ضمن سلسلة صور من حياة الصحابة (اكتملت السلسلة)
· درس 50 من 93
صور من حياة الصحابة - الحلقة (65) - عمرو بن العاص رضي الله عنه
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة
0:21
لعد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:30
عمر بن العاص رضي الله عنه
0:51
اللهم أمرتنا فعصينا
0:54
ونهيتنا فمنتهينا
0:57
ولا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين
1:01
بهذا الدعاء الضارع الراجي
1:04
ودعى عمر بن العاص الحياة
1:07
واستقبل الموت
1:10
وقصة حياة عمر بن العاص غنية حافلة
1:14
كسب خلالها للإسلام قطرين كبيرين من أقطار المعمورة
1:19
هما فلسطين ومصر
1:22
وترك للمسلمين سيرة ضخمة ملأة الدنيا
1:26
وشغلت الناس دهرا طويلا
1:29
تبدأ هذه القصة قبل الهجرة
1:32
بنحو نصف قرن من الزمان
1:35
حيث ورد عمر
1:37
وتنتهي في سنة 43 بعد الهجرة
1:41
حيث وافاه اليقين
1:43
أما أبوه فهو العاص بن وائل
1:47
أحد حكام العرب في الجاهلية
1:50
وسيد من ساداتهم المرموقين
1:53
وواحد من الذين يرتفع نسبهم إلى الذؤابة من قريش
1:58
وأما أمه فلم تكن كذلك
2:01
وإنما كانت أمة سبية
2:04
لذا كان حساده يلاحقونه بذكرها
2:07
وهو جالس على كرسي الإمارة
2:10
أو مرتق فوق منابر الخطابة
2:13
حتى أن أحدهم قد أغرى رجلا على أن يقوم إليه
2:17
وهو مرتق على المنبر
2:19
وأن يسأله عن أمه
2:21
وذلك لقاء مبلغ جزل من المال أغدقه عليه
2:26
فقام الرجل وقال
2:29
من أم الأمير
2:31
فضغط عمر على نفسه
2:33
وتذرع بحلمه ثم قال
2:36
هي النابغة بنت عبد الله
2:39
أصابتها رماح العرب في الجاهلية
2:42
فبيعت بسوق عكاب
2:44
فاشتراها عبد الله بن جدعان
2:47
ثم وهبها للعاصب بن وائل
2:50
يعني أباه
2:52
فولدت له فأنجبت
2:54
فإن كان بعض من مزق الحسد قلبه
2:57
قد جعل لك شيئا من المال
2:59
فخذ
3:01
وحين أخذ المعذبون من المسلمين
3:04
يهاجرون إلى الحبشة
3:06
للتخلص من بطش قريش ونكالها
3:09
ويستقرون في رحابها
3:11
فرارا من بني قومهم
3:13
عزمت قريش على استعادتهم إلى مكة
3:16
وأذاقتهم ألوانا من العذاب
3:19
وقد اختارت عمر بن العاصل
3:21
القيام بهذه المهمة
3:23
لما كان بينه وبين النجاشي
3:26
من أواصل ود قديم
3:28
وزودته بما كان يؤثره النجاشي
3:31
وبطارقته من الهدايا
3:33
فلما وفد على النجاشي
3:36
حياه وبياه
3:38
وقال له
3:39
إن نفرا من قومنا
3:41
قد كفروا بدين آبائهم وأجدادهم
3:44
واستحدثوا لأنفسهم دينا جديدا
3:47
وقد أرسلتني قريش
3:49
لاستئذانك باستعادتهم إلى قومهم
3:52
ليردوهم إلى دينهم
3:54
ويعيدوهم إلى ملتهم
3:57
فاستدعى النجاشي نفرا من الصحابة
4:00
سألهم عن دينهم الذي يدينون
4:03
وإلههم الذي به يؤمنون
4:06
ونبيهم الذي جاءهم بهذا الدين
4:09
فسمع من كلامهم ما ملأ قلبه
4:12
يقينا وطمئنانا
4:14
ووعى من عقيدتهم ما أفعم فؤاده
4:17
تعلقا بهم وإيمانا بدينهم
4:20
فأبى أن يسلمهم إلى عمر بن العاص
4:23
أشد الإباء
4:24
وأشد الإباء
4:25
وأعاد له ما أتحفه به من الهدايا
4:29
ولما عزم عمر بن العاص على الرحيل إلى مكة
4:33
قال له النجاشي
4:35
كيف يعزب عنك أمر محمد يا عمر
4:38
على ما أعرفه من رجاحة عقلك وبعد نظرك
4:42
فوالله إنه لرسول الله إليكم خاصة
4:46
وإلى الناس كافة
4:48
فقال له عمر
4:50
أأنت تقول ذلك أيها الملك
4:53
فقال النجاشي
4:55
إي والله
4:56
فأطعني يا عمر
4:58
وأمن بمحمد وما جاءكم به من الحق
5:02
ودعى عمر بن العاص الحبشة
5:05
ومضى على وجهه إلى يدري ما يفعل
5:08
فقد أخذت كلمات النجاشي تهز فؤاده هزا
5:13
وظل حديثه عن محمد وما جاء به من الحق
5:17
يدفعه إلى لقائه دفعا
5:20
لكنه لم يكتب له ذلك
5:23
إلا في السنة الثامنة من الهجرة
5:26
حيث شرح الله صدره للدين الجديد
5:29
فمضى يحث الخطى نحو المدينة المنورة
5:33
للقاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
5:37
وإعلان إسلامه بين يديه
5:40
وفيما هو في بعض طريقه
5:42
التقى بخالد بن الوليد
5:44
وعثمان بن طلحة
5:46
وهما يمضيان إلى حيث يمضي
5:49
ويقصدان ما يقصد
5:51
فانضم إليهما ومضامعهما
5:54
فلما قدموا على النبي صلوات الله وسلامه عليه
5:59
بايعه كل من خالد بن الوليد
6:02
وعثمان بن طلحة
6:04
ثم بسط الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يده لعمر
6:09
فقبض عمر يده عن النبي صلى الله عليه وسلم
6:13
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام
6:16
ما لك يا عمر
6:18
فقال أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي
6:23
فقال النبي عليه الصلاة والسلام
6:26
إن الإسلام والهجرة يجبان ما قبلهما
6:30
فبايعه عند ذلك
6:33
لكن هذه الحادثة تركت أثرها في نفس عمر بن العاص
6:38
فكان يقول والله ما ملأت عيني من الرسول عليه الصلاة والسلام
6:44
ولا تمليت من النظر إلى وجه
6:47
حتى لحق بربه
6:49
وقد نظر الرسول إلى عمر بن العاص بنور النبوة
6:53
وعرف ما يتمتع به من طاقات فذة
6:57
فأمره على جيش المسلمين في غزوة ذات السلاسل
7:01
على الرغم من من كان في الجيش من المهاجرين والأنصار
7:06
وأصحاب السابقة إلى الإسلام
7:09
ولم استأثر الله بنبيه صلى الله عليه وسلم
7:13
وآلة الخلافة إلى الصديق رضوان الله عليه
7:17
أبلى عمر بن العاص في حروب الردة أعظم البلاء
7:21
وبادر الفتنة بحزم يذكر بحزم الصديق رضي الله عنهما
7:27
فقد نزل عمر بن العاص ببني عامر
7:30
فإذا بزعيمهم قرت ابن هبيره
7:33
يهم بالردة ويقول له
7:36
يا عمر إن العرب لا تطيب لهم نفسا بهذه الإتاوة التي فرضتمها على الناس
7:43
يعني بها الزكاة
7:45
فإن أعفيتمها من ذلك سمعت لكم وأطاعت
7:49
وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم بعد اليوم
7:53
فصاح عمر بزعيم بني عامر وقال
7:57
ويحك أكفرت يا قرة
8:00
وهل تخوفنا بردة العرب
8:03
فوالله لأوطأن عليك الخيل في خباء أمك
8:07
ولما لب الصديق نداء ربه
8:11
وأسلم الزمام إلى يد الفاروق
8:14
خير يد تلقى إليها الأزمة
8:17
استعان الفاروق بقدرات عمر بن العاص وخبراته
8:21
ووضعها في خدمة الإسلام والمسلمين
8:25
ففتح الله على يديه سواحل فلسطين
8:28
بلدا بعد بلد
8:30
وهزم جيوش الروم جيشا بعد جيش
8:33
ثم اتجه إلى حصار بيت المقدس
8:36
وقد شدد عمر الحصار على أول القبلتين
8:40
وثالث الحرمين الشريفين
8:43
حتى زرع اليأس في نفس أرطبون
8:46
قائد جيش الروم
8:48
وحمله على التخلي عن المدينة المقدسة
8:51
واللواذ بالفرار
8:54
فاستسلمت القدس للمسلمين
8:57
عند ذلك رغب بطريقها
9:00
لأن يتم التسليم بحضور الخليفة نفسه
9:03
فكتب عمر بن العاص للفاروق رضوان الله عليه
9:07
يستدعيه لاستلام بيت المقدس
9:10
فحضر ووقع وثيقة الاستلام
9:14
وآلت القدس إلى المسلمين في السنة الخامسة عشرة للهجرة
9:19
على يدي عمر بن العاص رضي الله عنه
9:22
وكان الفاروق إذا ذكر أمامه حصار بيت المقدس
9:27
ثم أبدأ فيه عمر بن العاص من براعة يقول
9:31
لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب
9:35
ثم توج عمر بن العاص انتصاراته الكبرى بفتح مصر
9:40
وضم هذه الدرة الثمينة إلى عقد الإسلام
9:44
وبذلك فتح أمام جيوش المسلمين أبواب إفريقية
9:48
وبلاد المغرب
9:50
ثم إسبانيا بعد ذلك
9:53
ثم لهم هذا كله في نحو نصف قرن من الزمان
9:57
وليست هذه هي كل مزايا عمر بن العاص رضي الله عنه
10:02
وإنما كان عمر أحد دهات العرب المعدودين
10:06
وواحدا من عباقرتهم الأفذاذ النادرين
10:11
ولعل من أطرف صور دهائه وذكائه
10:14
ما سلكه في فتح مصر
10:17
فقد ظل يغري الفاروق رضوان الله عليه بفتحها حتى أذن له
10:22
وعقد له على أربعة آلاف من جند المسلمين
10:26
فمضى عمر بجنده لا يلوي على شيء
10:30
لكنه لم يمضي على رحيله إلا قليل
10:34
حتى دخل عثمان بن عفان على عمر وقال له
10:38
يا أمير المؤمنين
10:40
إن عمر لمقدام جريء
10:43
وإن فيه حبا للإمارة
10:45
فأخشى أن يكون قد خرج إلى مصر في غير عدة ولا عدد
10:50
فيعرض المسلمين للهلكة
10:53
فندم الفاروق على إذنه لعمر بفتح مصر
10:57
وبعث خلفه رسولا يحمل إليه كتابا منه بهذا الشأن
11:02
أدرك الرسول جيش المسلمين في رفح من أرض فلسطين
11:07
فلما علم عمر بقدوم الرسول من عند الفاروق
11:11
وأنه يحمل إليه كتابا منه
11:14
توجس خيفة من الكتاب الذي معه
11:17
فما زار يتشاغل عن استقباله ويغذ السير
11:21
حتى بلغ قرية من عريش مصر
11:25
عند ذلك استقبله وأخذ الكتاب الذي جاء به وفضه
11:30
فإذا فيه
11:31
إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل أرض مصر
11:35
فرجع إلى موضعك
11:37
وإن كنت دخلت أرضها فامضي لوجهك
11:41
فدعى بالمسلمين وقرأ عليهم كتاب الفاروق
11:45
وقال ألستم تعلمون أننا في أرض مصر
11:49
فقالوا بلى
11:51
فقال فلنمضي على بركة الله وتوفيقه
11:55
وكان أن فتح الله على يديه مصر
11:59
ومن طرائف ذكائه ودهائه أيضا
12:03
أنه حين كان يحاصر أحد حصون مصر الممنعة
12:07
بعث بطريق الرومي يطلب من قائد جيش المسلمين
12:11
أن يبعث إليه برجل من عنده
12:14
ليناظره ويفاوضه
12:16
فندب بعض المسلمين أنفسهم لذلك
12:20
لكن عمرا قال
12:22
إني سأكون رسول قومي إليه
12:25
ثم مضى إلى البطريق
12:27
ودخل عليه الحصن على أنه مرسل من لد قائد المسلمين
12:32
التقى بطريق الرومي بعمر وهو لا يعرفه
12:36
ودار بينهما حوار نمعا عبقرية عمر
12:40
وحنكته وذكائه
12:42
فعزم بطريق الرومي على الغدر به
12:45
وزوده بعطية سنية
12:48
وأمر حراس الحصن بأن يقتلوه قبل مغادرته الخندق
12:53
لكن عمرا رأى في عيون الحراس ما آثار ريبته
12:57
فعاد أدراجه وقال للبطريق
13:00
إن الهبة التي وهبتنيها أيها السيد
13:04
لا تكفي أبناء عمي جميعا
13:07
فهل لا أذنت لي بأن آتيك بعشرة منهم
13:11
لينالوا من كريم عطائك ما نلت
13:14
فسر البطريق بذلك
13:16
ومنى نفسه بقتل عشرة منهم بدلا من واحد
13:21
فآشار إلى حراس الحصن بأن يخلو سبيله
13:25
وكتبت لعمر بن العاص النجاه
13:28
ولما فتحت مصر وتم استسلامها للمسلمين
13:34
التقى بطريق الرومي بعمر بن العاص
13:37
فقال له في دهشة
13:39
أهذا أنت؟
13:41
فقال نعم على ما كان من غدرك
13:44
وكان عمر بن العاص إلى ذلك
13:47
من أحسن الناس بيانا
13:49
وأفصحهم لسانا
13:51
حتى إن الفاروق رضوان الله عليه
13:54
كان يرى في فصاحته آية على قدرة الله سبحانه
13:59
فكان إذا رأى رجلا يتلجلج
14:02
قال آمنت بالله
14:04
إن خالق هذا وخالق عمر بن العاص واحد
14:09
ومن بليغ كلام عمر بن العاص قوله
14:12
الرجال ثلاثة
14:14
رجل تام ونصف رجل ولا شيء
14:19
أما الرجل التام
14:21
فهو الذي كمل دينه وعقله
14:24
فإذا أراد أن يقضي أمرا
14:26
استشار أهل الرأي
14:28
فلا يزال موفقا
14:30
وأما نصف الرجل
14:32
فهو الذي يكمل الله له دينه وعقله
14:36
فإذا أراد أن يقضي أمرا
14:38
لم يستشر فيه أحدا
14:40
وقال أي الناس أتبعه وأترك رأيي لرأيه
14:45
فيصيب ويخطئ
14:47
وأما الذي لا شيء
14:49
فهو من لا دين له ولا عقل
14:52
فلا يزال مخطئا مدبرا
14:55
والله إني لأستشير في الأمر حتى خدمي
14:59
ولما مرض عمر بن العاص مرضى الموت
15:02
وأحس بدنو بالأجل
15:05
غلبته العبر
15:07
وقال لابنه
15:09
كنت على ثلاث حالات عرفت نفسي فيها
15:13
كنت أول شيء كافرا
15:16
فلومت حينئذ
15:18
لوجبت لي النار
15:21
فلما بايعت الرسول عليه الصلاة والسلام
15:24
كنت أشد الناس حياء منه
15:27
حتى إني ما ملأت عيني منه قط
15:31
فلومت حينئذ
15:33
لقال الناس
15:35
هنيئا لعمر
15:37
أسلم على خير ومات على خير
15:40
ثم تلبست بعد ذلك بأشياء
15:43
فلا أدري أعلي أم لي
15:46
ثم أدار وجهه إلى الجدار وهو يقول
15:50
اللهم أمرتنا فعصينا
15:53
ونهيتنا فمنتهينا
15:56
ولا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين
16:01
ثم مضع يده في موضع الغل من عنقه
16:05
ورفع طرفه إلى السماء وقال
16:08
اللهم لا قوي فأنتصر
16:11
ولا بريء فأعتذر
16:14
وما أنا بمستكبر
16:16
وإنما مستغفر
16:19
فاغفر لي يا غفار
16:22
ولم يزل يرددها حتى فاضت روحه
16:33
وقد قال الرسول الأعظم
16:36
صلى الله عليه وسلم عنه
16:39
أسلم الناس
16:42
وآمن عمر بن العاص