ضمن سلسلة مفاهيم أهل السنة - حلقات مجمعة (اكتملت السلسلة)
· درس 36 من 77
خلاصة مفاهيم أهل السنة | 39- مفاهيم حول بعض الأعمال القلبية - (553-592)
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
خلاصة مفاهيم أهل السنة
0:09
التقوى
0:12
التقوى عمل قلبي
0:14
ومصطلح إسلامي فريد
0:16
ربما لا يوجد له
0:18
مرادف في اللغات أو الشرائع الأخرى
0:22
وهي مشتقة من الوقاية
0:24
ومقصودها الأساس
0:26
هو أن يجعل المرء بينه
0:28
وبين غضب الله
0:30
وعذابه وقاية
0:32
ولكنها مع هذا
0:34
تحمل في طياتها معان
0:36
ومفاهيم سامية جليلة
0:38
فهي حساسية
0:40
في الضمير
0:42
وشفافية في الشعور
0:44
وخشية مستمرة
0:46
وحذر دائم
0:48
وتوقل لأشواك الطريق
0:50
طريق الحياة الذي
0:52
تتجاذبه أشواك الرغائب
0:54
والشهوات
0:56
وأشواك الرجاء الكاذب
0:58
ممن لا يملك إجابة الرجاء
1:00
والخوف الكاذب
1:02
ممن لا يملك ضرا ولا نفع
1:04
إلى غير ذلك
1:06
من أشواك الحياة
1:08
وابتلاءاتها
1:10
ولهذا تنوعت عبارات
1:12
السلف في تعريف التقوى
1:14
والتعبير عنها
1:16
فمن أشهر ما قيل فيها
1:18
هي الخوف من الجليل
1:20
والعمل بالتنزيل
1:22
والقناعة بالقليل
1:24
والاستعداد
1:26
ليوم رحيل
1:28
وهو مروي
1:30
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
1:32
وقال طلق بن حبيب
1:34
التقوى
1:36
أن تعمل بطاعة الله
1:38
على نور من الله
1:40
ترجو ثواب الله
1:42
وأن تترك معصية الله
1:44
على نور من الله
1:46
تخاف عقاب الله
1:48
وقد سأل عمر بن الخطاب
1:50
رضي الله عنه
1:52
أبي بن كعبر رضي الله عنه
1:54
عن التقوى ماه
1:56
فقال أبي
1:58
يا أمير المؤمنين
2:00
أما سلكت طريقا
2:02
فيه شوك
2:04
قال نعم
2:06
قال ما فعلت
2:08
قال عمر
2:10
أشمر عن ساقي
2:12
وأنظر إلى مواضع قدمي
2:14
وأو قدم قدما
2:16
وأو أخر أخرى
2:18
مخافة أن تصيبني شوكة
2:20
فقال أبي بن كعب
2:22
تلك التقوى
2:24
وأخذ بهذا المعنى
2:26
بن المعتزي فأنشد
2:28
خل الذنوب صغيرها
2:30
وكبيرها ذاك التقى
2:32
واصنع كماش
2:34
فوق أرض الشوك يحذر
2:36
ما يرى
2:38
لا تحقرن صغيرة
2:40
إن الجبال من الحصى
2:42
فاللهم
2:44
أرزقنا تقواك
2:46
وأعنا على العمل لرضاك
2:48
التقوى
2:51
هي معيار التفاضل
2:53
يقيم جل الناس
2:56
التفاضل بينهم
2:58
وفق اعتبارات أرضية
3:00
مختلفة
3:02
من مال وجاه
3:04
أو سلطان ونفوذ
3:06
أو علم دنيوي
3:08
إلى آخر ذلك
3:10
ولكن الله تعالى يرشدنا
3:12
إلى المعيار القويم عنده
3:14
والميزان الذي ينبغي
3:16
أن توزن به أقدار الناس
3:18
وقيمهم
3:20
إن أكرمكم
3:22
الله أتقاكم
3:24
إن الله عليم
3:26
خبير
3:28
فالتقوى هي القيمة الوحيدة
3:30
التي يرجح بها وزن الناس
3:32
أو يشيل
3:34
وهي قيمة سماوية
3:36
بحتة لا علاقة لها
3:38
بمواضعات الأرض
3:40
وملابساتها
3:42
ومطلوب منا
3:44
أن نقيم الناس بهذا المعيار
3:46
السماوية المطلق
3:48
بدلا من اعتبارات
3:50
الإخلاص
3:53
الخاء واللا موصاد
3:56
خلص
3:58
أصل واحد في اللغة
4:00
يفيد التنقية
4:02
والتهذيب والتصفية
4:04
والإخلاص والصدق
4:06
قريبان من بعضهم البعض
4:08
في المعنى
4:10
إلا أن الصدق يكون في الأقوال
4:12
والأعمال بينما
4:14
يختص الإخلاص بعمل القلب
4:16
كما أن الصدق
4:18
ضده الكذب
4:20
والإخلاص ضده الرياء
4:22
فعدم الصدق
4:24
في العبادة أو العمل
4:26
معناه الكذب فيهما
4:28
وذلك بانتفاء
4:30
إرادة الله بهما
4:32
وذلك هو النفاق
4:34
بينما عدم الإخلاص
4:36
في العبادة أو العمل
4:38
معناه انتفاء افراد الله
4:40
بالإرادة والتوجه
4:42
فغير المخلص
4:44
يريد الله تعالى
4:46
بعمله ويريد معه
4:48
فعمله غير صاف
4:50
لله تعالى
4:52
وذلك هو الرياء والشرك
4:54
فالكاذب في العبادة
4:56
أو العمل منافق
4:58
وغير المخلص فيهما
5:00
مراء مشرك
5:02
ولهذا يكثر الحديث عن الصدق
5:04
في السور التي تتحدث
5:06
عن النفاق وأهله
5:08
كسور التوبة والأحزاب
5:10
والمنافقون
5:12
بينما يكون الحديث
5:14
عن الإخلاص في السور التي
5:16
مرد للشرك وأهله
5:18
كسور الزمر وغافر
5:20
والبينة
5:22
وقد أمرن الله بالإخلاص
5:24
في غير ما آية من القرآن
5:26
قال تعالى
5:28
قل إني أمرت
5:30
أن أعبد الله مخلصا
5:32
له الدين
5:34
وقال
5:36
وما أمروا إلا ليعبد الله
5:38
مخلصين له الدين
5:40
وحذرنا من عاقبة
5:42
الشرك الذي هو ضد
5:44
فقال تعالى
5:46
وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ
5:48
وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ
5:50
قَبْلِكَ لَإِنْ أَشْرَكْتَ
5:52
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
5:54
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
5:56
الْخَاسِرِينَ
5:58
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى
6:00
أنا أغنى الشركاء
6:02
عن الشرك
6:04
من عمل عملا أشرك فيه
6:06
معي غيري
6:08
تركته وشركه
6:10
رواه مسلم
6:13
ترك يبطل العمل ويحبطه
6:15
والإخلاص في العمل
6:17
كالروح للجسد
6:19
فالفرق بين عمل بإخلاص
6:21
وعمل لا إخلاص فيه
6:23
كالفرق بين
6:25
الإنسان الحي والتمثال
6:27
الشاخص
6:29
فهم خاطئ للإخلاص
6:34
يترك بعض الطيبين
6:36
بعض الأعمال الصالحة
6:38
خشية عدم الإخلاص فيها
6:40
أو صعوبة تحققه
6:42
حتى يأول بهم الأمر
6:44
إلى السلبية والقعود
6:46
عن أعمال البر والدعوة
6:48
والأمر بالمعروف والنهي
6:50
عن المنكر
6:52
وهذا من تزين الشيطان
6:54
ومداخله الخطيرة
6:56
حيث يتحول الإخلاص
6:58
إلى عمل سلبي يعوق
7:00
عن فعل الخير
7:02
والحق أنه على
7:04
المرء أن يجاهد نفسه
7:06
في تحقيق الإخلاص في جميع
7:08
طاعاته ويندفع
7:10
في عمل يرضي الله عز وجل
7:12
ولا يلتفت إلى
7:14
وساوس الشيطان
7:16
بترك ما يحبه الله ويرضاه
7:18
خشية الرياء
7:20
وعدم الإخلاص فيه
7:22
فالإخلاص ينبغي أن يكون
7:24
عملا قلبيا إيجابيا
7:26
يدفع المرء
7:28
إلى فعل كل ما يستطيعه
7:30
مما يحبه الله عز وجل
7:32
مبتغيا بذلك
7:34
مرضاة الله وحده
7:36
صدق النية
7:39
تتفق صدق النية
7:42
مع الإخلاص في المعنى
7:44
فنية المرء الصادقة
7:46
للعمل
7:48
تعني إخلاصه فيه
7:50
إلا أنها تضيف إلى ذلك
7:52
معنى آخر يرتبط بالإخلاص
7:54
ويتعلق بالعزم
7:56
على العمل في المستقبل
7:58
فمن الصدق في النية
8:00
الصدق في العزيمة
8:02
على فعله إذا تمكن منه
8:04
إذ قد تكون
8:06
للمرء نية طيبة
8:08
يجعل خير ما
8:10
لكن عزيمته ضعيفة
8:12
لا تقوى على مواجهة
8:14
تحديات هذا العمل
8:16
ومشاقه
8:18
أو تخذل نيته بالكسل
8:20
والفتور
8:22
فهذا الضعف والتردد والكسل
8:24
يضاد صدق النية
8:26
ويضعفها
8:28
حتى يؤدي إلى ترك المرء
8:30
للعمل والقعود عنه
8:32
ومن أمثلة ذلك
8:34
في القرآن الكريم
8:37
حيث عزموا على القتال مع طالوت
8:40
ومواجهة العدو
8:42
فلما تعرضوا للابتلاء
8:44
بالعطش مع وجود النهر
8:46
انهارت قوى كثير
8:48
منهم وشربوا منه
8:50
رغم عدم السماح لهم
8:52
إلا بغرفة واحدة
8:54
ثم لما جاوز طالوت
8:56
النهر بالقلة الذين
8:58
نجحوا في الاختبار
9:00
خارت نية كثير منهم
9:02
أيضا وقالوا
9:04
لا طاقة لنا اليوم
9:06
بجالوت وجنوده
9:08
ولم يثبت معه على الحق
9:10
إلا أقل القليل
9:12
ممن صدقت نيتهم
9:14
وقوي يقينهم بالله
9:16
ونصره
9:18
وقالوا كم من
9:20
فئة قليلة
9:22
غلبت فئة كثيرة
9:24
بإذن الله
9:26
والله مع الصابرين
9:28
ودعوا ربهم
9:30
وقالوا ربنا
9:32
إبغ علينا صبرا
9:34
وثبت أقدامنا
9:36
وانصرنا على القوم الكافرين
9:38
فكانت النتيجة
9:40
فهزموهم
9:42
بإذن الله
9:44
فالنيه الصادقة
9:46
والعزيمة الأكيدة
9:48
تستجلب مرضات الله عز وجل
9:50
وتحقق الفوز
9:52
والفلاحة في الدنيا
9:54
والآقرة
9:57
إخلاص العمل من بدايته
9:59
إلى نهايته
10:02
ربما يدخل المرء في العمل
10:04
بإخلاص ونيه
10:06
طيبة صادقة
10:08
لكن لا تلبث أن تلوث
10:10
هذه النية بعض
10:12
الرغبات والشهوات والأهواء
10:14
فينبغي أن نحرص
10:16
على الإخلاص في العمل
10:18
من أوله إلى آخره
10:20
بحيث يكون خروجنا
10:22
منه كدخولنا فيه
10:24
وأن ندعو الله تعالى
10:26
أن يوفقنا لذلك
10:28
وهذا من معاني
10:31
وقل رب أدخلني
10:33
مدخل صدق
10:35
وأخرجني مخرج صدق
10:37
واجعل لي من لدنك
10:39
سلطانا نصيرا
10:46
الخوف والرجاء
10:49
عملان قلبيان
10:51
يسعى الإسلام لتحريرهما
10:53
من المخاوف الزائلة
10:55
والأطماع الزائلة
10:57
ويوجههم التوجيه الصحيح
10:59
الذي يصدر عن النفس
11:01
النفس السوية المهتدية
11:03
النفس التي ينبغي عليها
11:05
أن تخاف
11:07
كما ينبغي لها
11:09
أن ترجو
11:11
ولكن تخاف وترجو
11:13
الخوف والرجاء المحمودين
11:15
الخوف من الله وعذابه
11:17
ورجاء رحمته
11:19
وثوابه
11:21
كما قال تعالى
11:23
أولئك الذين يدعون
11:25
يبتغون إلى ربهم
11:27
الوسيلة أيهم أقرب
11:29
ويرجون رحمته
11:31
ويخافون عذابه
11:33
إن عذاب ربك
11:35
كان محذورا
11:37
فأما المخاوف الأرضية
11:39
الزائفة
11:41
فيدعو القرآن إلى التحرر
11:43
منها بالالتجاء إلى الله
11:45
وحده كما وجه
11:47
الله عز وجل موسى وهارون
11:49
عليهما السلام
11:51
إلى عدم الخوف من فرعون
11:53
وبطشه
11:55
فقال لا تخاف
11:57
أرني معكما أسمع وأرى
11:59
وأما رجاء
12:01
المؤمنين فقد قال
12:03
الله عز وجل عنه
12:05
وترجون من الله
12:07
ما لا يرجون
12:09
فالمؤمنون يرجون ثواب الله
12:11
على أعمالهم
12:13
كما يرجون كلما يحقق
12:15
العدل وينشر الحق
12:17
في الأرض بإقامة دين
12:19
الله وقمع أعدائه
12:21
أما متاع الدنيا
12:23
الزائل فإن كان
12:25
ينشر طريق الحق
12:27
أو يلهي عن ذكر الله
12:29
وما والاه
12:31
فلا ينبغي أن يكون
12:33
مما يرجوه المؤمن
12:35
فقد قال الله تعالى
12:37
اعلموا أنما
12:39
الحياة الدنيا لعب
12:41
ولهو وزينة
12:43
وتفاخر بينكم
12:45
وتكاثر في الأموال
12:47
والأولاد
12:49
كمثل غيث
12:51
أعجب الكفار نباته
12:53
الله مصفرا
12:55
ثم يكون حطاما
12:57
وفي الآخرة
12:59
عذاب شديد
13:01
ومغفرة من الله
13:03
ورضوان
13:05
وما الحياة الدنيا
13:07
إلا متاع الغرور
13:10
الخوف من الله
13:12
من لوازم الإيمان
13:14
قال تعالى
13:16
وخافون إن
13:18
كنتم مؤمنين
13:20
وقال تعالى
13:22
فالله أحق أن تخشوه
13:24
إن كنتم
13:26
مؤمنين
13:28
فعلى قدر إيمان العبد
13:30
يكون خوفه من الله
13:32
والخوف المحمود
13:34
هو ما حجز العبد
13:36
عن محارم الله
13:38
العلم بأسماء الله
13:41
الحسنى وصفاته العلاء
13:43
يحقق كل من الخوف
13:45
والرجاء
13:48
كلما كان العبد بالله
13:50
أعرف كان له
13:52
وأخوف
13:54
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم
13:56
إن أتقاكم
13:58
وأعلمكم بالله
14:00
أنا
14:02
رواه البخاري
14:04
فمن يعرف الله عز وجل
14:06
بأسمائه الحسنى وصفاته العلاء
14:08
فيعلم عظمة الله
14:10
وقدرته سبحانه
14:12
ويعلم سمعه لكل
14:14
المسموعات
14:16
وبصره لكل المبصرات
14:18
وعلمه للغيب والشهادة
14:20
تكنه الضمائر والصدور
14:22
ويعلم عظمة انتقام الله
14:24
ممن عصاه
14:26
وكثر به
14:28
من يعرف كل هذا
14:30
وهو صاحب قلب سليم
14:32
فلا بد أن يورثه ذلك
14:34
الخوف من الله تعالى
14:36
وخشيته في السر والعلن
14:38
ولما كانت الملائكة
14:40
أعلم المخلوقات بالله
14:42
سبحانه وصفاته
14:44
كانوا أخشاها لله تعالى
14:46
كما قال عز وجل
14:48
وهم من خشيته
14:50
مشفقون
14:52
كما يحقق العلم
14:54
بأسماء الله الحسنى
14:56
وصفاته العلاء أيضا
14:58
الرجاء
15:01
فمن يعلم عن ربه
15:03
أنه غفور ودود
15:05
حنان منان
15:07
قريب مجيب للدعوات
15:09
يفرح بتوبة عبده
15:11
إليه
15:13
من يعلم كل ذلك عن ربه
15:15
يشتد رجاؤه فيه
15:17
يعرف قول الله تعالى
15:19
وإذا سألك
15:21
عبادي عني فإني
15:23
قريب
15:25
أجيب دعوة الداع
15:27
إذا دعان
15:29
فليستجيبوا لي
15:31
وليؤمنوا بي لعلهم
15:33
يرشدون
15:35
فيتعرض لقرب الله ويأنس به
15:37
ويدعوه بكل ما يحب
15:39
الخوف من الله
15:41
يوجب عدم الأمن
15:43
من مكره
15:47
عبد الذي يخاف الله تعالى
15:49
ويخشى
15:51
أن لا يكون آمنا على ما معه
15:53
من إيمان
15:55
بل لا يزال خائفا
15:57
أن يبتلى ببلية يسقط فيها
15:59
وتسلبه إيمانه
16:01
وعليه أن يلزم دعاء
16:03
يا مقلب القلوب
16:05
ثبت قلبي على دينك
16:07
فعلى المؤمن أن يعلم
16:09
أنه لو وكل إلى نفسه
16:11
وأمن من مكر الله
16:13
لوقع في الخسران المبين
16:15
قال تعالى
16:17
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
16:19
فَلَا يَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ
16:21
إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ
16:23
الفرق بين
16:25
الخوف الجبلي
16:27
والخوف المحرم
16:29
لا ينكر أحد
16:32
الخوف الفطري الجبلي
16:34
كالخوف من الحيوانات
16:36
المفترسة
16:38
ومن الأحداث المروعة
16:40
كالعواصف والزلازل والبراكين
16:42
وهياج البحر
16:44
إلى أهل السفن
16:46
إلى آخر ذلك
16:48
فكل هذا خوف جبلي
16:50
مغروس في الفطر
16:52
ولا يؤاخذ عليه
16:54
صاحبه
16:56
إنما المحذور
16:58
هو الخوف الذي يوقع صاحبه
17:00
فيما نهى الله عنه
17:02
فإن تسبب الخوف في فعل محرم
17:04
أو ترك واجب
17:06
كان خوفا محرما
17:08
وإن تسبب في عبادة
17:10
المخوف منه
17:12
ذلك كما يفعل بعض من
17:14
يخاف الجن
17:16
فيذبح لهم الذبائح
17:18
أو يدعوهم من دون الله
17:20
وهذا الخوف المحرم
17:22
غالبا ما يكون
17:24
مصحوبا بتعظيم وتوقير
17:26
المخوف منه
17:28
وهو أمر لا ينبغي أن يكون
17:30
إلا لله وحده
17:32
الخوف من الله
17:35
في السر والعلن
17:37
ينبغي أن يكون
17:39
الخوف من الله سبحانه
17:41
وحجزا عن المحرمات في جميع
17:43
الأحوال
17:45
فيكون ذلك في حضور الناس
17:47
كما يكون في السر
17:49
بعيدا عن أعينهم
17:51
وهذا المقام
17:53
أعلى من الخوف في حضور الناس
17:55
لأنه أدل
17:57
على تعظيم المرء لربه
17:59
وتوقيره
18:01
وقد مدح الله تعالى من يخافه
18:03
بالغيب فقال
18:05
الذين يخشون
18:07
ربهم بالغيب وهم
18:09
من الساعة مشفقون
18:11
وكان من دعاء النبي
18:13
صلى الله عليه وسلم
18:15
وأسألك خشيتك
18:17
في الغيب والشهادة
18:19
رواه النسائي
18:21
وصحه الألباني
18:23
لا بد من
18:26
الجمع بين الخوف والرجاء
18:28
والموازنة بينهما
18:30
كل من
18:32
ينزع إلى آيات الخوف
18:34
والوعيد
18:36
ويغفر آيات الرجاء والوعد
18:38
فهو مجانب للعدل والوسطية
18:40
وفيه شبه
18:42
من الخوارج الوعيدية
18:44
وكل من ينزع
18:46
إلى آيات الرجاء والوعيد
18:48
ويغفر آيات
18:50
الخوف والوعيد
18:52
فهو أيضا مجانب للعدل
18:54
والوسطية
18:56
وفيه شبه من المرجئة
18:58
والحق هو
19:00
الجمع بينهما
19:02
فيجمع قول الله تعالى
19:04
وعلموا أن الله
19:06
تعلموا ما في أنفسكم
19:08
فاحذروه
19:10
وقوله تعالى
19:12
واتقوا الله وعلموا
19:14
أن الله شديد العقاب
19:16
مع قوله تعالى
19:18
وهو الغفور الودود
19:20
وقوله تعالى
19:22
والله رأوف
19:24
بالعباد
19:26
وتلك هي طريقة القرآن
19:28
الكريم ذاته
19:30
في الجمع بين كل من الترغيب
19:32
والترهيب
19:34
القول الله تعالى
19:36
نبئ عبادي أني
19:38
أنا الغفور الرحيم
19:40
وأن عذابي
19:42
هو العذاب الأليم
19:44
ينبئك بذلك
19:46
والتعلم أن الخوف والرجاء
19:48
كالجناحين للطائر
19:50
لا يمكنه
19:52
الطيران بدونهما
19:54
ولا بأحدهما فحسب
19:56
فلا بد إذن من جناحي
19:58
الخوف والرجاء
20:00
خوف يسوق العبد
20:02
ورجاء يحدوه
20:04
ولذلك فالمسلم السوي
20:06
هو الذي لا ييأس
20:08
ولا يقنط الناس
20:10
من رحمة الله
20:12
كما أنه لا يأمن
20:14
ولا يؤمن الناس
20:16
من مكر الله
20:18
فيجمع بذلك بين قول الله تعالى
20:20
إنه لا ييأس
20:22
من روح الله
20:24
إلا القوم الكافرون
20:26
وقوله تعالى
20:28
أفأمن مكر الله
20:30
لا يأمن مكر الله
20:32
إلا القوم الخاسرون
20:34
محبة الله
20:37
محبة الله
20:40
شرط من شروط كلمة
20:42
التوحيد
20:44
لا إله إلا الله
20:46
فإن الإله
20:48
هو الذي يألهه العباد حبا
20:50
فهو بمعنى المألو
20:52
أي المحبوب
20:54
الذي تحبه القلوب
20:56
وتذل له
20:58
وأصل التأله التعبد
21:00
والتعبد هو آخر مراتب الحب
21:04
عبده الحب وتيمه
21:06
إذا ملكه وذلله
21:08
لمحبوبه
21:10
فالمحبة إذن
21:12
هي حقيقة العبودية
21:14
ويصح على هذا أن تقول
21:16
إن المحبة عمل قلبي
21:18
هو أصل أعمال
21:20
القلوب كلها
21:22
والباعث على العمل بها
21:24
فلا تكون إنابة
21:26
ولا رضا
21:28
ولا خوف ورجاء
21:30
إلى آخره
21:32
لا يكون شيء من ذلك
21:34
إلا تابع لمحبة الله
21:36
وصادر عنه
21:40
علاقة المحبة بالخوف
21:42
والرجاء
21:45
لما كانت المحبة هي أصل العبادة
21:47
ومنبع سائر
21:49
أعمال القلوب
21:51
كانت الأعمال القلبية
21:53
مرتبطة بها ارتباطا
21:55
وثيقا
21:57
ومنها الخوف والرجاء
21:59
الخوف والرجاء بالنسبة
22:01
لعمل القلب كجناحي الطائر
22:03
فإن المحبة
22:05
هي رأس هذا الطائر
22:07
فلا بد أن يسير
22:09
القلب إلى الله بالمحبة
22:11
والخوف والرجاء
22:13
كما يطير الطائر
22:15
برأسه وجناحي
22:17
فإذا قطع رأسه مات
22:19
وإذا كسر جناحاه
22:21
أو أحدهما لم يستطع
22:23
الطيران
22:25
وكان عرضة لكل صائد
22:28
وكذا القلب
22:30
إذا فقد الخوف والرجاء
22:32
إن قطع عن الوصول إلى الله
22:34
وتعرض لمصائد
22:36
الشيطان والهوى
22:38
أما ادعاء العبادة
22:40
بالحب فقط
22:42
فهذا من شطحات الصوفية
22:44
كما أسلفنا
22:46
ولا يمكن أن يكون المحب
22:48
إلا خائفا راجيا
22:50
وعلى حسب المحبة
22:52
وقوتها يكون
22:54
الخوف والرجاء
22:56
فكل محب خائف
22:58
وراج بالضرورة
23:00
يخاف أن يسقط من
23:02
اعتبار محبوبه
23:04
ويقع تحت طائلة غضبه
23:06
وعقابه وطرده
23:08
ويرجو أن ينال
23:10
رضا محبوبه وثوابه
23:12
وهذا هو المقصود
23:14
بإرادة الآخرة
23:16
في قول الله تعالى
23:18
منكم من يريد
23:20
الدنيا ومنكم
23:22
من يريد الآخرة
23:24
فالله لم يذكر
23:26
إلا الدنيا والآخرة
23:28
وليس ثم قسم ثالث
23:30
لذا كانت
23:32
إرادة الآخرة عبارة
23:34
عن إرادة الله تعالى
23:36
وثوابه
23:38
وإرادة الثواب لا تنافي
23:40
أن يريد الله
23:42
بل هي ضمن إرادة الله
23:44
ولذا يتأكد
23:46
قول السلف
23:48
من عبد الله بالحب وحده
23:50
فهو زنديق
23:52
من عبد الله بالخوف وحده
23:54
فهو خارجي
23:56
ومن عبده بالرجاء وحده
23:58
فهو مرجع
24:01
إفراد الله
24:03
بالمحبة الكاملة
24:06
لما كان إفراد الله
24:08
بالعبادة هو التوحيد الواجب
24:10
والمحبة هي
24:12
أصل العبادة
24:14
فقد وجب إفراد الله تعالى
24:16
بالمحبة
24:18
وذلك بأن يكون
24:20
الحب كله لله
24:22
وإنما يجب لأجله وفيه
24:24
كما يحب
24:26
أنبياءه ورسله
24:28
وملائكته
24:30
وأولياءه
24:32
إلى آخر ذلك
24:34
فمحبتهم من تمام محبة الله
24:36
وليست محبة معه
24:38
وقد جعل الله
24:40
إخلاص المحبة له
24:42
فرقانا بين المؤمنين
24:44
والكافرين
24:46
فمن أشرك مع الله غيره
24:48
في المحبة وسواه به
24:50
فهو المشرك
24:52
المتخذ من دون الله ندا
24:54
معبودا
24:56
كما قال تعالى
24:58
ومن الناس من يتخذ
25:00
من دون الله
25:02
أنداد يحبونهم
25:04
كحب الله
25:06
والذين آمنوا أشد
25:08
حبا لله
25:10
وهذه التسوية الشركية
25:12
في المحبة
25:14
هي المقصودة أيضا بحكاية الله
25:16
عن قول أهل النار لآلهتهم
25:18
تالله إن
25:20
كنا لفي ضلال
25:22
مبين
25:24
إذن سويكم برب العالمين
25:26
فلا تصح
25:28
تسوية محبة أحد
25:30
بمحبة الله
25:32
فضلا عن أن تكون زائدة
25:34
عليها
25:36
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
25:38
ثلاث من
25:40
كن فيه وجد بهن
25:42
حلاوة الإيمان
25:44
أن يكون الله ورسوله
25:46
أن يحب إليه مما سواهما
25:48
وأن يحب
25:50
المرأة لا يحبه
25:52
إلا لله
25:54
وأن يكره أن يعود إلى الكفر
25:56
بعد إذ أنقذه الله منه
25:58
كما يكره أن يقذف
26:00
في النار
26:02
متفق عليه
26:05
المحبة توجب
26:07
متابعة المحبوب
26:10
إذا كان تجريد المحبة
26:12
وإخلاصها لله تعالى
26:14
يتعلق بالشطر الأول
26:17
أشهد أن لا إله إلا الله
26:20
فإن المحبة
26:22
تتعلق بالشطر الثاني
26:24
أشهد أن محمد
26:26
الرسول الله
26:28
من جهة إيجابها
26:30
متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم
26:32
في العبادة والطاعة
26:34
لأن ذلك لا
26:36
يعرف إلا من خلاله
26:38
صلى الله عليه وسلم
26:40
كما قال تعالى
26:42
قل إن كنتم
26:44
تحبون الله فاتبعوني
26:46
يحببكم الله
26:48
ويغفر لكم ذنوبكم
26:50
والله غفور
26:52
الرحيم
26:54
قل أطيعوا الله والرسول
26:56
فإن تولوا
26:58
فإن الله لا يحب
27:00
الكافرين
27:02
فمن لم يتابع الرسول
27:04
صلى الله عليه وسلم
27:06
في عبادة الله وطاعته
27:08
ولم ينقد له
27:10
فقد خالف في المحبة
27:12
وكان فعله دليلا
27:14
على أن ما خالف فيه
27:16
أحب إليه من الله
27:18
ورسوله
27:20
كما قال تعالى
27:22
قل إن كان آباؤكم
27:24
وأبناؤكم
27:26
وإخوانكم وأزواجكم
27:28
وعشيرتكم
27:30
وأموال اقترفتموها
27:32
وتجارة تخشون كسادها
27:34
ومساكن ترضونها
27:36
أحب إليكم
27:38
من الله ورسوله
27:40
وحفظوا في وجهاد في سبيله
27:42
فتربصوا حتى
27:44
يأتي الله بأمره
27:46
والله لا يهد
27:48
القوم الفاسقين
27:50
وبسبب مخالفته
27:52
هذه استحق العذاب
27:54
وأن يوصف في الآية
27:56
بكونه من الفاسقين
27:58
يحبهم
28:01
ويحبونه
28:04
محبة الله
28:06
هي أقوى رابط بين العبد
28:08
وربه لأن هذه المحبة
28:10
إن كانت حقيقية
28:12
فهي تستلزم متابعة
28:14
الرسول المبلغ عن الله
28:16
المحبوب كما
28:18
أسلفنا
28:20
فينتج عن ذلك حب الله لمن
28:22
أحبه هذه المحبة
28:24
كما قال تعالى
28:26
قل إن
28:28
كنتم تحبون الله
28:30
فاتبعوني يحبكم
28:32
الله
28:34
فليس الشأن إذا أن تدعي
28:36
محبتك لله
28:38
لأن كل الشأن
28:40
أن يحبك الله بناء
28:42
على محبتك الحقيقية له
28:44
فتدخل بذلك
28:46
في وصف الله لعباده
28:48
المقربين
28:50
فسوف يأتي الله بقوم
28:52
يحبهم ويحبونه
28:54
فتأمل ما في هذا
28:56
الوصف من علاقة
28:58
متبادلة بينك
29:00
أنت أيها العبد الفقير
29:02
وبين الله العظيم
29:04
الجليل تدرك
29:06
هذا هي من أجل نعم الله
29:08
عليك وأحلاها
29:10
مذاقا
29:13
الجهاد في سبيل الله
29:15
دليل على كمال المحبة
29:17
لما تضمن
29:20
الجهاد في سبيل الله
29:22
الجود بالنفس
29:24
وهي أغلى ما يملك المر
29:26
كان ذلك دليلا
29:28
على كامل المحبة لله تعالى
29:30
ولهذا
29:32
وصف الله المجاهدين
29:34
بأنهم قوم يحبهم
29:36
يحبونه
29:38
قال تعالى
29:40
يا أيها الذين آمنوا
29:42
من يرتد منكم
29:44
عن دينه فسوف
29:46
يأتي الله بقوم يحبهم
29:48
ويحبونه
29:50
أذلة على المؤمنين
29:52
أعزة على الكافرين
29:54
يجاهدون في سبيل الله
29:56
ولا يخافون
29:58
لوم تلائم
30:01
كما أنه سبحانه
30:03
وصف المتقاعسين عن النفير
30:06
فقال
30:08
فرح المخلفون بمقعدهم
30:10
خلاف رسول الله
30:12
وكرهوا أن يجاهدوا
30:14
بأموالهم وأنفسهم
30:16
في سبيل الله
30:18
وقالوا لا تنفروا
30:20
في الحر
30:22
قل نار جهنم أشد
30:24
حرا لو كانوا
30:26
يفقهون
30:28
فالكارهون للجهاد
30:30
لا يمكن أن يكونوا محبين
30:32
لله ورسوله
30:34
في الدنيا والآباء والأبناء
30:36
والإخوان والأزواج
30:38
وسائر متاعها
30:40
من أموال وتجارة
30:42
ومساكن
30:44
أحب إليهم من الله ورسوله
30:46
كما ذكرت آية
30:48
سورة التوبة التي سبق
30:50
ذكرها
30:52
الحياة من الله
30:56
الحياة من الناس
30:58
خلق إسلامي حميد
31:00
والحياة من الله عمل
31:02
قلبي يورثه
31:04
في القلب تدبر كثير
31:06
من أسماء الله الحسنى
31:08
وصفاته العلاء
31:10
مثل السميع والبصير
31:12
والعليم والعظيم
31:14
والكريم والودود
31:16
والحنان والمنان
31:18
فإذا غلب ذكر ذلك
31:20
وتدبره في القلب
31:22
هاج منه الحياة
31:24
فاستحيا أن يطلع
31:26
الله على جارحة من جوارحه
31:28
تتحرك بما يكره
31:30
الله أو اعتقاد
31:32
في قلبه مما يكرهه
31:34
الله فيطهر
31:36
قلبه وجوارحه من
31:38
كل معصية
31:40
وأحسن ما يوضح الحياة
31:42
الحقيقية من الله
31:44
قول النبي صلى الله عليه وسلم
31:46
استحيوا
31:48
من الله حق الحياة
31:50
قالوا يا نبي الله
31:52
إنا لن استحي
31:54
والحمد لله
31:56
قال ليس ذلك
31:58
ولكن الاستحياء
32:00
من الله حق الحياة
32:02
أن تحفظ الرأس
32:04
وما وعى
32:06
وتحفظ البطن وما حوى
32:08
وتذكر الموت والبلى
32:10
ومن أراد الآخرة
32:12
ترك زينة الدنيا
32:14
فمن فعل ذلك
32:16
فقد استحيا
32:18
من الله حق الحياة
32:20
رواه الترمذي
32:22
وحسنه الألباني
32:24
ومن أقوال السلف
32:26
عن الحياة من الله
32:28
خف من الله
32:31
على قدر قدرته عليك
32:33
واستحي من الله
32:35
على قدر قربه منك
32:37
وجزع الأسود بن يزيد
32:39
عند وفاته
32:41
فلما عوتب في ذلك
32:43
قال مالي لا أجزع
32:45
ومن أحق
32:47
بذلك مني
32:49
والله لو أتيت بالمغفرة
32:51
من الله عز وجل
32:53
لهمني الحياة منه
32:55
مما قد صنعته
32:57
إن الرجل ليكون
32:59
بينه وبين الرجل
33:01
الذنب الصغير
33:03
فيعفو عنه
33:05
فلا يزال مستحيا منه
33:08
هوان المعصية على المر
33:10
علامة على قلة
33:12
حيائه من الله
33:15
من عصى أمر الله
33:17
وارتكب نهية
33:19
مع هوان ذلك علي
33:21
فقد استخف بنظر الله
33:23
إليه والطلاعه علي
33:25
وهو في قبضته
33:27
وحاله حال من يراقب المخلوق
33:29
أكثر من الخالق
33:31
سبحانه
33:33
كما قال تعالى
33:35
يستخفون من الناس
33:37
ولا يستخفون من الله
33:39
وهو معهم
33:41
إذ يبيتون ما لا يرضى
33:43
من القول
33:45
وكان الله بما يعملون
33:47
محيطا
33:49
وهذا علامة ودليل
33:51
على قلة حيائه من ربه
33:53
الناشئ من ضعف
33:55
وعنه له سبحانه
33:58
ولكن هذا لا يعني
34:00
أن أولياء الله
34:02
المعظمين له سبحانه
34:04
لا يذنبون
34:06
وإنما هم كما قال الله
34:08
عز وجل عنهم
34:10
إن الذين اتقوا
34:12
إذا مسهم طائف
34:14
من الشيطان تذكروا
34:16
فإذا هم مبصرون
34:18
فهم لا يصرون
34:20
على المعصية
34:22
بل يبادرون إلى التوبة منها
34:24
أشعرون بالندم والحزن
34:26
مما اقترفوه
34:28
وكأن فوقهم جبل
34:30
يخشون سقوطه عليهم
34:32
في حين ينظر المستخف
34:34
بتعظيم الله إلى ذنوبه
34:36
وكأنها ذباب
34:38
وقع على أنفه
34:40
فأزاله بيده
34:42
وكلما ضعف تعظيم الله
34:44
في القلب
34:46
قل الحياء منه سبحانه
34:48
حتى يصل بصاحبه
34:50
إلى المجاهرة بالمعصية
34:53
وهذا غاية في الوقاحة
34:55
ومنتهى الخذلان
34:57
وهو أمر يحول المعصية
34:59
إلى كبيرة من الكبائر
35:01
حتى لو كانت
35:03
في نفسها صغيرة
35:05
بينما قد يقترن
35:07
مع ارتكاب الكبيرة
35:09
من الحياء والخوف
35:11
والاستعظام لها
35:13
ما يلحقها بالصغائر
35:15
وهذا كله أمر
35:17
مرجعه إلى القلب
35:19
وما يقوم به
35:21
يقعد على مجرد الفعل
35:23
والانسان يعرف ذلك
35:25
من نفسه ومن غيره
35:27
التوكل
35:30
على الله وحقيقته
35:32
التوكل
35:35
عمل قلبي
35:37
أو حال للقلب ينشأ
35:39
من معرفته بالله سبحانه
35:41
وتفرده بالخلق والتدبير
35:43
والنفع والضر
35:45
والعطاء والمنع
35:47
إلى آخر ذلك
35:49
وأصل التوكل
35:51
هو أن يجعل العبد ربه
35:53
وكيلا له يفوض
35:55
إليه أمرا
35:57
كما يفوض الموكل وكيله
35:59
الذي يثق به في تحقيق
36:01
مصالحه
36:03
فحقيقة التوكل إذن
36:05
هي غاية الاعتماد على الله
36:07
بعد امتلاء القلب
36:09
بتعظيم قدرة الله
36:11
وقوته وقيوميته
36:13
مع غاية الثقة في الله
36:15
وتوفيقه
36:17
وعونه ومدده
36:19
يجعل القلب بتعظيم رحمة الله
36:21
وبره ولطفه
36:23
وإحسانه
36:25
ويلزم للتوكل الصحيح
36:27
مباشرة الأسباب التي
36:29
أذن الله بالأخذ بها
36:31
دون الاعتماد عليها
36:33
أو الثقة بها
36:35
بل اعتمد على الله وحده
36:37
خالق الأسباب ومسبباتها
36:39
فهو سبحانه
36:41
الذي وضع في الأسباب آثارها
36:43
ولو شاء
36:45
لنزعها عنها
36:47
وحين ترك الأعرابي
36:49
ناقته طريقة على
36:51
باب المسجد وقال
36:53
توكلت على الله
36:55
قال له الرسول صلى الله عليه وسلم
36:57
اعقلها
36:59
وتوكل
37:01
رواه الترمذي
37:03
وصححه الألباني
37:05
فأمره بمباشرة
37:08
السبب ثم التوكل
37:10
على الله
37:12
وذلك مستفاد أيضا
37:14
من قوله صلى الله عليه وسلم
37:16
لو أنكم توكلون
37:18
على الله حق توكله
37:20
لرزقكم كما
37:22
يرزق الطير
37:24
تغدو خماصا وتروح
37:26
بطانا
37:28
رواه الترمذي وأحمد
37:30
وصححه الألباني
37:32
فقوله تغدو
37:34
تفيد بذل الطير
37:36
للسبب في سعيه على
37:38
رزقه فالتوكل
37:40
إذن مقيد بالأخذ
37:42
بالأسباب ورد
37:44
بعد ذلك إلى الله
37:46
ولذلك عرف التوكل
37:48
أيضا
37:50
بأنه الاعتماد على الله
37:52
سبحانه في جلب المطلوب
37:54
وزوال المكره
37:56
مع فعل الأسباب المأذون
37:58
فيها
38:01
ضوابط الأخذ بالأسباب
38:03
ينبغي على
38:06
المر أن يكون متوازنا
38:08
في أخذه بالأسباب
38:10
فلا يعارض بها التوكل
38:12
على الله ولا يتركها
38:14
لأن ذلك قدح في
38:16
حكمة الله عز وجل
38:18
الذي يربط المسببات
38:20
بأسبابها
38:22
ونقصان في العقل
38:24
وحتى يحدث هذا التوازن
38:26
لا بد من اعتبار
38:28
الضوابق الآتية في
38:30
الأخذ بالأسباب
38:32
أولا
38:34
ألا يركن إليها
38:36
ولا يعتقد أنها تستقل
38:38
بتحقيق المطلوب
38:40
فالله سبحانه هو الذي
38:42
جعل الشيء سببا
38:44
لحدوث المسبب
38:46
وقد ينزع ذلك عنه
38:48
وقد تكون هناك
38:50
موانع له
38:52
فالله هو الذي يكمل
38:54
السبب ويدفع موانعه
38:56
فما شاءه كان
38:58
ولو لم يشأه الخلق
39:00
وما لم يشأه لا يكون
39:02
ولو شاءه الخلق
39:04
فقد منع النار من احراق
39:06
نبيه إبراهيم عليه السلام
39:08
ونزع منها
39:10
في الاحراق
39:12
فسر التوكل إذن
39:14
هو اعتماد القلب على الله
39:16
وحده بحيث لا
39:18
يضره مباشرة الأسباب
39:20
مع خلوة القلب عن
39:22
الاعتماد عليها
39:24
ثانيا
39:26
ألا يأخذ بالسبب إلا بعد
39:28
التحقق من أنه سبب
39:30
ومشروع بعلم
39:32
ويقين فمن
39:34
أثبت سببا بلا علم
39:36
أو أثبت سببا يخالف
39:38
من شرع
39:40
كان مبطلا في اثباته
39:42
آثما في اعتقاده
39:44
ثالثا
39:46
إذا لم يوجد إلا سبب
39:48
محرم لتحصيل المطلوب
39:50
فلا يجوز مباشرته
39:52
والأخذ به
39:54
إلا في حال الاضطرار فقط
39:56
والضرورة تقدر بقدرها
39:58
ووفق مقاصد الشرع
40:00
وترتيبها من حفظ
40:02
الدين والنفس
40:04
والعقل والعرض والمال
40:06
في غير حال الاضطرار
40:08
فلا يلجأ إلى السبب
40:10
المحرم بحال
40:12
بل يكون سببه الوحيد
40:14
لتحقيق المطلوب
40:16
هو محظ التوكل على الله
40:18
فحسب
40:20
وأنعن به من سبب في تحقيق المراد
40:22
رابعا
40:25
أن ينظر في السبب
40:27
المباح وأثره على تحقيق
40:29
التوكل في قلبه
40:31
فإن كان يضعفه
40:33
فالأولى تركه
40:35
فمباشرته أولى
40:37
حيث يحقق بذلك
40:39
حكمة الله في ربط المسببات
40:41
بأسبابها
40:43
ويكون بذلك قد أتى
40:45
بعبودية القلب في التوكل
40:47
وعبودية
40:49
الجوارح في مباشرة
40:51
السبب
40:53
خامسا وأخيرا
40:55
فإن الأخذ بالأسباب على نحو
40:57
ما سبق هو الذي
40:59
يحقق التوكل
41:01
ومن عطل الأسباب المأمور بها
41:03
لم يصح توكله
41:05
بل صار تواكلا
41:07
وعجزا وتمنيا
41:09
حقائق
41:12
تتعلق بالتوكل
41:14
أولا
41:16
التوكل على الله
41:18
من لوازم الإسلام لله تعالى
41:20
قال تعالى
41:22
وقال موسى
41:24
يا قوم إن كنتم
41:26
آمنتم بالله
41:28
فعليه توكلوا إن
41:30
كنتم مسلمين
41:32
ثانيا
41:34
لا يتحقق التوكل في القلب
41:36
بمجرد العلم به
41:38
وبحقيقته
41:40
فعلم التوكل شيء
41:42
وحال التوكل شيء آخر
41:44
فالمعرفة قد تكون
41:46
ذهنية فقط
41:48
أما تحقيق التوكل
41:50
فيتطلب استقرار ذلك
41:52
في القلب إلى درجة
41:54
اليقين
41:56
وأنت إذا سألت أي أحد
41:58
عن التوكل على الله
42:00
وادعى أنه متوكل
42:02
عليه ولكن
42:04
عند التعرض للمحن
42:06
والشدائد يسقط
42:08
كثيرون في دعواهم التوكل
42:10
فتراهم يجزعون
42:12
ويهرعون إلى غير الله
42:14
طالبين تخليصهم
42:16
من محنتهم وشدتهم
42:18
وينسون اللجوء إلى الله
42:20
في ذلك
42:22
مثلهم مثل من يجيبك
42:24
بأن الرزاق هو الله
42:26
فإذا ضيق عليه أحد
42:28
أو تجارته
42:30
اشتكى وقال
42:32
فلان يريد قطع رزقي
42:34
أفلا تدل هذه
42:37
المقولة على ضعف
42:39
اليقين بأن الله وحده
42:41
هو الرزاق
42:43
أما أهل الحق
42:45
فتجدهم عند الشدائد
42:47
متوكلين على الله حق التوكل
42:49
فحين وصل الكفار
42:51
إلى الغار الذي يختبئ فيه
42:53
الرسول صلى الله عليه وسلم
42:55
وأبو بكر رضي الله عنه
42:57
قال الرسول صلى الله عليه وسلم
42:59
لأبي بكر
43:01
لا تحزن
43:03
إن الله معنا
43:05
فلجأ إلى الله
43:07
وتوكل عليه
43:09
ثالثا
43:11
الاعتماد على الأسباب والركون
43:13
إليها والخوف والهلع
43:15
من فواتها دليل
43:17
على ضعف التوكل
43:19
وكأن السبب ينفع
43:21
أو يضر استقلال
43:23
رابعا
43:25
كان الركون إلى الأسباب
43:27
ضعف في التوكل
43:29
فإن الأخذ بها لا يناف
43:31
التوكل واليقين بقدر
43:33
الله ووعده
43:35
فالله تعالى أوحى إلى أم
43:37
موسى برد ابنها
43:39
إليها
43:41
قال تعالى
43:43
وأوحينا إلى أم موسى
43:45
أن أرضعيه
43:47
فإذا خفت عليه فألقيه
43:49
في اليم ولا تخافي
43:51
ولا تحزني
43:53
أردوه إليك وجاعلوه
43:55
من المرسلين
43:57
ومع هذا لم يمنعها
43:59
ذلك من الأخذ بالأسباب
44:01
والبحث عنه
44:03
بعد أن نفذت ما أوحاه الله
44:05
إليها وألقت ابنها
44:07
في اليم
44:09
وقالت لأخته قصيه
44:11
فبصرت به عن جنب
44:13
وهم لا يشعرون
44:15
مراتب
44:18
تحقيق التوكل في قلب
44:20
العبد المؤمن
44:23
لا تتم حقيقة التوكل
44:25
في قلب العبد المؤمن
44:27
إلا بأمور يترتب
44:29
بعضها على بعض
44:31
أولا
44:33
معرفة صفات الله سبحانه
44:35
مثل القدرة والتدبير
44:37
والكفاية والقيومية
44:39
وانتهاء
44:41
الأمور كلها إلى علمه
44:43
وصدورها عن مشيئته
44:45
وحكمته
44:47
إلى آخر ذلك
44:49
ثانيا
44:51
أمتنى أسباب وبذلها
44:53
مع عدم الاعتماد عليها
44:55
أو الركون إليها
44:57
وثقة بها
44:59
ثالثا
45:01
توحيد توكل القلب على الله
45:03
فلا يتوكل معه
45:05
على أحد غيره
45:07
رابعا
45:09
اعتماد القلب على الله
45:11
وسكونه واستسلامه له
45:13
مع قطع منازعات القلب
45:15
لهذا الاستسلام
45:18
خامسا
45:20
بالله ما يتوكل فيه على الله نوعان الأول توكل العبد على الله في
45:30
تحقيق حوائجه وحضوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه وهو
45:37
التوكل محمود ويحقق به الله للعبد مراده بإذنه تعالى إذا
45:43
كان مباحى ولكن أفضل من هذا التوكل وأعلى منه درجة التوكل
45:50
الثاني وفي كل خير وفضل الثاني التوكل على الله فيما يأمر به
45:59
ويحبه ويرضاه من الإيمان والتقوى واليقين والجهاد في سبيله
46:06
والدعوة إلى دينه إلى آخر ذلك وهذا هو توكل الأنبياء وخواص
46:13
المؤمنين وهو كما أسلفنا أفضل النوعين وأوسعهما منفعه ومن
46:20
البديع أن من يجتهد في تحقيق النوع الثاني من التوكل يكفيه
46:26
الله هما النوع الأول ثمرات التوكل على الله للتوكل على
46:35
الله ثمرات عديدة من أهمها أولا كفاية الله لعبده فيما
46:42
يتوكل عليه قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه ثانيا
46:51
الثبات أمام المحن والشدائد وعدم الانكسار أمامها وأفضل من
46:58
حقق ذلك الأنبياء عليه مسلام فنوح عليه السلام قال يا
47:05
قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى
47:12
الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم
47:19
عليكم غمة ثم قضوا إلي ولا تنظرون وهود عليه السلام قال
47:27
لقومه إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه
47:36
فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم
47:45
ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم
47:55
ثالثا سقوط الهيبة من المخلوقين وزوال خشيتهم كما قال
48:02
الله تعالى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين قال
48:08
لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فخشوهم فزادهم إيمانا
48:16
وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل رابعا دفع الحزن والهم عن
48:23
العبد فالرسول صلى الله عليه وسلم بتوكله على الله سبحانه
48:29
قال لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا تحزن إن الله معنا
48:37
فالمرء لا يحتاج لطرد أحزانه سوى أن يتوكل على الله ويحسن
48:43
الظن به فقط استشعر أن الله معك بعلمه وإحاطته وقدرته
48:50
ولطفه وإحسانه ثم توكل عليه فعند ذلك ستندفع أحزانك
48:57
قل بقلبك الله معي ستجد أن الله معك فعلا وستأنس بقربه
49:06
خامسا حسن الظن بالله تعالى واليقين بتأييده ونصره وتوفيقه
49:15
حسن الظن بالله وعلاقته بأفعال الله وأسمائه وصفاته ينبغي
49:24
على المرء أن يديم إحسان الظن بالله تعالى ليطرد عن نفسه
49:30
صفة المنافقين الذين تحيط بهم ظنون الجاهلية كما قال
49:37
وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية
49:47
وإحسان الظن بالله تعالى يقتضل يقين بحكمته سبحانه في قضائه
49:54
وقدره وجميع أفعاله وبكماله في جميع أسمائه وصفاته وتنزيهه
50:02
عن كل صفة سوء كالظلم والجهل والعبث إلى آخر ذلك
50:08
إحسان الظن بالله يقتضي إحسان العمل قال الحسن البصري
50:17
إن قوماً ألهتهم أمان المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة
50:24
لهم وقالوا نحسن الظن بالله كذبوا لو أحسن الظن به لأحسن
50:33
فإحسان الظن بالله إنما يكون مع إحسان العمل له
50:38
فإن محسن العمل يحسن ظنه بربه أن يجازيه على إحسانه
50:45
ولا يخلف وعده ويقبل توبته وحسناته
50:49
أمّا من يسرفون في المعاصي ويقولون سيغفر الله لنا فهو الغفور الرحيم
50:58
فهؤلاء يشبهون اليهود الذين قال الله عنهم
51:03
يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا
51:08
وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه
51:12
ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه
51:20
والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون
51:27
وفي هذا الإسراف في المعاصي وادعاء مغفرتها من الله
51:32
سوء أدب مع الله وأمن من مكره
51:35
والله سبحانه يقول أفأمنوا مكر الله
51:41
فلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون
51:47
من ثمرات إحسان الظن بالله
51:51
لإحسان الظن بالله ثمرات عديدة في قلب المحسن
51:57
منها أولاً قوة الأمل والرجاء في الله تعالى أن يقبل الطاعات ويثيب عليها
52:05
وأن يحقق للمر أماله وحاجاته الدينية والدنيوية
52:11
إذا ما دعى الله بها ورجاها منه
52:15
ثانياً الصبر والرضى بما يكتبه الله ويقدره سبحانه على عبده من المكروهات
52:23
حيث يستيقن حكمة الله في ذلك
52:26
وأن من ورائها الرحمة والخير له إذا ما صبر ورضي بذلك
52:32
وثبت في ما ابتلاه الله به
52:35
ثالثاً أن يعود باللائمة على نفسه في نزول البلاء
52:41
ويعلم أنه هو الظالم لنفسه المستحق للعقوبة على ذنبه
52:47
وأن الله منزه عن الظلم والعبث
52:50
وأن هذا من رحمة الله به حتى يتدارك أمره
52:55
ويصلح شأنه ويتوب إلى ربه
52:58
فما نزل بلاء إلا بذنب
53:01
ولا رفع إلا بتوبة
53:05
اليقين
53:08
اليقين عمل قلبي ضد الشك
53:11
وهو يتعلق بالإيمان
53:14
وله درجتان أو اعتباران
53:17
فالأول من حيث هو أصل الإيمان المجمل
53:21
إذ لا إيمان مع الشك
53:24
فقد أخبر الله تعالى عن الكافرين أنهم إذا قيل لهم
53:29
إن وعد الله حق
53:31
والساعة لا ريب فيها
53:33
قالوا ما ندري ما الساعة
53:36
إن ظن إلا ظن وما نحن بمستيقنين
53:41
فليقين بهذا الاعتبار
53:43
شرط لصحة الإيمان وصحة كلمة التوحيد
53:47
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
53:50
لأبي هريرة رضي الله عنه
53:53
إذهب بن عليها تيم
53:56
فمن لقيت وراء الحائط يشهد أن لا إله إلا الله
54:01
مستيقنا بها قلبه
54:03
فبشره بالجنة
54:06
رواه مسلم
54:08
أما الاعتبار الثاني
54:10
فالمقصود به بلوغ درجة اليقين في تفصيلات الإيمان
54:15
والتي بها يبلغ العبد درجة الإمامة في الدين
54:20
كما قال تعالى
54:22
واجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا
54:27
وكانوا بآياتنا يوقنون
54:31
حيث يكون الإيمان بالغيب عند صاحب هذه الدرجة كالمعاينة
54:36
وبه يطمئن القلب
54:39
كما حكى الله عن إبراهيم عليه السلام أنه قال
54:43
أرني كيف تحيي الموتى
54:46
قال أولم تؤمن
54:48
قال بلى ولكن ليطمئن قلبي
54:53
قال بعض السلف
54:55
رأيت الجنة والنار حقيقة
54:58
قالوا كيف
55:00
قال
55:01
رأيتهما بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم
55:06
ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتهما بعيني
55:12
فإن بصري قد يطغى ويزيغ
55:15
بخلاف بصره صلى الله عليه وسلم
55:25
لليقين في تفصيلات الإيمان نوعان
55:28
بحسب ما يطلب اليقين به
55:32
أولا
55:33
يقين في خبر الله تعالى
55:36
ويشمل اليقين بكل ما أخبر الله تعالى به
55:40
وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم
55:43
من أمور الدين والدنيا جميعا
55:46
مثل ما آمن الصحابة بانتصار الروم على الفرس
55:50
في بضع سنين بعد هزيمتهم منهم
55:54
كما قال تعالى
55:56
غلبت الروم في أدنى الأرض
55:59
وهم من بعد غلبهم سيغلبون
56:03
في بضع سنين
56:05
لله الأمر من قبل ومن بعد
56:08
ويومئذ يفرح المؤمنون
56:12
والرسول صلى الله عليه وسلم
56:14
أول الموقنين بصدق خبر الله ووعده
56:18
فقد كان موقنا بأن الله سينصره ويظهره على العالمين
56:24
وهو ما يزال في أقسى مواقف الاضطهاد والأذى
56:28
ولم يستبطئ النصر أبدا
56:31
ولم يستيئس كما استيئس البعض
56:34
ثانيا
56:37
يقين في أمر الله الشرعي وأمره الكوني القدري
56:42
فاليقين بأمره الشرعي
56:44
هو امتثاله بالرضى التام والتسليم الكامل
56:48
كما قال تعالى
56:50
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم
56:56
ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما
57:04
وجزاء ذلك الفوز بالهداية والرحمة
57:08
كما قال تعالى
57:11
ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها
57:16
ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون
57:21
ثم قال بعدها
57:23
هذا بصائر للناس وهدا ورحمة لقوم يوقنون
57:30
واليقين بأمره الكوني القدري
57:33
هو الرضا به والصبر على المكروه منه
57:37
والتسليم فيه لله تعالى
57:39
ودعاؤه لتفريج الكروبات
57:42
موقنا من قلبه بإجابة الله له
57:45
ويكفيه بشارة في ذلك قول الله تعالى
57:49
فإن مع العسر يسرى
57:53
فقد ذكر الله سبحانه اليسر
57:58
مقارنا للعسر معا
58:00
ولم يقل بعد
58:02
فمهما وجد عسر فإن اليسر معه ويقارنه
58:08
كما أن تعريف اليسر في الآيتين دليل على أنه واحد
58:13
وتنكير اليسر يدل على تكراره
58:16
ولهذا قالوا
58:18
لن يغلب عسر يسرين
58:21
كما أن تعريف العسر يدل على الاستغراق والعموم
58:25
فيفيد ذلك أن كل عسر مهما بلغ من الصعوبة
58:30
فإنه مشمول بالتيسير الملازم له
58:34
الطمأنينة والسكينة والثبات
58:39
الطمأنينة والسكينة والثبات
58:42
كلها بمعنى واحد أو متقارب
58:46
فالسكينة فعيلة من السكون
58:50
وهي طمأنينة القلب واستقراره
58:53
كما قال الله عز وجل
58:56
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين
59:00
ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم
59:04
والثبات كذلك
59:06
استقرار وسكون وعدم ريب والطراب
59:10
فالطمأنينة والسكينة والثبات
59:13
أصلها في القلب
59:15
وأثرها يظهر على الجوارح
59:20
في الطمأنينة والإيمان
59:22
راحة للبال وصلاح له
59:25
البال هو القلب وما يخطر على المرء من تفكير
59:31
ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا
59:34
ويطمئن قلبه
59:36
ويصلح الله باله
59:38
قال عز وجل
59:40
والذين آمنوا وعملوا الصالحات
59:43
وآمنوا بما نزل على محمد
59:46
وهو الحق من ربهم
59:49
كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم
59:53
وإصلاح البال
59:55
يجمع إصلاح الأمور كلها
59:58
لأن تصرفات المرء
1:00:00
تأتي على حسب رأيه وباله
1:00:04
موجبات الطمأنينة والثبات
1:00:07
مما يوجب طمأنينة القلب وثباته
1:00:11
أولا
1:00:12
الإيمان بالله تعالى
1:00:15
قال الله عز وجل
1:00:17
يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت
1:00:21
في الحياة الدنيا وفي الآخرة
1:00:24
فيتحقق تثبيت الله للمؤمنين بسبب إيمانهم
1:00:29
ويكون ذلك بلزومهم للقول الثابت
1:00:33
كما يثبتهم الله أيضا بملائكته الكرام
1:00:38
قال الله عز وجل
1:00:40
إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم
1:00:45
فثبتوا الذين آمنوا
1:00:48
ثانيا
1:00:50
ملازمة ذكر الله تعالى
1:00:53
قال الله عز وجل
1:00:55
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله
1:01:01
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
1:01:06
ثالثا
1:01:07
ومن أهم موجبات الطمأنينة والسكينة
1:01:11
اليقين والصدق مع الله تعالى
1:01:15
قال النبي صلى الله عليه وسلم
1:01:18
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
1:01:22
فإن الصدقة طمأنينة
1:01:24
والكذب ريبة
1:01:26
رواه الترمذي وأحمد
1:01:29
وصححه الألباني
1:01:31
فالصادق مع الله الموقن بخبره وأمره الشرعي والكوني
1:01:37
تجد قلبه مطمئنًا إلى ربه
1:01:40
مطمئنًا إلى الطريق إليه
1:01:43
مطمئنًا تجاه أقدار الله سبحانه
1:01:47
فلا يرتاب ولا يتلجلج في الطريق
1:01:50
أو ينحرف بسبب شهوة أو شبه
1:01:54
فيجاز على ذلك بالإطمئناني
1:01:57
وعدم الفزع يوم القيامة
1:02:00
وهم من فزع يومئذ آمنون
1:02:04
كما يجاز بدخول الجنة والرضى بما يناله
1:02:09
يا أيتها النفس المطمئنة
1:02:13
ارجعي إلى ربك راضية مرضية
1:02:17
فدخلي في عبادي ودخلي جنتي
1:02:23
الحاجة إلى السكينة والطمأنينة
1:02:28
لا ينفك العبد المؤمن عن الحاجة
1:02:31
إلى الطمأنينة والسكينة في حياته
1:02:34
فهو يحتاج إلى السكينة في عبادته
1:02:37
حتى يحقق الخشوع فيها والخضوع لله تعالى
1:02:42
وجمعية قلبه عليه وحده سبحانه
1:02:46
فيذوق بذلك حلاوة عبادته
1:02:49
ويحقق الغاية من وجوده
1:02:52
ويحتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة لأصل الإيمان
1:02:57
ليثبت قلبه ولا يزيغ
1:03:00
ويحتاج إلى السكينة عند الوساوس والخطرات القادحة في أعماله الصالحة
1:03:08
لألا تقوى وتصبح إرادات ينقص بها إيمانه
1:03:13
كما يفعل الرياء بالمر إذا صاحب أعماله الصالحة
1:03:18
ويحتاج إلى السكينة والطمأنينة عند أسباب المخاوف والابتلاءات المتنوعة
1:03:25
ليثبت قلبه ويسكن جأشه
1:03:28
وهو أخيرا يحتاج إلى السكينة أيضا حال الفرح والسرور
1:03:34
لألا يطقيه فرحه ويتجاوز حده
1:03:38
فينقلب عليه تراحا ووبالا
1:03:42
الافتقار إلى الله
1:03:46
الافتقار إلى الله شعور يملأ قلب العبد المؤمن
1:03:50
ويتميز به عن الكافر
1:03:53
بل يتميز به المؤمنون الذاكرون الصابرون
1:03:57
عن الغافلين والجزعين من المسلمين
1:04:01
فالمؤمن يدرك معنى قول الله تعالى
1:04:05
يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله
1:04:10
والله هو الغني الحميد
1:04:13
فلا يطغى ولا يستغني عن ربه طرفة عين
1:04:18
ولا يلجأ في جميع أحواله إلا إلى الله وحده
1:04:23
والمفتقر إلى ربه في جميع أحواله
1:04:27
لا يتكل على نفسه بحال
1:04:30
ويقول صباح مساء
1:04:32
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث
1:04:36
أصلح لي شأني كله
1:04:39
تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا
1:04:43
رواه النسائي والبزار
1:04:46
وحسنه الألباني
1:04:49
أما الغافلون والجاحدون لنعم الله عليهم
1:04:53
فهم مستكبرون متمردون على ربهم
1:04:57
حال النعمة والرخاء
1:04:59
وقد لا يشعرون بافتقارهم إلى الله
1:05:02
إلا إذا اشتد عليهم البلاء
1:05:05
وأحاط بهم من كل جانب
1:05:08
قال تعالى
1:05:10
وإذا مسكم الضر في البحر
1:05:12
ضل من تدعون إلا إياه
1:05:15
فلما نجاكم إلى البر أعرضتم
1:05:19
وكان الإنسان كفورا
1:05:22
وقال تعالى
1:05:24
وإذا مس الإنسان الضر
1:05:27
دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما
1:05:32
فلما كشفنا عنه ضره
1:05:35
ومرك أن لم يدعنا إلى ضر مسه
1:05:39
كذلك زينا للمسرفين ما كانوا يعملون
1:05:44
الرضا
1:05:48
مقام الرضا من مقامات الأعمال القلبية العالية
1:05:53
فإذا كان القبول والانقياد
1:05:56
من شروط صحة شهادة ألا إله إلا الله
1:06:00
فإن الرضا مقام أعلى منهما
1:06:03
فهو يتضمنهما
1:06:05
ويزيد عليهما بانتفاء الحرج من القلب
1:06:09
والتسليم الكامل لله تعالى
1:06:12
وحكمه وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم
1:06:16
كما قال تعالى
1:06:18
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم
1:06:24
ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما
1:06:32
وبموجب هذه الآية
1:06:34
فإن الرضا ثلاث درجات تتسق مع درجات الإسلام والإيمان والإحسان
1:06:41
فتحكيم الشرع هو مقام الإسلام
1:06:45
وانتفاء حرج القلب هو مقام الإيمان
1:06:49
والتسليم لذلك ظاهرا وباطنا هو مقام الإحسان
1:06:55
المؤمن يرضى بما يرضاه الله ويرفض ما لا يرضاه
1:07:02
يجب على العبد المؤمن أن يرضى بما يرضاه الله له ويرفض ما لا يرضاه سبحانه
1:07:10
فالله عز وجل رضي لنا الإسلام دينا
1:07:14
كما قال تعالى
1:07:16
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا
1:07:24
فوجب علينا أن نرضى تماما رضا بهذا الدين الذي رضيه لنا الله العليم الحكيم
1:07:31
والله لا يرضى لعباده الكفر
1:07:35
كما قال تعالى
1:07:37
إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر
1:07:45
فوجب على العباد محاربة الكفر وعدم الرضا به واقعا في الحياة
1:07:51
هذا فيما يتعلق بما يرضاه الله شرعا
1:07:55
أما ما يقدره الله عز وجل على عباده من أقداره الكونية
1:08:02
فإن كان مما يمكن مدافعته بالأسباب المشروعة
1:08:06
فيسعى لدفعه
1:08:08
ولا يتعارض هذا مع الرضا بما قدره الله عز وجل
1:08:13
وإن كان مما لا يمكن مدافعته
1:08:16
بأن وقع وكان
1:08:18
كموت ونحوه من المصائب
1:08:21
فهنا يجب الصبر والرضا بقضائه وقدره سبحانه
1:08:27
جماع الدين في الرضا بثلاثة
1:08:30
يجتمع الدين في الرضا بثلاثة أمور جليلة
1:08:36
الرضا بالله عز وجل ربا
1:08:39
والرضا بالإسلام دينا
1:08:42
والرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا
1:08:47
فالرضا بالله ربا
1:08:49
يشمل توحيد الألوهية
1:08:51
وما يتضمنه من محبة الله وعبادته ودعائه
1:08:56
وخوفه ورجائه
1:08:58
كما يشمل توحيد الربوبية ربا
1:09:01
وما يتضمنه من الرضا بتدبيره وقضائه وقدره
1:09:06
والتوكل عليه سبحانه
1:09:08
والاستعانة به
1:09:10
والرضا بدين الله تعالى
1:09:13
يعني الاستسلام المطلق لأحكامه وتشريعاته
1:09:17
والرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا
1:09:22
يعني كمال الاتباع والانقياد له صلى الله عليه وسلم
1:09:28
ولهذا كان الرضا بهذه الثلاثة مما يوجب الجنة
1:09:34
كما قال صلى الله عليه وسلم
1:09:37
من قال رضيت بالله ربا
1:09:40
وبالإسلام دينا
1:09:42
وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا
1:09:46
وجبت له الجنة
1:09:48
رواه أبو داوود
1:09:50
وصححه الألباني
1:09:53
ولذا أيضا كانت هذه الأمور الثلاثة
1:09:56
هي التي يسأل الملكان العبد عنها أول ما يدخل القبر
1:10:01
كما ورد في حديث البراء بن عاز بن الطويل
1:10:05
فيقولان مالربك
1:10:08
فيقول ربي الله
1:10:11
فيقولان له ما دينك
1:10:14
فيقول ديني الإسلام
1:10:17
فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم
1:10:22
فيقول هو رسول الله
1:10:25
الحديث
1:10:28
رواه أبو داوود وأحمد
1:10:30
وصححه الألباني
1:10:33
خلاصة مفاهيم أهل السنة