ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 16 من 93
صور من حياة الصحابة - الحلقة (31) - جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:18
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:22
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
جعفر بن أبي طالب
0:31
رضي الله عنه
0:46
كان في بني عبد مناف خمسة رجال
0:49
يشبهون رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الشبه
0:54
حتى إن ضعاف البصر كثيرا ما كانوا يخلطون بين النبي وبينهم
0:59
ولا ريب في أنك تود أن تعرف هؤلاء الخمسة الذين يشبهون نبيك عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام
1:10
فتعال نتعرف عليهم
1:13
إنهم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو بن عم الرسول وأخوه من الرضاع
1:21
وقثم بن العباس بن عبد المطلب وهو بن عم النبي أيضا
1:26
والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم جد الإمام الشافعي رضي الله عنه
1:34
والحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم
1:39
وكان أشد الخمسة شبها بالنبي صلوات الله وسلامه عليه
1:45
وجعفر بن أبي طالب وهو أخو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
1:51
فتعال نقص عليك صورا من حياة جعفر
1:54
كان أبو طالب على الرغم من سمو شرفه في قريش وعلو منزلته في قومه
2:02
رقيق الحال كثير العيال
2:05
وقد ازدادت حاله سوءا على سوء بسبب تلك السنة المجدبة التي نزلت بقريش
2:12
فأهلكت الضرع وحملت الناس على أن يأكلوا العظام البالية
2:17
ولم يكن في بني هاشم يومئذ
2:20
أيسر من محمد بن عبد الله ومن عمه العباس
2:24
فقال محمد للعباس
2:27
يا عم إن أخاك أبا طالب كثير العيال
2:31
وقد أصاب الناس ما ترى من شدة القحط ومضى الجوع
2:37
فانطلق بنا إليه حتى نحمل عنه بعض عياله
2:41
فآخذ أنافة من بنيه وتأخذ أنتفة آخر
2:44
فنكفيهما عنه
2:47
فقال العباس
2:49
لقد دعوت إلى خير وحضظت على بر
2:52
ثم انطلق حتى أتى يا أبا طالب
2:55
فقال له
2:57
إنا نريد أن نخفف عنك بعض ما تحمله من عبئ عيالك
3:01
حتى ينكشف هذا الضر الذي مسى الناس
3:05
فقال لهما
3:07
إذا تركتما لي عقيلا فاصنع ما شئتما
3:11
فأخذ محمد علي وضمه إلي
3:14
وأخذ العباس جعفرا وجعله في عياله
3:18
فلم يزل علي مع محمد حتى بعثه الله بدين الهدى والحق
3:24
فكان أول من آمن من الفتيان
3:27
وظل جعفر مع عمه العباس
3:30
حتى شب وأسلم واستغنى عنه
3:33
انضم جعفر بن أبي طالب إلى ركب النور
3:37
هو وزوجه أسماء بنت عميس منذ أول الطريق
3:41
فقد أسلمى على يدي الصديق رضي الله عنه
3:45
قبل أن يدخل الرسول دار الأرقم
3:48
ولقي الفتى الهاشمي وزوجه الشابة من أذا قريش ونكالها
3:54
ما لقيه المسلمون الأوائل
3:57
فصبرى على الأذا
3:59
لأنهما كان يعلمان أن طريق الجنة مفروش بالأشواك
4:04
محفوف بالمكاره
4:06
ولكن الذي كان ينغصهما وينغص إخوتهما في الله
4:11
أن قريشا كانت تحول دونهم ودون أداء شعائر الإسلام
4:16
وتحرمهم من أن يتذوقوا لذة العبادة
4:20
فقد كانت تقف لهم في كل مرصد وتحصي عليهم الأنفاس
4:26
عند ذلك استأذن جعفر بن أبي طالب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
4:32
بأن يهاجر مع زوجه ونفر من الصحابة إلى أرض الحبشة
4:38
فأذن لهم وهو أسوان حزين
4:41
فقد كان يعز عليه أن يرغم هؤلاء الأطهار الأبرار
4:46
على مفارقة ديارهم ومبارحة مراتع طفولتهم ومغاني شبابهم
4:53
دون ذنب جنوه
4:55
إلا أنهم قالوا ربنا الله
4:57
ولكنه لم يكن يملك من القوة والحول ما يدفع به عنهم أذا قريش
5:04
مضى ركب المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة
5:09
وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه
5:13
واستقروا في كنف النجاشي ملكها العاد للصالح
5:18
فتذوقوا لأول مرة منذ أسلموا طعم الأمن
5:21
واستمتعوا بحلاوة العبادة دون أن يعكر متعة عبادتهم معكر
5:28
أو يكدر صف وسعادتهم مكدر
5:31
لكن قريشا ما كادت تعلم برحيل هذا النفر من المسلمين إلى أرض الحبشة
5:38
وتقف على ما نالوه من حما مليكها من الطمأنينة على دينهم
5:43
والأمن على عقيدتهم
5:44
حتى هبت تأتمر بهم لتقتلهم أو تسترجعهم إلى السجن الكبير
5:51
فلنترك الحديث لأم سلمة لتروي لنا الخبر كما رأته عيناها وسمعته أذناها
5:59
قالت أم سلمة لما نزلنا أرض الحبشة لقينا فيها خير جوار
6:06
فأمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى ربنا من غير أن نؤذى أو نسمع شيئا نكره
6:13
فلما بلغ ذلك قريشا اعتمرت بنا فأرسلت إلى النجاشي رجلين جلدين من رجالها
6:22
هما عمر بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة
6:26
وبعثت معهما بهدايا كثيرة للنجاشي ولبطارقته مما كانوا يستطرفونه من أرض الحجاز
6:34
ثم أوصتهما بأن يدفع لكل بطريق هديته قبل أن يكلم ملك الحبشة في أمرنا
6:43
فلما قدم الحبشة لقياب طارقة النجاشي ودفع إلى كل بطريق هديته
6:50
فلم يبق أحد منهم إلا أهدايا إليه وقال له
6:54
إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا صبأوا عن دين آبائهم وأجدادهم وفرقوا كلمة قومهم
7:05
فإذا كلمنا الملك في أمرهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا دون أن يسألهم عن دينهم
7:13
فإن أشراف قومهم أبصروا بهم وأعلموا بما يعتقدون
7:18
فقال البطارقة نعم
7:20
قالت أم سلمة
7:24
ولم يكن هناك شيء أكره لعمر وصاحبه من أن يستدعي النجاشي أحدا منا ويسمع كلامه
7:32
ثم أتي النجاشي وقدم إليه الهدايا
7:36
فاستطرفها وأعجب بها
7:39
ثم كلّماه فقال
7:41
أيها الملك إنه قد أوى إلى مملكتك طائفة من أشرار غلماننا
7:47
قد جاءوا بدين لا نعرفه نحن ولا أنتم
7:51
فقو ديننا ولم يدخلوا في دينكم
7:55
وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم
8:01
لتردهم إليهم وهم أعلموا الناس بما أحدثوه من فتنة
8:06
فنظر النجاشي إلى بطارقته
8:09
فقال البطارقة
8:11
صدقاء أيها الملك
8:13
فإن قومهم أبصروا بهم وأعلموا بما صنعوا
8:17
فردهم إليهم ليروا رأيهم فيهم
8:19
فغضب الملك غضبا شديدا من كلام بطارقته وقال
8:24
لا والله لا أسلمهم لأحد حتى أدعوهم وأسألهم عما نسب إليهم
8:31
فإن كانوا كما يقول هذان الرجلان أسلمتهم لهما
8:36
وإن كانوا على غير ذلك حميتهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني
8:43
قالت أم سلمة
8:45
ثم أرسل النجاشي يدعونا للقائه
8:48
فاجتمعنا قبل الذهاب إليه
8:51
وقال بعضنا لبعض
8:53
إن الملك سيسألكم عن دينكم
8:56
فاصدعوا بما تؤمنون به
8:58
وليتكلم عنكم جعفر بن أبي طالب
9:01
ولا يتكلم أحد غيره
9:04
قالت أم سلمة
9:06
ثم ذهبنا إلى النجاشي
9:08
فوجدناه قد دعاب طارقته
9:10
فجلسوا عن يمينه وعن شماله
9:13
وقد لبسوا طيالستهم
9:15
واعتمروا قلانسهم
9:17
ونشروا كتبهم بين أيديهم
9:20
ووجدنا عنده عمر بن العاص
9:22
وعبد الله بن أبي ربيعة
9:24
فلما استقر بن المجلس
9:26
التفت إلينا النجاشي وقال
9:29
ما هذا الدين الذي استحدثتمه لأنفسكم
9:33
وفارقتم بسببه دين قومكم
9:36
ولم تدخلوا في ديني
9:38
ولا في دين أي من هذه الملل
9:40
فتقدم منه جعفر بن أبي طالب وقال
9:44
أيها الملك
9:45
كنا قوما أهل جاهلية
9:48
نعبد الأصنام ونأكل الميتة
9:51
ونأت الفواحش ونقطع الأرحام
9:54
ونسيء الجوار
9:56
ويأكل القوي منا الضعيف
9:58
وبقينا على ذلك
10:00
حتى بعث الله إلينا رسولا منا
10:03
نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه
10:07
فدعانا إلى الله
10:09
إن وحده ونعبده
10:11
ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا
10:13
من دونه من الحجارة والأوثان
10:16
وقد أمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة
10:20
وصلة الرحم وحسن الجوار
10:23
والكف عن المحارم وحقن الدماء
10:26
ونهانا عن الفواحش وقول الزور
10:29
وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات
10:32
وأمرنا أن نعبد الله وحده
10:35
ولا نشرك به شيئا
10:37
وأن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة
10:40
ونصوم رمضان
10:41
فصدقناه وأمنا به
10:44
واتبعناه على ما جاء به من عند الله
10:47
فحللنا ما أحللنا
10:49
وحرمنا ما حرم علينا
10:52
فما كان من قومنا أيها الملك
10:55
إلا أنعدوا علينا
10:57
فعذبونا أشد العذاب ليفتنونا عن ديننا
11:01
ويردونا إلى عبادة الأوثان
11:04
فلما ظلمونا وقهرونا وضيقوا علينا
11:08
وحالوا بيننا وبين ديننا
11:11
إلى بلادك
11:13
واخترناك على من سواك
11:15
ورغبنا في جوارك
11:17
ورجونا ألا نغلم عندك
11:20
قالت أم سلمة
11:22
فالتفت النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب
11:25
وقال هل معك شيء مما جاء به نبيكم عن الله
11:30
قال نعم
11:32
قال فقرأه علي
11:34
حتى أتم صدرا من السورة
11:37
قالت أم سلمة
11:38
فبك النجاشي حتى خضلت لحيته بالدموع
11:42
وبكأ ساقفته حتى بللوا كتبهم
11:46
لما سمعوه من كلام الله
11:49
وهنا قال لنا النجاشي
11:52
إن هذا الذي جاء به نبيكم
11:55
والذي جاء به عيسى
11:57
ليخرج من مشكاة واحدة
12:00
ثم التفت إلى عمر وصاحبه
12:03
وقال لهما إن طلقا
12:05
فلا والله لا أسلمهم إليكما أبدا
12:08
قالت أم سلمة
12:10
فلما خرجنا من عند النجاشي
12:13
توعدنا عمر بن العاص
12:15
وقال لصاحبه
12:17
والله لآتينا الملك غدا
12:19
ولأذكرنا له من أمرهم ما يملأ صدره غيظا منهم
12:24
ويشحن فؤاده كرها لهم
12:27
والأحملنه على أن يستأصلهم من جذورهم
12:31
فقال له عبدالله بن أبي ربيعة
12:34
لا تفعل يا عمر
12:35
فإنهم من ذوي قربانا
12:38
وإن كانوا قد خالفونا
12:40
فقال له عمر
12:42
دع عنك هذا
12:44
والله لأخبرنه بما يزلزل أقدامهم
12:47
والله لآقولن له
12:49
إنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد
12:52
فلما كان الغد
12:54
دخل عمر على النجاشي
12:57
وقال له أيها الملك
12:59
إن هؤلاء الذين آويتهم وحميتهم
13:02
يقولون في عيسى بن مريم
13:05
عظيما
13:07
فأرسل إليهم
13:09
وسلهم عما يقولونه فيه
13:11
قالت أم مسلمة
13:13
فلما عرفنا ذلك
13:15
نزل بنا من الهم والغم
13:17
ما لم نتعرض لمثله قط
13:19
وقال بعضنا لبعض
13:21
ماذا تقولون في عيسى بن مريم
13:24
إذا سألكم عنه الملك
13:26
فقلنا
13:28
والله لا نقول فيه إلا ما قال الله
13:31
ولا نخرج في أمره قيدأ ملة
13:33
عما جاء به نبينا
13:35
وليكن بسبب ذلك ما يكون
13:38
ثم اتفقنا على أن يتولى الكلام
13:41
عنا جعفر بن أبي طالب أيضا
13:44
فلما دعان النجاشي
13:46
دخلنا عليه
13:48
فوجدنا عنده بطارقته على الهيئة
13:51
التي رأيناهم عليها من قبل
13:53
ووجدنا عنده عمر بن العاص وصاحبه
13:56
فلما صرنا بين يديه
13:58
بادرنا بقوله
14:00
ماذا تقولون في عيسى بن مريم
14:03
فقال له جعفر بن أبي طالب
14:06
إنما نقول فيه ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم
14:11
فقال النجاشي
14:13
ومن الذي يقوله فيه
14:15
فأجاب جعفر
14:17
يقول عنه
14:19
إنه عبد الله ورسوله
14:21
وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول
14:26
فما إن سمع النجاشي قول جعفر
14:29
حتى ضرب بيده الأرض وقال
14:31
والله
14:33
والله ما خرج عيسى بن مريم عما جاء به نبيكم مقدار شعره
14:39
فتناخرت البطارقة من حول النجاشي
14:42
استنكارا لما سمعوا منه
14:44
فقال وإن نخرتم
14:47
ثم التفت وقال
14:49
اذهبوا فأنتم آمنون
14:51
من سبكم غرم
14:53
ومن تعرض لكم عوقب
14:55
ووالله ما أحب أن يكون لي جبل من ذهب
14:58
وأن يصاب أحد منكم بسوء
15:02
ثم نظر إلى عمر وصاحبه وقال
15:05
ردوا على هذين الرجلين هداياهما
15:08
فلا حاجة لي
15:10
قالت أم سلمة
15:12
فخرج عمر وصاحبه مكسورين مقهورين
15:15
يجران أذيال الخيبة
15:18
أما نحن
15:20
فقد أقمنا عند النجاشي بخير دار مع أكرم جار
15:25
قضى جعفر بن أبي طالب
15:26
هو وزوجته في رحاب النجاشي عشر سنوات
15:30
آمينين مطمئنين
15:33
وفي السنة السابعة للهجرة
15:35
غادر بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين
15:39
متجهين إلى يثرب
15:41
فلما بلغوها
15:43
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
15:46
عائدا لتوهي من خيبر
15:48
بعد أن فتحها الله له
15:50
ففرح بلقاء جعفر فرحا شديدا
15:53
حتى قال
15:54
ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا
15:57
أبفتح خيبر
15:59
أم بقدوم جعفر
16:01
ولم تكن فرحة المسلمين عامة
16:04
والفقراء منهم خاصة بعودة جعفر
16:07
بأقل من فرحة الرسول صلوات الله وسلامه عليه
16:11
فقد كان جعفر شديد الحذب على الضعفاء
16:15
كثير البر بهم
16:17
حتى إنه كان يلقب بأبي المساكين
16:20
أخبر عنه أبو هريرة فقال
16:22
كان خير الناس لنا معشر المساكين
16:26
جعفر بن أبي طالب
16:28
فقد كان يمضي بنا إلى بيته
16:30
فيطعمنا ما يكون عنده
16:33
حتى إذا نفد طعامه
16:35
أخرج لنا العكة التي يوضع فيها السمن
16:38
وليس فيها شيء
16:40
فنشقها ونلعق ما علق بداخلها
16:43
لم يطل مكث جعفر بن أبي طالب في المدينة
16:47
ففي أوائل السنة الثامنة للهجرة
16:49
جهز الرسول صلوات الله وسلامه عليه جيشا
16:53
لمنازلة الروم في بلاد الشام
16:56
وأمر على الجيش زيد بن حارثة
16:59
وقال إن قتل زيد أو أوصيب
17:02
فالأمير جعفر بن أبي طالب
17:05
فإن قتل جعفر أو أوصيب
17:08
فالأمير عبد الله بن رواحة
17:11
فإن قتل عبد الله بن رواحة أو أوصيب
17:14
فليختر المسلمون لأنفسهم أميرا منهم
17:16
فلما وصل المسلمون إلى مؤته
17:19
وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن
17:23
وجدوا أن الروم قد أعدوا لهم مائة ألف
17:26
تظاهرهم مائة ألف أخرى من نصار العرب
17:29
من قبائل لخم وجذام وقضاعة وغيرها
17:33
أما جيش المسلمين
17:36
فكان ثلاثة آلاف
17:39
وما إن التق الجمعان
17:41
ودارت رحل معركة
17:43
حتى خر زيد بن حارثة
17:46
صريعا مقبلا غير مدبر
17:49
فما أسرع أن وثب جعفر بن أبي طالب
17:52
عن ظهر فرس كانت له شقراء
17:55
ثم عقرها بسيفه
17:57
حتى لا ينتفع بها الأعداء من بعده
18:00
وحمل الراية وأوغل في صفوف الروم
18:03
وهو ينشد
18:05
يا حبذ الجنة واقترابها
18:07
طيبة وبارد شرابها
18:10
والروم روم قدنا عذابها
18:13
كافرة بعيدة أنسابها
18:16
علي إذ لاقيتها ضرابها
18:19
وظل يجول في صفوف الأعداء
18:22
بسيفه ويصول
18:25
حتى أصابته ضربة قطعت يمينه
18:28
فأخذ الراية بشماله
18:31
فما لبث أن أصابته أخرى قطعت شماله
18:34
فأخذ الراية بصدره وعضوديه
18:37
فما لبث أن أصابته ثارثة
18:40
شطرته شطرين
18:43
فأخذ الراية منه عبد الله بن رواحة
18:46
حتى لحق بصاحبه
18:49
بلغ الرسول صلوات الله وسلامه عليه
18:52
مصرع قواده الثلاثة
18:55
فحزن عليهم أشد الحزن وأمضه
18:59
وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر بن أبي طالب
19:02
فألفى زوجته أسماء
19:05
تتأهب الاستقبال زوجها الغائب
19:08
فهي قد عجنت عجينها
19:11
وغسلت بنيها ودهنتهم وألبستهم
19:14
قالت أسماء
19:15
فلما أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
19:19
رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم
19:24
فسرت المخاوف في نفسي
19:27
غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر
19:30
مخافة أن أسمع منه ما أكره
19:33
فحيا وقال
19:35
إيتني بأولاد جعفر
19:37
فدعوتهم له
19:39
فهبوا نحوه فرحين مزغردين
19:42
وأخذوا يتزاحمون عليه
19:43
كل يريد أن يستأثر به
19:45
فأكب عليهم
19:47
وجعل يتشممهم
19:49
وعيناه تذريفان من الدمع
19:52
فقلت يا رسول الله
19:54
بأبي أنت وأمي ما يبكيك
19:57
أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء
20:00
قال نعم
20:02
لقد سشهدوا هذا اليوم
20:04
عند ذلك
20:06
غاضت البسمة من وجوه الصغار
20:09
لما سمعوا أمهم تبكي وتنشر
20:11
وجمدوا في أماكنهم كأن على رؤوسهم الطير
20:15
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم
20:18
فمضى وهو يكفكف عبراته
20:21
ويقول
20:23
اللهم اخلف جعفرا في ولده
20:26
اللهم اخلف جعفرا في أهله
20:29
ثم قال
20:31
لقد رأيت جعفرا في الجنة
20:34
له جناحان مضرجان بالدماء
20:37
وهو مصبوغ القوى
20:38
لقد رأيت جعفرا في الجنة
20:41
له جناحان مضرجان بالدماء
20:47
وهو مصبوغ القوى
20:50
حديث شيء