ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 56 من 85
صور من حياة الصحابة - الحلقة (78) - القعقاع بن عمرو رضي الله عنه - الجزء الأول
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:26
حعقاء بن عمر رضي الله عنه
0:51
ها نحن أولاء في العام التاسع للهجرة
0:54
وهو العام الذي دعاه المسلمون عام الوفود
0:58
وها هي ذي مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه تفتح صدرها الرحب
1:04
لتستقبل مع اشراقة كل صباح وفدا أو أكثر
1:09
قدموا عليها من أنحاء الجزيرة العربية
1:13
ليعلنوا إسلامهم بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام
1:17
ويبايعوه على السمع والطاعة
1:20
وها هم أولاء السادة الأماجد من وجوه بني تميم
1:25
يذعنون للإسلام بعد طول نفار
1:28
ويقدمون على المدينة مسلمين طائعين
1:32
ويبسطون أيديهم للرسول صلوات الله وسلامه عليه مبايعين
1:38
وبينما كان القوم يعلنون إسلامهم بين يدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
1:45
ويأخذون جوائزهم التي أمر لهم بها
1:49
كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتوسم فتا منهم
1:54
ويتفرس في وجهه
1:56
ثم ما لبث أن حدق فيه وقال
1:59
مسم الفتا
2:01
فقال القعقاع بن عمر
2:04
فقال ما أعددت للجهاد في سبيل الله يا قعقاع
2:10
فقال طاعة الله ورسوله
2:13
والخيل الصافنات والرماح المرهفات
2:17
فقال تلك الغاية
2:20
ومنذ ذلك اليوم
2:22
وضع القعقاع بن عمر النفسه وسيفه في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
2:29
وجعل مفرشه صهوات الجياد
2:32
فتعال نقضي هذه اللحظات الرائعات مع القعقاع بن عمر
2:38
وقائده سيف الإسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه
2:44
ما كاد خالد بن الوليد يسلم جنبه إلى الراحة بعد الفراغ من حروب الردة
2:51
حتى جاءه كتاب أبي بكر الصديق رضوان الله عليه
2:56
يأمره فيه بالتوجه لفتح بلاد العراق
3:00
واستنقاثها من أيدي الفرس وإدخال أهلها في دين الله
3:05
لكن جنود خالد كانوا قد تناقصوا وتفرقوا
3:10
حيث استشهد منهم من استشهد في حروب الردة الطاحنة
3:14
وسرح منهم إلى أهله منسرح بعد أن طال بينه وبينهم العهد
3:20
فلم يبق مع خالد من جيشه الكبير إلا العدد اليسير
3:25
فكتب إلى أبي بكر الصديق يطلب منه المدد
3:30
فلما فض الصديق رضوان الله عليه كتاب خالد
3:34
ووقف على ما فيه قال لمن معه
3:38
إن خالد بن الوليد يطلب منا مدد
3:41
فأمدوه بالقعقاء بن عمر
3:44
فثغر الحاضرون أفواههم دهشة مما سمعوه وقالوا
3:49
يا أمير المؤمنين أتمد قائدا
3:53
انفض عنه أكثر جنده برجل واحد
3:56
فقال الصديق رضوان الله عليه
3:59
نعم فإن صوت القعقاء بن عمر في الجيش لخير من ألف فارس
4:05
وإنه لا يهزم جيش فيه القعقاء
4:09
مضى خالد بن الوليد على رأس عشرة آلاف من جنده نحو العراق
4:14
ومعه القعقاء بن عمر
4:17
الذي عده عليه الصديق رضوان الله عليه بألف فارس
4:22
ووجه وجهه شطر منطقة الحفير
4:25
الواقعة على مقربة من الخليج الفارسي
4:29
مما يلي الصحراء
4:31
وكان هرمز أميرا لهذه المنطقة من قبل مليك الفرس
4:36
وهرمز إن كنت لا تعلم
4:39
أحد الرجال القلاء للذين تم لهم الشرف من الفرس في عصره
4:44
ولا أدل على شرفه الذي بلغ من قلنسوته التي تساوي مئة ألف
4:50
إذ كان من عادة الفرس
4:53
أن يجعلوا قلانسهم على قدر شرفهم في قومهم
4:57
فمن بلغ الغاية في الشرف
4:59
فقيمة قلنسوته مئة ألف
5:02
غير أن هرمز كان من أسوأ أمراء الفرس معاملة للعرب
5:07
وأشدهم غطرسة عليهم
5:10
فكره العرب هرمز أشد الكره
5:13
حتى جعلوه مضربا للمثل في الشر
5:17
فكانوا يقولون في أمثالهم أشر من هرمز
5:21
وأكثر من هرمز
5:23
ما إن حط خالد بن الوليد رحاله في المنطقة
5:28
حتى وجه كتابا إلى هرمز يقول فيه
5:32
أما بعد
5:34
فأسلم تسلم
5:36
أو اختر لنفسك وقومك الذمة
5:38
وادفعوا للمسلمين الجزية عن يد وأنتم صاغرون
5:43
وإلا فلا تلومن إلا نفسك
5:46
فقد جئتك بقوم يحبون الموت
5:49
كما تحبون الحياة
5:52
طار صواب هرمز لما قرأ رسالة خالد بن الوليد
5:56
وكتب إلى أزدشير ملك الفرس
5:59
يخبره بقدوم المسلمين نحو العراق
6:02
ثم هب من ساعته ورص صفوفه وجمع جموعه
6:07
وأسرع بهم نحو موارد الماء في الحفير
6:11
ونزل عليها قبل أن يصل إليها خالد بجيشه
6:15
فلما بلغ خالد بن الوليد الحفير
6:18
أمر جنده بأن يلقو رحالهم في مكان اختاره لهم
6:23
فقام إليه نفر منهم وقال
6:26
أيها الأمير
6:28
إن عدونا على ماء ونحن على غير ماء
6:32
وإنا لنخشى أن نموت عطشا
6:35
فقال لهم خالد
6:37
ألا حطوا رحالكم حيث أمرتكم
6:40
ثم جالدوا عدوكم على الماء مجالدة المستميتين
6:45
فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين
6:51
وأنتم الأصبر والأكرم بإذن الله
6:54
اصطف العسكران كل منهما قبالة الآخر
6:58
ووقف هرمز في مقدمة جنده
7:01
وجعل عن يمينه أميرا من أمراء البيت المالك
7:05
وعن شماله أميرا آخر
7:08
وكان قد أضمر في نفسه شرا
7:11
وطوا صدره على غدره
7:13
لقد أيقن هرمز أنه إذا استطاع أن يقتل خالد بن الوليد
7:18
فإنه يكون قد قطع أربعة أخماس الطريق إلى النصر
7:23
لكنه كان على يقين بأنه ليس في وسعه أن يقتله مكافحة
7:29
وما دام الأمر كذلك فليقتله غدرا
7:33
وليتحدث الناس عنه بعد ذلك بما يشاءون
7:37
وليرموه بما يريدون
7:40
فأسر إلى فريق من خاصة فرسانه بما عقد عليه العزم
7:46
وأحكم معهم الخطة
7:48
وحدد لكل منهم مهمته
7:51
خرج هرمز من بين الصفوف
7:54
ووقف في الساحة التي تفصل بين العسكرين
7:57
وهتفه تاف المتحدي وأخذ يقول
8:01
إلي يا خالد أبرز لي يا خالد
8:05
لكنه جعل وقفته قريبا من معسكر الفرس
8:09
بعيدا عن معسكر المسلمين
8:12
فما إن سمع خالد بن الوليد نداءه
8:15
حتى ترجل عن جواده ومضائل لقائه
8:19
غير أن خالدا ما كاد يشهر سيفه ليصاول عدو الله وعدوه
8:25
حتى وثب عليه الرجال الذين أعدهم هرمز وثبة واحدة
8:30
وسيوفهم مصلة في أيديهم يريدون قتله غدرا
8:35
وهنا هب الفارس الذي عده الصديق رضوان الله عليه بألف فارس
8:41
وانطلق من مكانه انطلاق السهم
8:44
وقذف بنفسه في الساحة وهو يقول
8:47
لقد جاءك القعقاع بن عمر يا عدو الله
8:51
لقد جاءك القعقاع
8:53
ثم انصب على هرمز ورجاله صباب الصاعقة
8:57
وتبعه رجال أنجاد أمجاد من جيش المسلمين
9:02
فدارت بين الفريقين معركة خاطفة
9:06
استل خلالها خالد روح هرمز من بين جنبيه
9:10
وصرع القعقاع ومن معه العصبة الغادرة العابثة بآداب الحروب
9:16
وألقوهم جثثا هامدة في ساحة المعركة
9:20
على مرأة من الفرس ومسمع
9:23
فلم يجر أحد منهم على أن يحرك ساكنا
9:27
ثم كر المسلمون على عدوهم كرة واحدة
9:32
فأزالوهم عن مواقعهم
9:35
وحملوهم على أن يولوا الأدبار
9:38
وطوحوا بهم بين قتيل وجريح وهزيم
9:43
ولما وضعت المعركة أوزارها
9:46
نظر خالد إلى القعقاع بن عمر وقال
9:50
لله در أبي بكر فإنه أعرف منا بالرجال
9:55
لقد صدق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال
10:00
إن جيشا فيه القعقاع بن عمر لا يغلب
10:05
وثق يوم الحفير ما بين خالد بن الوليد والقعقاع بن عمر
10:10
ولا غرو فقد عرف خالد مقام صاحبه في ساحات الوغى
10:16
وغناءه إذا جد الجد وألمت الملمات
10:21
فولاه القيادات وألقى على كاهله أثقل المهمات
10:27
وجعله ساعده الأيمن في اليرموك وغير يوم اليرموك
10:32
وكان له معه يوم فتح دمشق مغامرة لا يجرؤ على اقتحامها
10:38
إلا أولئك الذين قدت قلوبهم من الصخر وصيغت أذهانهم من الجوهر
10:45
كان خالد بن الوليد يوم فتح دمشق واحدا من أربعة قواد
10:50
يعملون تحت إمرة أبي عبيدة بن الجراح
10:55
إن خالدا سواء أكان قائدا عاما للجيش كله
11:00
أم قائد كتيبة من كتائبه
11:03
فإنه كان يحرص أشد الحرص على أن يكون القعقاع بن عمر معه
11:09
ذلك لأن خالدا كان يطمح دائما إلى أن يأتي هو ومن معه بالمعجزات
11:16
ومن مثل القعقاع بن عمر لصنع المعجزات
11:20
كانت مدينة دمشق إذاك تحيط بها الأسوار المنيعة من كل جانب
11:26
إحاطة السوار بالمعصم
11:29
وكان حولها خندق عميق يطوقها من جهاتها الثلاث
11:34
وكانت لها أبواب خمسة
11:37
تفتح في أوقات السلم مع إشراقة كل صباح
11:41
ليخرج الناس منها ويدخلوا إليها
11:44
وتغلق مع كل مساء
11:48
مطمئنين على أنفسهم وأموالهم من السراق والطراق
11:53
فإذا تعرضت المدينة العريقة لغزو غاز
11:57
أغلق حماتها أبوابها
12:00
وغمروا خندقها بالمياه
12:02
فإذا هي جزيرة منيعة
12:05
محوطة بالأسوار والمياه في وقت معا
12:09
وزع أبو عبيدة بن الجراح أبواب دمشق على نفسه وعلى قواده
12:15
فنزل هو أمام باب الجابية
12:18
ونزل عمر بن العاص أمام باب توما
12:21
ونزل شرحبيل بن حسنة أمام باب الفراديس
12:25
ونزل يزيد بن أبي سفيان أمام الباب الصغير
12:29
أما خارد بن الوليد
12:32
فنزل هو وصاحبه القعقاع بن عمر أمام الباب الشرقي
12:37
وكان أمنع هذه الأبواب وأشدها قوة
12:41
نصب المسلمون منجنيقاتهم حول المدينة الحصينة
12:47
وأقاموا دباباتهم عند أبوابها
12:50
فرد حماة المدينة جنود الدبابات
12:54
وثبتت حصونهم لرمي المنجنيقات
12:57
فلم يجد المسلمون وسيلة لإرغام العدو على الاستسلام
13:02
إلا الحصار
13:04
لكن حصار دمشق طال
13:06
حتى بلغ سبعة أشهر أو نحو من ذلك
13:10
ولم يكن ضيق المحاصرين داخل دمشق
13:13
بأشد من ضيق المحاصرين لها من الخارج
13:17
فقد بات المسلمون يتساءلون فيما يشبه اليأس
13:21
كيف لنا بفتح المدينة ومتى
13:24
فجاءهم الجواب على لسان خالد بن الوليد
13:28
وصاحبه القعقاع بن عمر
13:31
كانت لخالد بن الوليد آذان تسمع كل ما يقال خلف أسوار دمشق
13:37
وعيون ترى كل ما يجري فيها
13:40
فجأته عيونه ذات يوم تقول
13:43
أيها الأمير
13:45
إن بطريقة دمشق قد ولد له على الكبر مولود
13:49
بعد طول ترقب
13:51
ففرح به أشد الفرح
13:53
ولقد بلغ من فرحه
13:55
أنه دعا حماة المدينة وجندها
13:58
في ليلة غد إلى وليمة جفلا
14:01
سيأكلون فيها روائع الطعام
14:04
ويشربون خلالها عتيق الخمور
14:07
ويطربون حتى الصباح
14:10
وإن عليك أيها الأمير أن تهتب لهذه الفرصة
14:14
بادر القائد الملهم
14:17
فصنع سلالم من الحبال
14:19
وأعد لغزوته هذه طائفة وافية من الأوهاق
14:24
والأوهاق هي حبال متينة
14:27
في رأس كل منها أنشوطة يغذفها الرام الحاذقة
14:31
فتعلق بما رميت عليه
14:34
فلما دج الليل ولف الكون بظلامه
14:38
قال خالد لجنوده
14:40
إنا سنرقى إلى السور
14:43
فإذا سمعتم تكبيرنا
14:45
فليصعد نفر كبير منكم خلفنا
14:48
ولتتدفق بقيتكم على الباب
14:51
ثم مضى هو والقعقاع بن عمر
14:54
وثلة قليلة من أصحابه
14:57
فعبروا الخندق عوما على القرب
15:00
حتى وصلوا أسوار المدينة
15:03
ثم قذفوا أوهاقهم
15:05
فأثبتوها في شرفات السور
15:08
وتسلقوا عليها حتى ركبوا أعالية
15:12
ونصبوا سلالم الحبال التي معهم من خارج السور
15:16
لمن يريد أن يرقى إليه
15:18
ومن داخله لمن يريد أن ينزل إلى المدينة
15:22
ثم كبر خالد
15:24
فعبر جنده الخندق
15:26
ثم انحدر هو والقعقاع بن عمر أمام الباب
15:30
فقتلوا حماته وفتحوا أقفاله
15:34
وتدفق جند الله على المدينة من أعلى ومن أسفل
15:38
واندفعوا داخل دمشق مهللين مكبرين
15:42
فدب في المدينة الحصينة الذعر والجزع
15:46
وسيطر على حماتها للطراب والهلع
15:49
وشاور بعضهم بعضا
15:52
فرأوا أن يفتحوا الأبواب الأخرى للمدينة بأيديهم
15:56
ليدخلها المسلمون سلما
15:58
بدلا من أن يدخلوها حربا
16:01
فيقتلوا المقاتلة ويسبوا الذرار ويحرزوا الغنائم
16:05
ففتحوها
16:07
ولو لم يفعلوا
16:09
لفتحها المسلمون بنصر من الله
16:12
وإلى لقاء آخر مع القعقاع بن عمر
16:16
الذي وضع نفسه وسيفه ورمحه
16:19
في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
16:23
وجعل مفرشه على صهوات الجياد
16:27
إن صوت القعقاع بن عمر في الجيش
16:35
لخير من ألف فارس
16:38
أبو بكر الصديق