن له
5:44
فقص عليه رؤيا
5:46
فقال له أبو بكر
5:48
لقد أراد الله بك خيرا يا خالد
5:52
فالله سبحانه قد بعث محمد بن عبد الله بدين الهدى والحق
5:58
وسيظهر هذا الدين على الدين كله
6:01
ولو كره المشركون
6:03
فاتبعه يا خالد
6:05
فإن اتبعته فتحت لك أبواب الجنة
6:09
وحيل دونك ودون النار
6:12
أما أبوك فواقع في جهنم التي أراد أن يوقعك فيها
6:18
انطلق خالد بن سعيد إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه
6:23
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ
6:27
يتعبد الله سرا في أجياد
6:30
فحياه وقال
6:32
إلى أي شيء تدعونا يا محمد
6:35
فقال
6:37
أدعوكم إلى أن تؤمنوا بالله وحده لا شريك له
6:41
وأني عبده ورسوله
6:44
وأن تخلعوا ما أنتم عليه من عبادة حجر لا يرى ولا يسمع
6:49
ولا يضر ولا ينفع
6:52
ولا يفرق بين من عبده وبين من أعرض عنه
6:56
فانبسطت أسارير خالد وقال
7:00
أشهد أن لا إله إلا الله
7:03
وأنك عبد الله ورسوله
7:06
فكان خالد بن سعيد بن العاص
7:09
خامس خمسة أو سادس ستة أسلموا على ظهر الأرض
7:14
إذ لم يسبقه إلى هذا الفضل العظيم
7:17
غير خديجة بنتي قويلد
7:20
وزيد بن حارثة
7:22
وعلي بن أبي طالب
7:24
وأبي بكر الصديق
7:26
وسعد بن أبي وقاص
7:28
رضي الله عنهم أجمعين
7:32
ترك خالد بن سعيد قصر أبيه المنيفة في أعلى الحجون
7:37
وأعرض عن حياته الغضة المترفة
7:40
وعيشه الرغيد الناعم
7:43
ولحق بالرسول صلوات الله وسلامه عليه
7:47
وجعل يتنقل معه ومع أصحابه بين شعاب مكة
7:52
فيتملا من مشاعر الإيمان
7:55
ويحفظ ما ينزل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
8:00
من آي القرآن
8:02
ويعبد الله سرا خوفا من أذى قريش
8:06
فلما طالت غيبة خالد عن البيت
8:10
افتقده أبوه فلم يجد
8:13
فبعث العيون وراءه
8:15
فجاءته الأخبار تقول
8:18
إنه أسلم وتبع محمدا
8:21
جن جنون سيد مكة
8:24
فما كان يظن ظنا
8:26
أن أحد أولاده تبلغ به الجرأ
8:29
من يخرج على سلطانه
8:31
ويكفر بالله والعزا
8:33
ويلحق بمحمد
8:35
وأرسل إليه مولاه رافع
8:38
وأخويه أبان وعمر
8:41
فوجدوه يصلي في بعض الشعاب صلاة
8:44
هزت قلوبهم هزا
8:46
وأترعت أفئدتهم راحة وطمئنانا
8:50
وملأت نفوسهم سلاما وأمانا
8:54
فقالوا له
8:55
إن أباك يدعوك للقائه
8:58
وقد استشاط غضبا لتركك المنزل
9:01
دون إذن منه
9:03
فمضى خالد معهم
9:05
حتى إذا صار عند أبيه
9:07
حياه بتحية الإسلام
9:10
فقال له أبوه
9:12
تبلك
9:13
أصبأت عن دينك ودين آبائك وأجدادك
9:17
وتبعت محمدا
9:19
فقال خالد
9:21
لم أصبأ
9:23
وإنما آمنت بالله وحده لا شريك له
9:26
وصدقت بنبوة رسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه
9:31
ونبذت هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله
9:36
فقال أبوه
9:38
ويحك
9:39
أتقول إنك صدقت هذا المدعي
9:42
فقال خالد
9:44
ما هو بمدع
9:46
وإنما هو صادق يبلغ رسالات ربه
9:50
وينصح لي ولك ولي الناس أجمعين
9:55
فقال أبوه
9:57
لا بد من أن تعرض عنه وتكذبه
10:00
فقال خالد
10:02
لا أفعل ما دام فيه عرق ينبض
10:06
فقال أبوه
10:07
إذن أحرمك من رزقي
10:10
فقال خالد
10:12
ذلك أهون منتظرته منك
10:15
وأقل ما توقعته
10:17
فالله الذي رزقك يرزقني
10:20
فتميز سيد بن عبد شمس غيظا منه
10:24
وانهال عليه بعصا غليظة أعدها له
10:28
فشج رأسه وأسال دمه
10:32
وما زال يضربه حتى جعل الدم ينبثق من رأسه وجسدهم بثاقا
10:38
ثم أمر به
10:40
فشد عليه وثاقه
10:42
وحبس في غرفة مظلمة
10:45
ومنع عنه الطعام والشراب ثلاثة أيام
10:49
ثم جاءه في اليوم الرابع نفر من أهله وقال
10:53
كيف أنت يا خالد
10:56
فقال
10:57
إني أتقلب في نعم الله عز وجل
11:01
فقال
11:02
أما أنا لك أن تثوب إلى رشدك وتطيع آباك
11:07
فقال
11:08
أما رشدي فما فارقني وما فارقته
11:12
وأما أبي فلا أطيعه فيما يعصى به الله عز وجل
11:18
فقال
11:19
قل لأبيك كلمة ترضيه في اللات والعزة يفرج عنك
11:24
فقال
11:26
إن اللات والعزة حجران آصمان أبكمان
11:30
وإني لا أقول فيهما إلا ما يرضي الله ورسوله
11:35
وليفعل بي ما يشاء
11:37
شد أبو أحيحة وثاق خالد
11:41
وأمر أتباعه أن يخرجوا به كل يوم عند الهاجرة إلى بطحاء مكة
11:47
وأن يلقوه بين الحجارة حتى تصهره الشمس
11:52
فكان كلما أخرجوه وألقوه في الهاجرة يقول
11:57
الحمد لله الذي أكرمني بالإيمان وأعزني بالإسلام
12:03
إن ذلك كله أهون علي من لحظة عذاب في جهنم
12:08
التي أراد أن يلقيني فيها أبو أحيحة
12:12
وجزى الله نبيه وصفيه عني وعن المسلمين أكرم الجزاء
12:18
ثم حانت لخالد فرصة
12:20
فتفلت من سجن أبيه ومضى إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه
12:27
ثم ما لبث أن لحق به أخواه عمر وأبان
12:31
وانضمى معه إلى موكب الخير والنور
12:35
عند ذلك أسقط في يدي أبي أحيحة وقال
12:39
واللات والعزاء لأعزلن بمالي بعيدا عن مكة
12:44
فذلك خير لي
12:46
والأهجرن أولئك الصباة الذين يعيبون آلهتي وأربابي
12:52
ثم انتقل إلى قرية قريبة من الطائف
12:56
وظل فيها حتى مات كمدا وهو على الشرك
13:00
ولما أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة
13:08
نزح إليها خارد بن سعيد بن العاص
13:11
ومعه زوجته أمينة بنت خلفن الخزاعية
13:16
وقد أقام فيها بضع عشرة سنة داعية إلى الله
13:21
ولم يغادرها إلى المدينة إلا بعد أن فتح الله على المسلمين خيبر
13:27
فسر الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمه أبلغ السرور
13:32
وقسم له من غنائم خيبر كما قسم للمحاربين
13:37
ثم ولاه اليمن
13:39
فظل واليا عليها إلى أن لحق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بجوار ربه
13:47
وفي عهد الصديق رضي الله عنه
13:50
ان ضوى خارد بن سعيد بن العاص تحت لواء الجيش المتجه إلى بلاد الشام لحرب الروم
13:57
فأبلى في ميادين القتال بلا أن يليق بفارس كمي مثله
14:04
وقبيل معركة مرج الصفر التي وقعت بالقرب من دمشق
14:09
خطب خالد أم حكيم بنت الحارث وعقد عليها
14:14
فلما أراد أن يعرس بها قالت
14:18
يا خالد حبذا لو أخرت إلى أن ينفض الناس من تلك المعركة التي أرانا مقدمين عليها
14:27
فقال لها
14:29
إن نفسي تحدثني بأني سأصاب فيها ثم أعرس بها
14:35
وفي صباح اليوم الذي تلا زفافة أولم لأصحابه
14:40
فما كادوا يفرغون من طعامهم حتى صفت الروم جنودها صفا وراء صف
14:47
وخرج واحد من فرسانهم يطلب مبارزا
14:51
فبرز له حبيب بن سلمة وقتله
14:55
فخرج فارس آخر وطلب مبارزا
14:59
فبرز له خالد بن سعيد وتصاول الفارسان وتجاولا
15:05
ثم سدد كل منهما لصاحبه ضربة قاتلة
15:10
فأصاب سيف الرومي وأخطأ سيف خالد
15:14
فخر صريعا شهيدا
15:17
ثم التحم الجيشان ودارت بينهما رحى معركة طحون
15:22
كان لا يسمع فيها إلا وقع السيوف علىها من رجال
15:27
عند ذلك هبت أم حكيم كاللبؤة التي أخذ منها أشبالها
15:34
فشدت عليها ثياب عرسها
15:37
واقتلعت عمود الفستاط الذي شهد ليلة زفافها
15:41
وخاضت المعركة مع الخائضين
15:44
فأردت سبعة من فرسان الروم
15:48
ثم ظلت تقاتل حتى انجلت المعركة عن نصر مؤزر للإسلام والمسلمين
15:55
لقد كان ثمن هذا النصر أرواح طاهرة زكية
16:01
مضت إلى ربها راضية مرضية
16:05
وكانت روح خالد بن سعيد بن العاص ترفرف بينها في حبور
16:11
ولقد رأى قاتله بأم عينيه نورا يصطع في كبيد السماء
16:17
ثم يتلأل أو فوق خالد وبين يديه
16:21
فندم على قتله أشد ندم
16:24
وكان ذلك سببا في دخوله في دين الله مع الداخلين
16:30
كان أبي خامسا
16:35
وهو أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم
16:39
انت خالد
16:51
وهم هل هم هزين