ضمن سلسلة قصة أمنا حواء (اكتملت السلسلة)
· درس 27 من 27
قصة أمنا حواء | الحلقة (27) | العبرة من قصة أمنا حواء
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
قصة أمنا حوّى
0:08
العبرة من قصة أمنا حوّى
0:13
يا حوّى
0:15
وصلنا إلى نهاية المطاف مع هذه القصة
0:18
من قصص القرآن الكريم
0:21
قصة أمنا حوّى
0:24
بدأنا حلقات القصة في أول يوم
0:27
من شهر رمضان المبارك
0:29
ونختم القصة في اليوم السابع والعشرين
0:32
من الشهر
0:34
فهي سبعة وعشرون حلقة
0:37
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبلها منا
0:41
وأن ينفعنا بها جميعا
0:45
وحلقة اليوم يا حوّى
0:47
عن العبرة العامة من هذه القصة
0:52
قال محمد رشيد رضا رحمه الله
0:55
وأما ملخص ما فيها من العبرة
0:58
فهو أنه ينبغي لنا أن نعرف أنفسنا
1:02
بغرائزها واستعدادها للكمال
1:05
وما يعرض لها دونه من الموانع
1:09
فيصرفها عنه إلى النقائص
1:12
وأن أنفع ما يعيننا على تربيتها
1:15
عهد الله إلينا بأن نعبده وحده
1:19
وأن لا نعبد معه الشيطان ولا غيره
1:23
وأن نذكره ولا ننساه فننسى أنفسنا
1:27
ونغفل عن تزكيتها وصقلها بصقال التوبة
1:32
كلما عرض لها من وسواس الشيطان ما يلوثها
1:37
فإنه إن يترك
1:39
صار صدأً وطبعًا مفسداً لها
1:42
وما أفسد أنفس البشر ودساها
1:45
إلا غفلة عقولهم وبصائرهم عنها
1:49
وتركها كالريشة في مهاب أهواء الشهوات
1:54
ووساوس شياطين الضلالات
1:57
فعلى العاقل أن يعرف قيمتها
2:00
ويحرص عليها أشد من حرصه على ما عساه يملك من نفائس الجواهر
2:06
وأعلاق الذخائر
2:09
فإن حرصه على مثل هذا إنما يكون لأجلها
2:14
وهو يبذله عند الضرورة في أحقر ما لا بد لها منه
2:19
وذلك بأن يطلب لها أقصى ما تسمو إليه همته من الكمال
2:25
ويحاسبها كل يوم مرة أو أكثر على ما بذلت من السعي لذلك
2:31
وعلى مكافحة ما يصدها عنه من الأهواء والوساوس
2:37
وينصب الميزان القصط لما يشتبه عليها من الآراء والخواطر
2:43
ليعرف كنها الحق والخير فيلتزمهما
2:47
وأضدادهما من الشر والباطل فيجتنبهما
2:53
قال سيد قطب رحمه الله
2:56
وبعد فإنها ليست قصة
3:00
إنما هو عرض لحقيقة الإنسان
3:03
لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته
3:07
والعوالم المحيطة به
3:09
والقدر الذي يصرف حياته
3:12
والمنهج الذي يرضاه الله له
3:16
والابتلاء الذي يصادفه
3:18
والمصير الذي ينتظره
3:21
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية
3:27
هي كما قلنا من قبل
3:30
التوافق بين طبيعة الكون
3:32
ونشأة الكائن الإنساني
3:35
والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان
3:40
والذي يجعل هذه النشأة قدرا مرسوما لا فلتة عارضة
3:46
كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة
3:50
والذين لا يعرفون الله سبحانه ولا يقدرونه حق قدره
3:56
يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة
4:02
ونحن بحمد الله وبهدى
4:05
ننظر إلى هذا الكون الهائل
4:08
فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه السيار جيمس جينز
4:13
إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارئ هذا الكون
4:18
ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه
4:22
ونشعر بالطمأنينة والأنس لهذا الكون الصديق
4:27
الذي أنشأه الله
4:29
وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق
4:33
وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته
4:37
ولكننا لا نفزع ولا نجزع
4:41
ولا نشعر بالضياع ولا نتوقع الهلاك
4:45
فإن ربنا وربه الله
4:48
ونتعامل معه في يسر ومودة
4:51
وأنس وثقه
4:53
ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا
4:57
ومعايشنا ومتاعنا
5:00
ونرجو أن نكون من الشاكرين
5:03
قال تعالى
5:05
ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش
5:11
قليلا ما تشكرون
5:15
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية
5:20
هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية
5:25
وضخامة دوره المنوط به
5:27
وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها
5:32
وتنوع العوالم التي يتعامل معها
5:36
في حدود عبوديته لله وحده
5:39
مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية
5:45
التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون
5:51
حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية
5:57
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له
6:02
فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه
6:07
أيًا كان حجم هذا الكوكب
6:11
إنها لأمر عظيم
6:13
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية
6:18
أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها
6:23
ولكن في الكون كله
6:26
فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن
6:29
وما لا يعلمه إلا الله من الخلق
6:32
لها وظائف أخرى
6:35
كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف
6:40
وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه
6:46
يدل على ذلك قول الله تعالى
6:50
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال
6:55
فأبينا أن يحملنها وأشفقن منها
7:00
وحملها الإنسان
7:02
إنه كان ظلوما جهولا
7:06
وإذا فهو متفرد في الكون كله بخصائص
7:11
ومنها الظلم والجهل
7:14
إلى جانب الاختيار النسبي
7:16
والاستعداد للمعرفة المترقية والإرادة الذاتية
7:21
والمقدرة على العدل والعلم
7:24
بقدر المقدرة على الظلم والجهل
7:27
فهذا الازدواج ذاته
7:29
هو ميزته التي تفرده
7:33
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية
7:38
على هذا الكائن الإنساني
7:41
لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض بهذه الخصائص المتفردة
7:47
ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها
7:54
والعوالم التي يتعامل معها
7:58
إنه يتعامل تعاملا مباشرا مع ربه الجليل سبحانه
8:03
هو الذي أنشأه بيده
8:06
وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه
8:11
وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء
8:15
إلا الشجرة المحظورة
8:18
ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره
8:22
وعلمه أساس المعرفة
8:25
كما في آية البقرة
8:27
وعلم آدم الأسماء كلها
8:31
وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى
8:38
وهي القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله
8:45
كما قلنا في سورة البقرة
8:48
وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها
8:52
وأودعه لاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه
8:58
وأرسل له الرسول منه بهدا
9:01
وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته
9:07
إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله
9:13
إنه يعرج إلى السماوات العلا
9:16
ويتجاوز مراتب الملائكة
9:19
حين يخلص عبوديته لله
9:22
ويترقى فيها إلى منتهاها
9:26
كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة
9:30
حين يتخذ إلهه هواه
9:32
ويتخلى عن خصائص إنسانيته ويتمرع في الوحل الحيواني
9:39
وبين هذه المجالين
9:41
أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم الحس
9:46
وأبعد مدا
9:48
وليس هذا كله لغير الإنسان
9:52
كما تلهمه هذه القصة وبقية النصوص الأخرى
9:58
وقال
9:59
والحقيقة الثالثة
10:01
أن هذا الكائن
10:03
على كل تفرده هذا أو بسبب تفرده هذا
10:08
ضعيف في بعض جوان بتكوينه
10:12
حتى لا يمكن قيادته إلى الشر والارتكاس إلى الدرك الأسفل
10:18
من خطام شهواته
10:20
وفي أولها ضعفه تجاه حب البقاء
10:24
وضعفه تجاه حب الملك
10:27
وهو يكون في أشد حالات ضعفه وأدناها
10:31
حين يبعد عن هدى الله
10:34
ويستسلم لهواه
10:36
أو يستسلم لعدوه العنيد
10:39
الذي أخذ على عاتقه إغواءه
10:42
في جهد ناصب
10:44
لا يكل ولا يدع وسيلة من الوسائل
10:49
وقد اقتضت رحمة الله به من ثم
10:52
ألا يتركه لفطرته وحدها
10:55
ولا لعقله وحده
10:57
وأن يرسل إليه الرسل للإنذار والتذكير
11:01
كما سيجيء في آية تالية في معرض التعقيب على القصة
11:08
وهذه هي صخرة النجاة بالنسبة له
11:12
النجاة من شهواته بالتخلص من هواه والفرار إلى الله
11:18
والنجاة من عدوه الذي يخنص ويتوارى عند ذكره لربه
11:23
وتذكر رحمته وغضبه
11:26
وثوابه وعقابه
11:29
وهذه كلها مقويات لإرادته
11:32
حتى يستعلي على ضعفه وشهواته
11:36
وقد كان أول تدريب له في الجنة
11:40
هو فرض المحظور عليه لتقوية هذه الإرادة
11:44
وإبرازها في مواجهة الإغراء والضعف
11:48
وإذا كان قد فشل في التجربة الأولى
11:52
فقد كانت هذه التجربة رصيدا له فيما سيأتي
11:57
ومن رحمة الله به كذلك
12:00
أن جعل باب التوبة مفتوحا له في كل لحظة
12:04
فإذا نسي ثم تذكر
12:07
وأذا عثر ثم نهض
12:09
وأذا غوى ثم تاب
12:12
وجد الباب مفتوحا له
12:14
وقبل الله توبته
12:16
وأقال عثرته
12:18
فإذا استقام على طريقه
12:21
بدل الله سيئاته حسنات
12:24
وضاعف له ما شاء
12:27
ولم يجعل خطيئته الأولى لعنة مكتوبة عليه وعلى ذريته
12:33
فليست هناك خطيئة أبدية
12:36
وليست هناك خطيئة موروثة
12:40
ولا تزر وازرة وزر أخرى
12:45
وقال
12:46
والحقيقة الرابعة
12:48
هي جدية المعركة مع الشيطان وأصالتها
12:53
واستمرارها وضراوتها
12:56
لقد بدى من سياق القصة
12:58
إصرار هذا العدو العنيد على ملاحقة الإنسان في كل حالة
13:04
وعلى إتيانه من كل صوب وجهه
13:08
وعلى اتباعه في كل ساعة ولحظة
13:12
قال
13:31
لقد اختار اللعين أن يزاول هذا الكيد
13:34
وأن ينظر لمزاولته على المدى الطويل
13:38
اختار هذا على أن يضرع إلى الله أن يغفر له خطيئته في معصيته عيانا
13:46
وقد سمع أمره مواجهة
13:49
ثم بين أنه سيقعد لهم على طريق الله
13:53
لا يمكنهم من سلوكه
13:55
وهو إنما يأتيهم من ناحية نقط الضعف فيهم ومداخل الشهوة
14:02
ولا عاصم لهم منه
14:04
إلا بالتقوي بالإيمان والذكر
14:07
والتقوي على إغوائه ووسوسته
14:11
والاستعلاء على الشهوات
14:13
وإخضاع الهوى لهدى الله
14:17
والمعركة مع الشيطان
14:19
هي المعركة الرئيسية
14:21
إنها المعركة مع الهوى باتباع الهدى
14:25
والمعركة مع الشهوات باستعلاء الإرادة
14:29
والمعركة مع الشر والفساد في الأرض
14:33
الذي يقود الشيطان أولياءه إليه
14:37
باتباع شريعة الله المصلحة للأرض
14:41
والمعركة في الضمير
14:43
والمعركة في الحياة الواقعية
14:46
متصلتان لا منفصلتان
14:49
فالشيطان وراءهما جميعا
14:52
والطواغيت التي تقوم في الأرض
14:55
لتخضع الناس لحاكميتها وشرعها
14:59
وقيمها وموازينها
15:01
وتستبعد حاكمية الله وشرعه والقيم والموازين المنبثقة من دينه
15:08
إنما هي شياطين الإنس
15:11
التي توحي لها شياطين الجن
15:14
والمعركة معها
15:16
هي المعركة مع الشيطان نفسه
15:19
وليست بعيدة عنها
15:22
وهكذا تتركز المعركة الكبرى
15:25
الطويلة الضارية
15:27
في المعركة مع الشيطان ذاته ومع أوليائه
15:32
ويشعر المسلم وهو يخوض المعركة مع هواه وشهواته
15:37
وهو يخوضها كذلك مع أولياء الشيطان
15:41
من الطواغيت في الأرض وأتباعهم وأذنابهم
15:45
وهو يخوضها مع الشر والفساد والانحلال
15:49
الذي ينشئونه في الأرض من حولهم
15:53
يشعر المسلم وهو يخوض هذه المعاركة كلها
15:57
أنه إنما يخوض معركة واحدة جدية
16:01
صارمة ضارية
16:03
لأن عدوه فيها مصر ماض في طريقه
16:08
وأن الجهاد من ثم
16:10
ماض إلى يوم القيامة
16:13
في كل صوره ومجالاته
16:16
وأنه سيأتيهم من كل جهة يصرفهم عن هداه
16:22
نسأل الله أن يحفظنا من كيد شياطين الجن والانس
16:27
وأن يهدينا إلى سواء السبيل
16:30
وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه
16:34
وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه
16:39
انتهت القصة بفضل من الله عز وجل
16:43
والحمد لله رب العالمين
16:47
قصة أمنا حوا